كيف يكذب عليك الإعلام؟

كيف يكذب عليك الإعلام؟

لسفر عيّاد
18 سبتمبر، 2018

إطلاق الأخبار الكاذبة في وقتنا الحاضر يحتاج إلى هاتف ذكي، واتصال بالإنترنت، وحساب في الشبكات الاجتماعية، وتطبيق مقولة جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر الذي يقول: “اكذب ثم اكذب حتى يصدق الآخرون”.

قبل أن نبدأ عليك أن تعرف الفرق بين المعلومات المغلوطة وبين الأخبار الكاذبة، في المعلومات المغلوطة يكون هنالك جزء من الصحة مع جزء من الكذب. يتم فيها استخدام التضخيم والإثارة، هذه المعلومات لا تكون على شكل اخبار لكنها تكون على شكل معلومات عامة عن حياة الناس والعلوم والطقس وغيرها.

تكون الأخبار الكاذبة غالبًا مُختلقة جملة وتفصيًلا، ويتم اختلاقها من أفراد وأحيان من مؤسسات إعلامية لأغراض معينة. هنالك أخبار تم تلفيقها من لا شيء، وهنالك حقائق جرى تحريفها قليلًا وتحويلها إلى أكاذيب، وهذه خطيرة جدًا ويمكن تصديقها أكثر، وتحظى بانتشار أكبر.

كيف تنتشر الأخبار الكاذبة؟

تصلنا على الدوام رسائل على تطبيق واتساب عن أخبار وتأكيدات ومعلومات طبية وغيرها، ليتم نفيها لاحقًا وقد لا يتم ذلك.

لا أحد يُخبرك بأنه يريد نشر الأكاذيب على واتساب، لكنه يقوم بتزويدك بأحدث وأغرب الأخبار العاجلة حتى يبقيك ويبقي نفسه على علم بأحدث الأخبار. هكذا يفكر أغلب المستخدمين من حولك.

المشكلة غالبًا تكون مع الأقرباء والأصدقاء الذين يرسلون رسائل زائفة بزعمهم أنهم يريدون تحذيرنا.

في الهند التي تُعد أكبر سوق لتطبيق واتساب مع 200 مليون مستخدم، والتي بدورها أضحت أهم وسائل بث الإشاعات، ما دفع وزارة الإعلام وتقنية المعلومات الهندية على إصدار بيان يتهم فيه تطبيق واتساب بشكل مباشر ببث الشائعات، والتسبب بمقتل 20 ضحية على يد مجموعات من الغوغاء حركتهم رسائل فيروسية على واتساب، جرائم القتل في الهند كانت تقف خلفها فيديوهات مفبركة تم إعادة نشرها بشكل فيروسي، دون التأكد من صحتها. وهو ما دفع الغوغاء بدافع الحماس أو التعصب الديني أو حفظ أخلاق المجتمع على الاقتصاص فورًا من المتسببين وقتلهم!

وفي أوغندا، حاولت الحكومة فرض ضريبة على استخدام تطبيق واتساب للحد من انتشار الأخبار المزيفة.

في السعودي

لدينا في السعودية قد تمر الإشاعة بعدة خطوات وغالبًا تبدأ من  رسالة واتساب عن فيديو مُفبرك:

  1. بداية انتشار فيديو عبر مجموعة واتساب قد تكون مجموعة “العائلة، العمل”، ومنها تبدأ مرحلة انقياد الناس خلف الشك. ما الذي حدث؟ يجب أن نغضب؟!
  2. ينتقل الفيديو إلى تويتر مع “صراخ القطيع” من خلال وسم غالبًا ما يحمل جملة طويلة تصف الفيديو بعبارات تستفز المشاعر.  وهنا تبدأ مرحلة الهلع الاجتماعي.
  3. تبدأ بعدها المواقع الإخبارية الإلكترونية  في رسم تغطية غير مهنية؛ لا تقوم بالبحث خلف الأسباب ولا تفند إنما تُخبرك بأن هناك شك وهلع. قم بالصراخ معنا. مرحلة تغذية الغضب الجماهيري.
  4. قد يكون الفيديو أو الخبر واضح للمتخصصين بأنه خبر مزيف. ثم عندما يقومون بتفنيد الخبر ومواجهة “الأكثرية الغاضبة” غالبًا يخرج النقاش عن سياقة. يجب أن تغضب معنا وتمارس الهلع معنا.  مرحلة الانحياز التأكيدي
  5. النفي من الجهة المسؤولة هو الذي ينهي هذه الخبر، وربما لا ينهيه أحيانًا. مرحلة قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

كل ما سبق من خطوات يعمل على تهيئة المجتمع إلى حالة من الهستيريا الجماعية، وإثارة الرأي العام وخلق بلبلة، والعمل على بث الشائعات ونشرها.

الأخبار الكاذبة موجودة منذ وقت طويل جدًا، مع بدايات الصحافة الصفراء، لكن الشبكات الاجتماعية ساهمت في تغذيتها وجعلها وجبة يومية.  وعن ذلك يقول الباحث في الإعلام الدكتور أيمن السعيدي:

“الأخبار الكاذبة السياسية خطيرة بلا شك وتؤثر على حياة الناس، لكن يمكن التأكد من صحتها من خلال المصادر الرسمية،  أما الأخبار الكاذبة الأكثر خطورة هي التي تتحدث عن الصحة ونوعية المأكولات المُسرطنة وغيرها. والتي تصلنا على شكل معلومات إخبارية رائجة جدًا”

ويضيف السعيدي، “الحاجة أو الرغبة للمشاركة هي أكبر محفزات انتشار الأخبار الكاذبة” سواءً من خلال إرسال تغريدة أو برودكاست على واتساب. ويبدأ معها السباق “أريد أن أكون صاحب الأسبقية في النشر”. مثل أخبار نزول الرواتب، أو رؤية هلال شهر رمضان، وأخبار تعليق الدراسة.

“جميعنا نشارك الأخبار الكاذبة بشكل أو بآخر، لا يوجد أحد لم يسقط ولو لمرة واحدة في وحل نشر الأخبار الكاذبة”. كما قال السعيدي.  التأكد من صحة الخبر يحتاج إلى التفكير النقدي التحليلي، “التريث والبدء في تحليل مصادر الخبر”.

ويشرح ريان عادل مؤسس مشروع هيئة مكافحة الإشاعات:

“منذ 6 سنوات و80% من الإشاعات مصدرها الواتساب، لكن بعد قطع العلاقات مع دول مجاورة [قطر] لاحظنا تغير في هذه النسبة واصبح تويتر ينافس الواتساب على هذه النسبة بشكل كبير، حاليًا الشائعات الموجهة ضد السعودية والإمارات أصبحت شيء أساسي ضمن الحرب الإعلامية التي تستخدمها تلك الدول من خلال حسابات وهمية تفتعل الإشاعات.”

وعن ظاهرة الحسابات الإخبارية في تويتر، يضيف ريان: “في السعودية مؤخرًا انتقلت حمى نشر الإشاعات من الصحف الإلكترونية إلى ما ُيسمى الحسابات الإخبارية على تويتر وبعض “المصدرجية” وهو مصطلح يطلق على الحسابات الشخصية التي تعتبر أن من واجبها نقل الخبر كسبق صحفي سواءً كان حقيقيًا أم كاذبًا طمعًا بالريتويت. وللأسف، بعض تلك الحسابات تعود إلى إعلاميين وصحفيين ضمن الإعلام القديم”

كما تعمل هيئة مكافحة الإشاعات على متابعة ما ينشر عن المجتمع السعودي من وسائل إعلامية خارجية “لاحظنا وجود مواقع عربية تقوم بنشر أوامر ملكية كاذبة لأغراض وأهداف خاصة ونقوم بعملنا بالتعاون مع وزارة الإعلام بالتبليغ عنها وطلب حجبها”.

وعن أغرب الشائعات يقول ريان:”الإشاعات التي تلقى صدى انتشار قوي رغم وضوح كذبها مثل إشاعة العثور على تنين في اليمن، والتي ساهم بنشرها عدد من المشاهير والصحفيين”

أما عن التأكد من المصادر قبل النشر، ابحث عن كاتب الخبر ما هي مصلحته من نشر الخبر؟  ما هي الأخبار السابقة التي قام بنشرها وهل كانت صحيحة؟ ما علاقته بالخبر؟ ما هي مصادره التي قام بالنقل عنها؟ ما هو تاريخ نشر الخبر؟ ما هي مصداقية الموقع الذي قام بنشر الخبر؟ هل قام الموقع بتسمية جهات معينة أو ذكر أرقام ما مدى صحتها؟

هناك عشر نصائح للتأكد من صحة الأخبار قبل نشرها، بالإضافة إلى عدم الاكتفاء بالعنوان، “هنالك نسبة كبيرة تقرأ العنوان فقط ولا تقرأ المحتوى بالذات في الشبكات الاجتماعية”.  وعن الأسبقية في نشر الأخبار دون التثبت من صحتها يضيف السعيدي ” أن تكون صحيحًا أهم من أن تكون أولًا” هذه قاعدة مهمة.

ربما يساهم الإعلام التلفزي أحيانًا في دعم الإشاعات والأكاذيب كما يفعل بعض معدي الأخبار الذين يركزون في تغطيتهم وكتابة قصصهم الإخبارية عن الشبكات الاجتماعية على ما هو شائع ( Trends)  في تويتر.  الترند في تويتر لا يعكس بالضرورة ما هو الواقع “قد يكون مدفوع” أو يكون ساخر. لذلك قد لا يعبر عن الرأي العام بالضرورة.

وبحسب دراسة حديثة  “أكثر الناس تصديقًا ومشاركة للأخبار الكاذبة هم الناس الذين لديهم خلفيات عقائدية متشددة أو لديهم إيمان بنظريات المؤامرة.”

وقد عملت الحكومة السعودية على ضبط نقل الأخبار من مصادرها الرسمية حيث أعلن مجلس الوزراء السعودي عام 2012 عن قرار يُلزم الوزارات والهيئات  والأجهزة الحكومية الأخرى بتعيين متحدثين رسميين. وذلك للرد على الادعاءات غير الصحيحة أو المكذوبة التي يطلقها غير المتخصصين فيما يتعلق بأعمال الجهات الحكومية.

و من خلال قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية والذي تشير الفقرة الخامسة من المادة الثالثة بأن كل شخص يمارس “التشهير بالآخرين، وإلحاق الضرر بهم، عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة”. يعاقب بالًسجن مدة لا تزيد عن سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين. ويقوم حساب النيابة العامة على تويتر بالتحذير دومًا من نشر الأخبار الكاذبة موضحًا العقوبات التي تترتب على ذلك.  كما أطلقت وزارة الإعلام مركز التواصل الحكومي للعمل الإعلامي المشترك.

وبحسب ما جاء في كتاب العصر الرقمي الجديد (THE NEW DIGITAL AGE)، فنحن أمام انفجار في مصادر الأخبار “سيصبح الدور الرئيس لوسائل الإعلام الرئيسية هو التجميع والحراسة والتحقق؛ أي أنها ستلعب دور ترشيح المصداقية الذي يغربل كل هذه البيانات ويسلّط الضوء على ما يستحق القراءة.”

كيف تتعمد المواقع الإخبارية الكذب علينا؟

الإذلال، تشويه السمعة، تضخيم الأخطاء، تحريف الواقع. التضخيم، التزييف، جذب الانتباه، التحكم بالوعي، مزج الحقائق مع الأكاذيب، تهييج المشاعر،  رفع عدد زوار الموقع. كلها دوافع قد تجعل أى موقع يقوم بنشر خبر كاذب.

قد تمارس المواقع الإخبارية نوع من التضليل الإعلامي،  مثلًا قد لا تنشر بعض الأخبار التي تُلحق الضرر في المعلنين لديها.

عندما تُعلن شركة عن قوائمها المالية، وتكون قد عانت من الخسائر المتراكمة طوال تاريخها، لكنها في هذا الربع الثاني مثلًا خسرت 100 مليون، في حين كانت خسارتها في الربع الأول 300 مليون.

يمكن للموقع الإخباري أن يكتب  في عنوان الخبر “قلصت الشركة خسائرها” أو “سجلت الشركة خسائر أقل من التوقعات” أو “الشركة تتجه نحو إطفاء خسائرها”، أيضًا يمكنه أن يكتب “الشركة تتكبد خسائر جديدة بلغت 100 مليون” أو ” ارتفاع الخسائر المتراكمة إلى ….”

يمكنك دومًا التلاعب في الكلمات و وصف الأمور بقليل من التحسين أو الإثارة المتعمدة، تستطيع أن تُدير مراوح الهلع وتوزعها على المتداولين في سوق الأسهم وتخبرهم بأن الشركة في طريقها للانهيار ” تكبدت خسائر، ارتفعت خسائرها وتراكمت”، كما يمكنك أن تبعث الطمأنينة إلى نفوسهم وتخبرهم بأن الشركة في طريقها إلى الربحية وإطفاء الخسائر ” قلصت خسائرها”، حتى الوصف الدقيق ربما يساهم في إضاعة الحقيقة.

هنالك أسلوب في إلقاء الخطابات يتم استخدامه للتأثير على الجمهور، فمثلًا إذا أردت أن تتحدث عن أمور سلبية تحدث عنها كنسب مئوية. لا تقل خسرت الشركة 300 مليون، لكن قل بلغت خسائرها المتراكمة 10%،  وعند الحديث عن الأمور الايجابية تحدث كأرقام قل لدينا مليون عميل، ولا تقل حصتنا من السوق تبلغ 2%.

لم يعد الأمر مجرد كتابة أخبار كاذبة فقط!

الأمر لم يعد مقتصرًا على كتابة أخبار كاذبة، بل تطور إلى صناعة مادة إعلامية والكذب بالصوت والصور والفيديو. فكر في التقنية المتاحة للمستخدم العادي، حتى يمكنه خلق أخبار مزيفة، أو تزييف الصوت أو الفيديو مثلًا. اليوم باستطاعة المستخدم الترويج للصور المعّدلة والفيديوهات المزيفة باستخدام تطبيقات تحرير الفيديو والصور التي لا حصر لها.

قام باحثون من جامعة واشنطن باستخدام الذكاء الصناعي لإنتاج فيديو مزيف للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مما يسمح لهم بوضع أي كلمات يريدونها.

تطبيقات التلاعب بالصوت متاحة مجانًا على متاجر التطبيقات، يمكنك استخدام هذا التطبيق لتسجيل صوتك لمرة واحدة فقط، ثم تجربة كتابة أي شيء على لوحة المفاتيح  وسيقوم بقراءتها وكأنك أنت المتُحدث بنفس نبرة صوتك تمامًا، فكر فيها بشكل مختلف ماذا لو حصل أحدهم على نبرة صوتك ثم قام بكتابة أخبار كاذبة وقام بنشر الملف الصوتي.
هذه ليست أسوأ السيناريوهات، فكر في وصول التقنيات التي تمتلكها شركة إندستريال لايت آند ماجيك (Industrial Light & Magic) إلى المستخدم العادي.

وحتى نكون متيقظين ونكشف هذا الزيف قبل نشره يمكننا استخدام عدة تطبيقات و أدوات تساعدنا على كشف تلك الأخبار الكاذبة. في حال أردت التأكد من صورة ما قم بتحميل الصورة على محرك البحث Google image أو Tineye، كما يمكنك استخدام هذه الأداة Extract Meta Data للتحقق من مصداقية مقاطع الفيديو التي تُرفع على موقع يوتيوب.

ويمكنك استخدام هذه الإضافة على المتصفح والتي قام فريق من الصحفيين المستقلين بمراجعة وتصنيف الآلاف من المواقع الإخبارية لتمييز المواقع الرسمية للأخبار عن تلك الوهمية، يمكنك استخدام هذا الموقع الذي يقوم بعرض فيديوهات يوتيوب بالحركة البطيئة حتى تتمكن من رصد أي تحريف.

والاستعانة ببعض المواقع  لنفي الأخبار الكاذبة مثل موقع هيئة مكافحة الإشاعات السعودي والذي فاز بجائزة الإعلام الجديد في السعودية، ومن سوريا موقع “تأكد“، وفي مصر هناك موقع “ده بجد“، ومن التجارب العالمية أطلق جيمي ويلز (Jimmy Wales) أحد المؤسسين لموقع ويكيبيديا موقع الأخبار‬⁩ ويكي تريبيون (Wikitribune) للتصدي لظاهرة انتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة.

الأخبار الكاذبة هي أداة من أهم  أدوات الحرب في وقتنا الحالي، والتي تحتاج إلى مجتمع واعي بالتقنية يكشف زيفها، ويستطيع كشف أجندتها.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×