إمّا مع دارث فيدر، أو مع الإرهاب

إمّا مع دارث فيدر، أو مع الإرهاب. هكذا تحاول الكثير من الأفلام تصوير الحياة، إمّا معنا (الأخيار) أو مع الأشرار والإرهاب الذي يدمر العالم.

فيصل العريفي
28 ديسمبر، 2017

قد تظهر لنا الكثير من الأفلام على أنّها سطحية وذات نصوص ركيكة كُتِبت لجني الأموال وتصدُّر شبابيك التذاكر. ولكن حين نمعن النظر في رمزياتها وإسقاطاتها نجدها أعمق من ذلك بكثير.

كتابة الأفلام شبيهة بكتابة الروايات أو القصص المصورة. فهي وسيط يعبّر من خلاله الفنّان عن أفكاره، وينسج عالمه الخاص. تجده يجسّد من يُكن له مشاعر الكره بشخصيات وحشيّة ومجرمة، ومن يرى فيه بصيص الخير والأمل يستوحي منه شخصية البطل. ويحاول عبر عالمه هذا تقديم رمزياته وتهكّماته على العالم الواقعي، لكن عبر شاشة السينما التي تستطيع أخذنا إلى مجرة بعيدة، بعيدة جدًا.

الأفلام كنافذة للهروب من العالم

كانت هذة الظاهرة جليةً تمامًا على مَن يقرأ بين السطور ويدرس الشخصيات بعناية في سلسلة حرب النجوم (Star Wars). نعم هذه السلسلة المحببة للأميركان ولبعضنا التي خصصّوا لها يومًا سنويًا للاحتفاء بها من شدّة تعلقهم بعالمها.

ولكن ما يخفى على الكثير منهم أن استلهامات الكثير من الشخصيات المحببة لديهم التي تعلقوا بها لدرجة أنهم يطبعونها على قمصانهم التي يلبسونها وأكوابهم التي يشربون منها وحقائب الأطفال التي يبكون من أجل اقتنائها – استُلهِمت من أعلام السياسية الأميركية.

ففي تصريح لصحيفة شيكاگو تريبيون، أوضح جورج لوكاس (George Lucas) مخرج السلسلة أن فترة حرب فيتنام، ومحاولات الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ترشيح نفسه لولاية أخرى كانت أحد أهم المؤثرات ومصادر الاستلهام التي ساعدته في بناء هذا العالم وتكوين شخصياته.

أوضح لوكاس أيضًا الكثير من الأمور والرمزيات السياسية في هذه السلسلة، وكيف ساعده ذلك على تقوية ارتباط المشاهدين بالسلسلة. وكيف أن محبي السينما يستخدمون الأفلام كنافذة للهروب من عالمهم، ولا يريدون أن يروا أو يسمعوا بها القضايا نفسها والأسماء السياسية التي تملأ يومهم في كل مكان. يكفي أن يروهم حين يقلبوا محطات التلفاز، ويظهروا لهم حين يشغلوا المذياع في طريقهم إلى العمل، ويرونهم في اللوحات الدعائية في أنحاء الطرقات.

«أنتم إمّا معنا، أو مع العدو»

تجلت براعة لوكاس باختزال العالم السياسي في سلسلته وتجسيد أهم الرموز في شخصياته بطريقة شيّقة وغير مباشرة. فعلى سبيل المثال، كانت شخصية الإمبراطور بالباتاين الشهيرة مستوحاة من شخصية الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون. وعندما سألوا جورج لوكاس عن ماضي الإمبراطور أجابهم متهكمًا:

لقد كان سياسيًا. كان اسمه ريتشارد نيكسون، وقلب نظام مجلس الشيوخ وأصبح إمبراطورًا، وكان شريرًا و لكن يتظاهر دومًا بأنه رجل لطيف.

لم يتوقف لوكاس عند هذا الحد فحسب، بل قام بإسقاطات واضحة للعلن ليشير إلى رمزيات شخصياته. مرة أخرى كانت السياسة مصدر إلهام ساعده في نسج عالم ثلاثيته الثانية وبنائه التي تقاطعت فترة إنتاجها مع فترة الحرب الأميركية على الإرهاب ورئاسة بوش الابن.

ففي الحلقة الثالثة من السلسلة، والمنتجة عام 2005، استعار لوكاس إحدى أشهر خطابات جورج بوش في فلمه. نعم، استخدم تلك الجملة الشهيرة «أنتم إمّا معنا، أو مع العدو» التي قالها في خطابه عندما أعلن الحرب على الإرهاب عام 2003.

في الفيلم،

استعار دارث فيدر (Darth Vader) هذا الخطاب عندما قال في أحد المشاهد الأيقونية «إذا لم تكن معي، فأنت مع العدو». يرى جورج لوكاس، الرئيس بوش رمزًا للشر، ولكنه كان في ماضيه رجلًا صالحًا في حين أن الشر المطلق يتمثل في ديك تشيني (*** Cheney)، نائب الرئيس آنذاك. وساعده ذلك في تشكيل شخصية الإمبراطور الذي استقطب دارث فيدر من جانب الخير إلى الجانب المظلم.

استخدم رونالد ريگن وباراك أوباما وهيلاري كلينتون، وغيرهم كثير من السياسيين اقتباسات من حرب النجوم في خطاباتهم وحملاتهم الدعائية. لا عجب في ذلك، إذا علمت أن جورج لوكاس كتب ملامح السلسلة وقت دوامة قضية ووترگيت (Watergate)، وفترة إعلان الحرب على الإرهاب. وأن دوافع كتابة هذه السلسلة هو الوضع السياسي المرتبك في الفترتين، فقد أجاب لوكاس عن سؤاله عن الرمزيات السياسية في السلسلة الأصلية وقال:

لقد كانت عن حرب فيتنام وفترة رئاسة نيكسون التي جعلتني أفكر تاريخيًا عن كيف تُحَوَّل الديمقراطيات إلى دكتاتوريات؟ لأن الديمقراطيات لا يًطاح بها، ولكنها تُسلَب من الداخل.

عندما تشاهد فلمًا جديدًا، عليك بالتمحيص في خباياه و طبقاته ورسم الخطوط بين رمزياته وعالمنا الحقيقي. أو افعل كما فعل البقية، أرجع ظهر كرسيك للوراء وخذ رشفةً من مشروبك المفضّل، واستمتع فقط بما هو أمامك، كما هو.

اشترك في نشراتنا البريدية
اقرأ المزيد في الثقافة
مقال . الثقافة

بلفاست «المشاكل» والدبابة الحربية

«حدث ذلك قبل ولادتك بسنتين، أظنه عام 1987»، تُخبرنا والدتي عن موقف حدث لها هي ووالدي في مدينة بلفاست، مسقط رأسي، في المملكة المتحدة أثناء

روان الفريح
مقال . الثقافة

منع الكتب والمحكمة الثقافية في السعودية

منع الكتب في السعودية، ومنع الكتب في أي مكان في هذا العالم، خضع لعقود طويلة لتحكم المسؤولين. وقدرات الحكومات التي نجحت نسبيًا في إيصال ما تريده إلى العامة، وإبقاء خارج هذه الدائرة ما لا يتفق مع سياساتها العامة أو ماتراه مضرًا بوحدتها أو مخلاً بآدابها العامة. واستمر هذا حتى ظهور المذياع، فالتلفاز، وحتى بعد ظهور الفضائيات. واستمرت الدول بالمحافظة على قيمها الرمزية وثقافتها الداخلية، ثم جاءت العولمة التي سببت خللاً في هذا التوازن ولم يتوقف الأمر عند حد معين، لأن العولمة أردفتها التقنية بقوة هائلة وصار تغلغلها أسهل من أي وقت مضى.

أروى الداوود
بودكاست أرباع . الثقافة

لم نحيي التراث؟

الحلقة “93” من بودكاست أرباع مع ابتسام الوهيبي، خبيرة في شبكة خبراء يونسكو. عن أهمية توثيق التراث غير المادي.

لوليد العيسى
مقال . الثقافة

تأملات في الضجيج والسكون برفقة «ديفيد هنري»

للضجيج صورة متقابلة مربكة. فيذكّرنا بالعمال المسحوقين تحت ضجيج الآلة، وبضجيج المستشفيات والمعامل التي تكرس لإنسان أصحّ وأطول عمرًا.

صالحة عبيد
فلم . الثقافة

ثمانية أسئلة مع طبيب نفسي

في هذه الحلقة من سلسلة “ثمانية أسئلة” نستضيف الاستشاري والبروفيسور في الطب النفسي أ.د. عبدالله السبيعي، ليجيب على أسئلتنا.

رهام الزعيبي
فلم . الثقافة

سعوديون عارضو أزياء في طوكيو

في اليابان، وشوارع طوكيو تحديدًا، مع يوسف ويزيد ومحمد. ثلاثة شباب سعوديين، خاضوا مجال عرض الأزياء أو modelling هناك. أتوا من نجران وجدة والمنطقة الشرقية، إلى اليابان للدراسة، شيئًا فشيئًا بدأوا يعيشون اُسلوب حياة وطريقة مختلفة تمامًا عمّا كانوا عليه سابقًا، قليلًا.

ريما طلال