الجادة 8
الأسئلة الوجودية الملحّة
أروى الداوود
X
الروبوت، شاعر أم شعرور؟
خديجة الصبار

يقال إن الإنسان لديه ثلاثة أسئلة وجودية، تقض مضجعه إذا لم يستطع الإجابة عليها. وتنبثق من هذه الأسئلة الثلاثة كل الأسئلة الوجودية الأخرى، بسيطة كانت أو كبيرة، إذ أن مهمتها أن تفسر للإنسان وجوده وتعطيه هدفًا ورسالة.

فإن لم يُجِب عنها إجابة لا تتسق مع الرؤية التي يراها لنفسه والسلوك الذي يقوم به، فذلك يؤدي إلى الانفصام والشك وحيرة كالّتي أصابت إيليا أبو ماضي مع أسئلته الوجودية

 “جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!”

 

لأن إجابتك عن هذه الأسئلة الثلاثة تبني عليها معرفتك المستقبلية، وأحكامك والمعنى الذي ستملكه حياتك. إذ أنها تصوغ رؤيتك ومنهجك الذي ستُجيب فيه أي سؤال. هذه الأسئلة فطرية وتولد مع الإنسان ويرددها في طفولته أكثر من كهولته فيسأل أبويه عن كل سؤال يُعتقد أنه من العبث فرض علامة استفهام عليه.

السؤال الوجودي الأوّل: من أنا؟
السؤال الوجودي الثّاني: من أين أتيت؟
السؤال الوجودي الثّالث: إلى أين سأذهب؟

إجابات هذه الأسئلة قد لا تكون شائكة عند المؤمنين بالديانات السماوية مثل الإسلام؛ فهو يعطي إجابات ثابتة لا تتغير، وتقريبًا هذه الأسئلة الثلاثة هي منشأ كل دين. إذ تحاول الأديان منذ الأزل تفسير وجود البشر وعلته، بتقديم إجابات معقولة للأسئلة الوجودية الكبرى إلى أتباعها.

في المجتمعات اللادينية، أو التي تستبعد المكون الديني من تكوين فكرها، نجد أن هذه الأسئلة باتت معلّقة، أو وجد لها إجابات متعددة ومتغيرة لذلك تنشأ نزعة نحو العدمية، ورؤية الوجود عبثًا لا غاية حكيمة منه.

وهذه النزعة قد تنشأ أيضًا عند أفراد المجتمعات الدينية لأن هذه الأسئلة وإجاباتها لا بد من أن تكون متّسقة مع المعرفة المكتسبة، فإذا تغيرت هذه المعرفة تأثرت هذه الإجابة.

تقول الباحثة انتصار العتيبي في محاضرتها عن تاريخ الفكر الغربي:

"إن الأسئلة الثلاثة إذا ما اصطدمت مع ثقافات أخرى وأحدثت شكًّا في هذه الإجابات، ستسبب بتحولات للإنسان، إن إجاباتي على الوجود تتسق مع معرفتي وتتسق مع قيمي، فإذا درست علمًا لا يوجد اتّساق بينه وبين أسئلتك الوجودية فإنه حتمًا سيؤثر على إجاباتك الوجودية، لذلك عندما ينفتح الإنسان علميًّا فإنّ أفكاره تبدأ بالتخلخل، فتتأثّر أفكاره وعقيدته أو إجاباته على الأسئلة الوجودية لأنه لا يجد اتّساقًا بين معرفته وبين إجاباته بل صار في انفصام".

الإجابة في الإسلام قد تكون على درجة من الوضوح فأنا عابد لله أتيتُ منه، وسأذهبُ إليه، ولا يوجد فيها اختلاف. إلّا أنّ احتمال حصول الانفصام كما الحالة السابقة قد لا يكون بعيدًا.

الفكر الغربي الحديث بدوره كان له تفسيرات مختلفة وجودية وبراغماتية، إلا أنها أجمعت على استبعاد المكون الديني. جعلت الوجودية الإنسان مناطًا للوجود، فالإنسان يوجد أوّلًا ثم توجد ماهيته. أي على الإنسان أن يخلق ماهيته الخاصة. ومن هذا المنطلق، وجِدت مدرسة العلاج بالمعنى (Logo Therapy). فكل إنسان يبحث عن ماهيته الخاصة ومعناه الخاص من وجوده في هذه الحياة ولأجل ماذا يعيش ويموت.

هو العصفور بالأمس وقد يكون غدًا الشجرة مثلما هو بوذا اليوم

وكان للشرق أيضًا إجاباتهم الخاصة التي تختلف باتساع ثقافاتهم، وتتغير بتغير مكوّنهم الفكري ومدى اقترابهم منه وابتعادهم عنه. إنّ بوذ مثلًا يفترض بأن الحياة حلقة من الصيرورة الدائمة، فلا يوجد شيء دائم في الذات المادية والشيء يتعلق بالشيء الآخر ويعتمد عليه. فبوذا هو العصفور بالأمس وقد يكون غدًا الشجرة مثلما هو بوذا اليوم.

وهي إجابة تشبه إجابات الفلاسفة اليونانيين أمثال فيثاغورس، وإمبيدكلس اللذين آمنا بتناسخ الأرواح؛ إما لأنهما يران أن الروح خالدة كونها مرتبطة بالروح الإلهية الأزلية، أو أنها تعود وتتحد مع خالقها بعد أن تتطهر، أو أنه سيكون عدمًا وذرات في الوجود كما قال أرسطو وديموقريطوس.

وعلى الرغم من أن إيمانك بالدين سيكفلُ لك غالبًا الإجابات الثلاث ثابتة ممتلكة حُججها، إلا أنّ تحقق استقرارها في نفسك يكون بعد أن تصبح محل تفكر وتساؤل. يقول الكاتب العراقي رياض الدليمي:

"لم يوجد نص قدسي يبرر للإنسان رضوخه تحت الإيمان اليقيني الخالي من الأسئلة دون براهين وثوابت أزلية وحجج ترسخ اليقين في ذاته وجوهر كنهه".

قد لا يرضى العقلُ المتّقد بالإجابة عن الأسئلة الوجوديّة الأساسيّة الثلاثة فحسب. بل ينطلقُ ليبحث عن إجاباتٍ أُخرى، أين سيذهب؟ وكيف سيقوم بدوره الأمثل على وجه هذه الأرض؟ وكيف سيقوم بتحديد الصواب والخطأ كما يتفق مع إيمانه. ويبقى يراجع نفسه في كل طور جديد من حياته، حين تدق هذه الأسئلة بابه وتقف له في طريقه وتتمثل له عند كل معضلة.

قد تبدو الأسئلة الوجودية شَرَكًا شائكًا، يوقِعُ الإنسان في تخبّطات وتساؤلات في محاولة إجابتها، وقد يضيع أيضًا في هذه المحاولة حتّى آخر حياته، وحتّى نتجنب ذلك فإننا نحتاج إجابات تصمد في وجه التحولات التي قد تؤثر على طريقة تفكيرنا، وتكون متسقة مع رؤيتنا لأنفسنا، وتجيب عما نشعر أنه مهمتنا في هذه الحياة.

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول