أطفال الفلاتر: صورة للذكرى، أم لغلاف مجلة؟

أطفال الفلاتر: صورة للذكرى أم لغلاف مجلة؟

ثمود بن محفوظ
18 ديسمبر، 2018

في كل يوم تقف الملكة أمام مرآتها التي لا تكذب وتسألها: «مرآتي العزيزة، من هي أجمل الجميلات؟». وفي كل مرة تجيبها المرآة: «أنت أجملهن يا مولاتي». ولأن دوام الحال من المحال، جاء اليوم الذي وقفت فيه الملكة بكل تملّل لتسأل مرآتها: «مرآتي العزيزة، من هي أجمل الجميلات؟»، وسكتت المرآة قليلًا: ما بال هذه المرآة؟ أعادت الملكة السؤال بعصبية: «مرآتي، من هي أجمل الجميلات؟»، ولم ترد المرآة. أعادت الملكة السؤال للمرة الثالثة، وللمرة الثالثة كان الصمت ما حصلت عليه الملكة.

جمال متغير

تغيرت معايير الجمال كثيرًا في السنوات الأخيرة. فبفضل شركات الأزياء ومستحضرات التجميل، أصبحت معايير الجمال معقدة لكلٍ من النساء والرجال. وزاد دخول تقنيةِ معالجة الصور من الطين بلة، وأصبحت هذه المعايير شبه مستحيلة. أما اليوم وفي عالم فلاتر سنابشات وما شابهه من تطبيقات، فإن الجمال متغير ويتحسن بشكل مستمر بفضل خوارزمياتٍ تخفي عيوب الواقع.

أصبح استخدام فلاتر سنابشات من الأمور المسلَّم بها. وأكاد أزعم أن نسبة الفتيات والنساء اللاتي يستخدمن ميزة الفلاتر أكبر بكثير من الشباب والرجال، وذلك لأن 70% من مستخدمي سنابشات من النساء حسب تصريحات سابقة لمديرها التنفيذي.

لنعد إلى الفلاتر التي تَصور بها الصغير والكبير، وحتى الحيوانات والطيور. الشيء المشترك بين أغلب فلاتر سنابشات أنها تغير من شكل الشخص لجعله أكثر جاذبية. فعيناك ستبدوان كبيرتين، وبشرتك ناعمة كيوم ولدتك أمك، والشفاه ستميل إلى الحمرة، والبريق الإضافي في عينيك سيجعلك تصدق لوهلة أن في عينيك سحرًا.

قد يشكل هذا النوع من الصور -وإن كنت لا ترى فيه أي ضرر مباشر- ضغطًا نفسيًا عليك، كونك تريد الوصول إلى الصورة المثالية بشكل مستمر، ولأنك لا تريد أن تكون مختلفًا عن بقية الصور التي يشاركها أصدقاؤك أو مشاهير التواصل. وإن كنت لا تصدق، فقد أظهرت بعض الأبحاث أن الصور المعالجة رقميًّا وصورة المرأة المثالية تشكل ضغطًا نفسيًّا على الفتيات والنساء اللاتي يحاولن الوصول إلى تلك المعايير الجمالية المستحيلة، مما يؤدي إلى ممارسات مضرة مثل الحِمية الصحيّة القاسية أو عمليات التجميل، وغيرها من محاولات تغيير الشكل، من أجل الوصول إلى تلك المعايير.

«الشكل المثالي»

دفع أثر الصور المعدلة على المجتمعات الحكوماتِ للتدخل في بعض الأحيان وإيقاف عرض إعلانات العديد من شركات مستحضرات التجميل من الظهور. ففي المملكة المتحدة مُنِع أحد إعلانات شركة لانكوم التي تظهر فيه الممثلة الشهيرة جوليا روبرتس ببشرة ناعمة وخالية من العيوب لأنها استخدمت كريم الأساس من لانكوم. وقد جاء المنع بعد أن اتضح أن النتيجة التي يدعيها الإعلان غير حقيقية، وثمة احتمالية أن تكون الصورة المستخدمة معدلة بواسطة فوتوشوب وما شابهه.

الإعلان أعلاه ليس الوحيد، فقد كشفت منظمة ASA البريطانية أن الكثير من إعلانات شركات التجميل مضلِّلَة، وأن النتائج المعروضة تتنافى مع الواقع، وأدّى هذا الشيء إلى إيقاف الكثير من الإعلانات التي تبيعك فكرة «الشكل المثالي».

من حسن الحظ أن هناك منظمات وحكومات تعمل على إيقاف مثل هذه الإعلانات، لكن المعضلة الحالية هي أن التجميل والتحسين انتقل من استوديوهات التصوير وبرامج الفوتوشوب إلى الهواتف الذكية وبرامج التواصل.

في حالة سنابشات وغيره من البرامج، فإن فلاتر تعديل الشكل وتجميله جعلت من الكل جميلًا رغم معرفتنا أن هذه الصور معدلة. ببضع نقرات على الشاشة، سنشعر بنوع من الرضى الداخلي، وستجدنا نمعن النظر في النتيجة بنوع من الهيام في مشهد يجعلنا أقرب لنرسيس الذي وقع في حب نفسه حين شاهد انعكاس صورته على الماء.

قد يرضى الكبار باستخدام هذه الفلاتر من أجل المتعة (والكذب على أنفسهم قليلًا)، لكن المشكلة هي حين نستخدم هذه الفلاتر لتصوير الأطفال. يا ترى ما الآثار المترتبة على تصوير أطفالنا عبر فلاتر هذه التطبيقات؟ هل هناك من يفعل ذلك أصلًا؟

طفولة الفلاتر

لتأكيد فضولي قمت ببحث بسيط في إنستاگرام وعثرت على وسم #بنتي_حبيبت_امها (ولنتغاضَ عن قواعد اللغة العربية). خلال مطالعتي لنتيجة البحث، وجدت بعض صور الأطفال تستخدم فلاتر بسيطة مثل أذن القط وأشباهها. ولا أعتقد أن هذه الظاهرة صحية أبدًا، لأن الطفل سيرى نفسه «المعدلة» وسيتعلم التصنع ليبدو جميلًا، وسيقارن نفسه بالبقية من الناحية الشكلية.

إن كانت الأبحاث السابقة قد ادّعت أن صور العارضات تسبب أزمة نفسية للنساء، فما مقدار الضرر الذي سنُلحقه بالأطفال حين يُصوَّرون عبر هذه الفلاتر؟ هل سيحزن أحمد لأن خالد «كيوت» أكثر منه في بعض الصور؟

بقصد أو دون قصد، هناك بعض الضغط على الأطفال ليظهروا «جميلين» في الصور بدل أن يكونوا طبيعيين، وكل ذلك من أجل لحظة في سنابشات أو إنستاگرام، وهناك مَن يغضب من طفله حين لا يقف مثل عارضي الأزياء حين يريد تصويره.

الصورة بين العفوية والتصنع

أحد الأمور التي أحاول أن أقوم بها مع ابنتي تصويرها بكل حالاتها، مثلًا حين تستيقظ من النوم ويكون شعرها «زي الشجرة 🌳» أو حين تلعب وتكون فوضوية. مثل هذه الصور عزيزة على قلبي، ولا تشكل ضغطًا على الطفل لأجل الوقوف والظهور بشكل جميل ليطابق معايير وضعتها تطبيقات التواصل. يجب أن نعامل تصوير الأطفال بأكبر قدر من الأريحية، فلست بحاجة إلى الصراخ والطلب من الطفل أن يقف ثابتًا ويتوقف عن اللعب، فقط لأنك تريد صورةً تضيف لها فلترًا وتنشرها على سنابك.

ثمة استفتاء قامت به الجمعية الملكية للصحة العامة في بريطانيا كشف أن الكثير من المراهقين يصنفون إنستاگرام -وهي شبكة الصور الأكثر شهرة- على أنه أسوأ شبكة اجتماعية مقارنة بالبقية. وقد كانت النظرة السلبية لشكل الجسم أحد الأمور التي قال المراهقون إن الشبكات الاجتماعية تساهم في تعزيزها.

كما أننا لو نظرنا إلى حياة عارضات الأزياء لوجدنا أن الكثير منهن عانين من مشاكل نفسية. تعد كيت موس (Kate Moss) مثلًا من أشهر عارضات الأزياء اللاتي عانين من القلق والضغوط النفسية، بسبب ضغوط العمل والحاجة إلى التصنع من أجل الصور. وقد لا تكون مثل هذه المقارنة عادلة، لكنها تظهر أن التصنع المستمر والضغوط من أجل الظهور بشكل معين له أثره على الصحة النفسية.

لن تظهر صورنا في إعلان ولا غلاف مجلة، أنت تريد توثيق ذكرى ترسم الابتسامة على وجهك بعد بضع سنين. جرب أن تتصفح صورك المخزنة على هاتفك أو حاسوبك. سترى أجمل الصور هي تلك الطبيعية التي اُلتقِطت في لحظة عفوية، أما تلك التي أُخِذت بعد الكثير من الترتيب والصراخ والثبات، فستبدو جميلة لكنها ليست المحببة إلى قلبك مثل صورتك السخيفة مع أهلك وأصدقائك.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×