القوة: لماذا أصبحت سهلة المنال، وصعبة البقاء

القوة: لماذا أصبحت سهلة المنال وصعبة البقاء؟

في عام 2015، تحدّى مارك زوكربيرگ نفسه ليقرأ كتابين كلّ شهر. وكان الكتاب الأول «نهاية القوة» (The End of Power) الذي يحوي غلافه اقتباسًا حماسيًّا من الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون:

ستغيّر «نهاية القوة» الطريقة التي تقرأ بها الأخبار، والطريقة التي تفكّر فيها بصفتك سياسيًّا، والطريقة التي ترى فيها العالم

وتقول الفرضية التي يطرحها الكتاب إنّ القوة تتقسم بشكل يتصاغر شيئًا فشيئًا حتى يصل أدناها إلى الناس. وليس غريبًا أن يقرأ كتابًا كهذا عددٌ من النخبة مثل بيل كلينتون ومارك زوكربيرگ.

وأجد هذا الكتاب يقدّم درسين للقوة تبرهنت من خلال الشخصيتين اللتين أشرْت إليهما: بيل ومارك. وقد ظهرت النظرية التي بُنيَ الكتاب عليها، وكانت هذه السنة عصيبة عليهما. فمن ناحية بيل، توضّح فرضية الكتاب المعارَضةَ القوية التي واجهتها هيلاري كلينتون وهي تُعد جزءًا من المؤسسة التي تملك القوة. وتوضح لماذا فقدت فرصة الفوز بالرئاسة في انتخابات 2016.

وأمّا مارك، فقد تساعده الأطروحة في فهم رد الفعل العنيف تجاه الشركة. إذ إن فيسبوك تواجه هجمات متتالية هي الأكبر منذ سنوات. وتدور حول تلهف الشركة للحصول على أكبر قدر من البيانات والتحكم بها.

إذن، ما لبّ هذا الكتاب؟

الفكرة الأساسية هي أنّ المنظمات التي كانت تعد الأقوى في المجتمع بدأت في الانحلال. تبدو كما لو أنّ العالم أصبح غير متوَقَّع. من الممكن أن تتقلب الآراء دون سابق إنذار، وتميل لأن تكون أكثر عنفًا. كما لو أنّ البشر والأفكار وكل شيء أصبح يأتي من حيث لا نعلم. وهذا كلّه يحدث بشكل متسارع.

ولكي نفهم السبب وكيف حصل، علينا أن نعود إلى الوقت الذي كانت فيه دينماكية أو حيوية القوة مختلفة تمامًا.

نجد أنّ القوة قبل «الثورة الصناعية» سياسية إجمالًا وتتمركز في أيدي الملوك ورجال الدين. فهم يفوضون القوة إلى ذويهم أو أصدقائهم -النبلاء- وبهذا يحكمون تلك الأجزاء من الأرض.

لم يكن حينها السفر والترحال سهلين. فقد كان السفر مكلفًا وخطرًا، ولهذا كانت الهجرة حينها نادرة جدًا. والعادة والأغلب أنّ الإنسان حينها لم يعش حياةً خارج إطار قريته الصغيرة. وكانت المعلومات التي يحصل عليها أغلب الناس من الكتب المقدّسة، كالقرآن أو الإنجيل أو التوراة. وقد يكون هناك بضعة كتبٍ شعرية أو روايات. إلاّ أنّ الناس، في الأغلب، حينها كانت لا تستطيع القراءة.

الاستقرار لم يدُم، ولن يدوم

كانت المجتمعات ثابتة وغير حيوية على الأغلب. وكان اللباس يُفرَض فرضًا بشروط وقيود، وما تزال بقايا هذه القيود في بعض البلدان، خصوصًا تلك التي لرجال الدين فيها الصوت الأعلى. وجعل هذا حالة معظم المجتمعات مستقرّة. ومَن كان يملك القوّة حينها، كان يملك جلّها. ومَن لم يملكها من بقية الناس، لم يكن يملك أي شيء من القوة والسلطة. إلا أنّ هذا الاستقرار لم يدم، ولن يدوم.

في وقتٍ ما في القرن الثامن عشر عندما بدأت حركة الثورة الصناعية تنهض، تغيّر كلّ شيء. وأصبحت القوة والسلطة أسهل من أي وقتٍ مضى.

أنواع القوة

ولنفهم كيف حدث هذا، يجب أن نفهم ما القوة. ونستطيع أن نبسطها لنقول إنّها المقدرة على تشكيل سلوك الآخرين.
وهناك أربعة أنواع من القوى يستطيع الناس استخدامها لتطبيق هذا المفهوم:

  • القوة الغاشمة:

كما تتوقع تمامًا، أن يفرض أحدهم سلوكًا معينًا على الآخرين بقوة اليد، مثل التهديد بالعنف، أو السجن خلف القضبان… إلخ.

  • المكافأة:

أن تقدّم للناس شيئًا يريدونه، سواءً كان مالاً أو أرضًا أو غذاءً مقابل أن يقوموا بشيء لم يكونوا ليقوموا به لولا رغبتهم بالمكافأة. وهذا بشكلٍ أو بآخر، يمثل حال الوظائف في الشركات اليوم.

  • معايير المجموعات:

هنا، جعلُ الناس يشعرون بالخجل والأسى تجاه عملٍ ما، بأن ينظر له الناس نظرة دونيّة. كأن تجد مجتمعات تنبذ الطلاق أو ترفض التفكير المنطقي… والأمثلة عديدة.

  • الإقناع:

أن تجعل الناس يُقبلون على عمل شيء بتغيير طريقة تفكيرهم تجاهه، وهذا ما تفعله الشركات الإعلانية كمثال.

الثورة الصناعية وانقلاب القوى

قبل أن تبدأ الثورة الصناعية، كان استخدام أيًا من هذه القوى الأربع سهلًا. وهذا يعود إلى أنّ الناس كانوا أقلّ، وكانوا، نسبيًا، أكثر فقرًا وأقل عافية. فلم تكن في حاجة إلى استخدام القوة الغاشمة أو المكافأة لتجعلهم يعملون لأجلك. ولأنّ قدرة الناس في الوصول إلى المعلومات والثقافات المتنوعة كانت محدودة، كانت معايير المجموعات والإقناع أكبر قوتين لتغيير سلوك الناس والتحكم بهم.

القوة: لماذا أصبحت سهلة المنال، وصعبة البقاء

إلاّ أنه عندما بدأت الثورة الصناعية، بدأ تشكيل القوى في الانهيار، وخذ على سبيل المثال المحرك البخاري. كانت آلةً تنتج الكثير بشكل عملي دون الحاجة إلى أي أيدٍ عاملة تذكر. وبسبب هذا المحرك البخاري، تمكن الإنسان من جعل الطباعة أرخص، وجعل هذا الكتب والصحف تنتشر انتشارًا لم يسبق له مثيل. وأدّى هذا، بالضرورة، إلى انفجار معرفي ضخم. وبسبب المحرك البخاري، اخترع الإنسان القطار، ما جعل السفر أسهل من السابق بكثير. ما جعل الناس تتعرف على آفاق الثقافات بشكل لم يوجد له مثيل. وبسبب المحرك البخاري، انخفضت أسعار معظم الأشياء، لتعيد تشكيل شكل الاقتصاد على هذه الأرض.

إلاّ أنّها لم تكن تتمحور حول المحرك البخاري فقط. كانت هذه فقط البداية لدائرة مستدامة ما نزال نعيشها اليوم. جعلت الاختراعات الجديدة كالميقاتية أو (الكرونومتر) من الملاحة في السفن أكثر دقّة وأمانًا. اختراع كهذا، فتح أبواب التجارة العالمية والهجرة على مصراعيها.

وأصبح الناس أكثر صحّة وعافية مع تطور العلاج وتقليل التلوّث مع تحسن أنظمة الصرف الصحي. وأصبح الإنسان يعيش عمرًا أطول، وقلّ عدد الأطفال الموتى.

هذه الدائرة العجيبة جعلت البشر والأفكار العلمية المتقدمة في تسارعٍ مذهل، ممّا أدى إلى ظهور تقنيات أكثر تطورًا. وهذا كلّه أدى إلى تدفق أسهل للأفكار بشكل لم يكن متاحًا من قبل.

واستثمر روّاد الأعمال هذه التقنيات الضخمة لبناء مشاريع غيرت كلّ مفاهيم القوة عمّا عرفناه في السابق.

ما يزال النخبة والنبلاء يملكون قصورهم وأراضيهم. لكن، الكثير من شعوبهم بدؤوا في الإنتقال إلى المدن للعمل في المصانع، والحصول على الاستقلالية من ولاتهم.

كن مستعدًا، فالفرصة القادمة قد تكون لك

مرورًا بالتاريخ القديم إلى يومنا هذا، ومع مئات السنين من التطور التقني الكبير، أصبح الإنسان يملك قوة أكثر من أي وقت سابق. قد لا تبدو الصورة كذلك دائمًا، والأكيد أنّ هناك الكثير من العمل ليتم، إلاّ أنّ الفقر في تناقصٍ مذهل.

وكما أنّ الناس أصبحوا أكثر عافية وأكثر ثراءً وأكثر معرفة، فقد بدؤوا كذلك في المطالبة بديموقراطية الحكومات بشكل أكبر. ولكن انحلال القوة لم يؤثر على يوم الإنسان العادي فقط، بل أصبح تحقيق الناس طموحاتهم في الحصول على قوى سياسية أسهل.

في أميركا، من المرشحين لانتخابات 2016، ظهر بارني ساندرس ودونالد ترمب من خارج الدائرة السياسية بين ليلة وضحاها. ولم يكن هذا ليحصل على الإطلاق قبل 50 عامًا، عندما كان الناس لا يملكون مصادر سوى بضع قنوات تلفزيّة وصحف محلية.

ومن دواعي السخرية، أنّه عندما كان بيل كلينتون يقرأ كتاب «نهاية القوة» عام 2013، لم يكن عنده أي فكرة أنّ ذات الظاهرة لمقاومة المؤسسات ستُنهي كلّ أحلام زوجته هيلاري في الرئاسة.

ويا لسخرية القدر كذلك، حيث إنّ سعي مارك زوكربيرگ ليضعف قوة الإعلام التقليدي يحاصر شركته في عام 2016.

واضح جليًا أنّ التوجه العارم لإحلال القوة قد انقلب في أماكن معينة. كالشركات التقنية الجديدة التي تملك قوة مهولة، مثل فيسبوك وأبل، وأمازون، وگوگل. لكن، واستنادًا إلى الكتاب ذاته، «نهاية القوة»، فقوتهم مقيّدة، وربّما تكون وقتية عكس ما كان في السابق لقائدي الحكومات والصناعة والأديان، وحتى الإعلام. هذا لأنّ العالم في تغيّر متطارد متسارع، والقوة التي تظهر كما لو أنّها لا تُقهر اليوم، قد لا تكاد تعرفها غدًا.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×