عبدالرب إدريس بعيدًا عن ليلة

بينما تُسمع زقزقة العصافير في الخارج، لا يكدّر هدوءَ الممرات غير أصوات المعلمين في الداخل، مع شيء من صخب الصبية الذي يعلو كلما أتيحت له الفرصة. ذلك كل ما أمكن سماعه من وراء تلك الأبواب الموصدة. بيد أن فصلًا واحدًا فقط ظل بابه مشرعًا، وانساب عبره صوت فتى عذب يسرق الانتباه في زخم تلك الأصوات، صوتٌ يشبه نغمات تلك العصافير ويفوقها عذوبة.

منتصف الخمسينيات، مدرسة في مدينة المكّلا، حضرموت

كان ثمة فتى نحيل القامة وادع الملامح رخيم الصوت يرتل آي الذكر الحكيم في بساطة آسرة، وقد ارتدى ثوبًا أصفر وخصلات شعره مصففة بعناية إلى أحد جانبي رأسه. لم تغب العصافير عن الخارج ولا غابت تلاوة ذلك الفتى من داخل فصله، وتكرر المشهد يومًا بعد يوم، فاختلفت الآيات والتراتيل، وحضر الصمت والسكينة وعمّ السكون كلما تصدى ذاك الفتى للتلاوة.

أسرت تلاوته قلوب زملائه قبل معلمه وبعثت في أرواحهم راحةً كأنما هي السحر، وأدرك معلمه موهبته الربانية وجعله مقرئ الطلبة في فصله. ومرت الأيام وتجاوزت سمعة الفتى حدود فصله ليصبح مقرئ مدرسته ووجهها الأبرز في الإذاعات المدرسية. ابتهج الفتى بمنزلته الجديدة ولم يعر الأمر كبير اهتمام؛ فقد كان مشغولًا بأمور أخرى.

جعلته موهبته الأخرى في كرة القدم أحد أبرز الطلبة في حصة التربية البدنية. واختار الفتى مركز المهاجم مرتديا القميص رقم 9 ليخلع عنه رداء الشجن. وفي ملعب حياته كان صوته الرخيم جالسًا على مقاعد الاحتياط ينتظر أن يحظى بفرصة ربما تُتَاح ذات يوم.

كبرت موهبة الفتى الكروية، وتفنن في إحراز الأهداف في محيط مدرسته وأصبح وجهها الأبرز في الرياضة. ولم تكن موهبته تلك تقل إبهارًا عن موهبته في الترتيل، فقد كان قادرًا على جذب الانتباه في حال الحركة لاعبًا وفي حال السكون تاليًا.

رآه أحد كشّافي المواهب في نادي الجزيرة الرياضي (أحد أبرز أندية المكلّا آنذاك) واستشعر فيه موهبةً واعدة فدعاه إلى التمرن مع الفريق. ولم يمض وقت طويل قبل أن يتسلم شارة القيادة ويصبح قائد الفريق ولاعبه الأبرز.

سرقت كرة القدم اهتمام الفتى واستحوذت على انتباهه، وصار قلبه مقسمًا بين المدرسة والملعب. ولولا صدفةٌ جرت ذات ظهيرة والفتى عائد من المدرسة إلى المنزل لما تغير الحال، فقد مر إلى جانب مقهى ما يرتفع منه صوتٌ فريد بلحن فريد، كان ذلك صوت فريد الأطرش، وكان لحنًا وصوتًا غير عاديين.

عالم النغمات

ناداه الصوت بلسان الحال: «اسمع الآتي»، فأجابه قلب الفتى: «سمعًا وطاعة»؛ وابتسم لذلك الصوت الذي أحدث في داخله الكثير وتوقف قليلًا ليستمع ويستيقظ في داخله شجن قديم؛ ثم مضى إلى منزله مبتسمًا. ويومًا بعد يوم واظب على المرور بذلك المقهى مستمعًا لما يصادفه، مرةً فريد ومرةً أم كلثوم وتارة أخرى عبدالحليم وفي كل مرة يلامسه ذلك الشجن تظهر تلك الابتسامة الأولى وتتسع أكثر.

كانت ابتسامته تلك تذكيرًا بأول لحن تلقته أذنه والتقطته حواسه، ليجول في عوالم النغمات ويجرب بنفسه تلك المتعة القديمة على نحو جديد. لكن الفقر وضيق ذات اليد لم يسمحا له بشراء آلة موسيقية، فظلت حلمًا في خاطره لم يفارقه يومًا.

صارت آلة العود حلمًا يراوده في الذهاب والإياب، وأخذ يحادث أصدقاءه عن شغفه بالعود ورغبته في شراء آلة عود بسعر مقدور عليه. فدله أحد أصدقائه على قريب له يمتلك آلة عود معروضة للبيع. هرع الفتى إلى قريب صديقه، فوجد عودًا قد هُشم وجهه وقُطعت أوتاره، واشتراه بثمن بخس وأًصلحه بثمن بخس أيضًا. صان الوجه المهشم وابتاع أوتار نايلون رخيصة شكلت أول آلة عود عزف عليها في رحلته الطويلة في عوالم الطرب.

وانقسمت حياته إلى شطرين: فهو إما راكض في ملعب كرة القدم، أو ساكنٌ يدندن على العود ويتمرن على الغناء ويحضر مجالس الطرب. وكان الفتى أعسر يعزف بيده اليسرى، فنصحه أحد معارفه من أهل الصنعة أن يعزف باليمين لأنها أثبت في الميدان وأقدر على الإتقان، ولم يكن الأمر سهلًا عليه لكنه امتثل للنصيحة.

عبدالرب إدريس وكرة القدم

المهاجم رقم 9 يخلع قميصه 

أخذ الفتى يمضي أكثر من خمس ساعات كل يوم في المران على العزف مغالبًا صعوبة استخدام يمناه في العزف، حتى لان العود ليمناه وصارت تلك اليد اليمنى تحتضن حلمه قبل آلته المتواضعة. وكما جذبه النغم ابتداءً، انجذب إليه أقران ورفاق من محبي الطرب وهواة النغم، فصاروا يلتقون ويتنقلون بين البيوت يغنون ويعزفون.

وكأن دخوله في أجواء الطرب الوادعة أغضب منه كرة القدم، أصيب في واحدة من المباريات إصابة أجبرته على الابتعاد قليلًا عن المستطيل الأخضر، ليطل عليه وجه والده بنصيحته الدائمة: «يا ولدي خلي بالك من نفسك». قرر الفتى حينها ترك كرة القدم وأن يوحّد الهم ويتفرغ للفن الذي كان يدهشه ويسرقه ويجدد شغفه. وهكذا ترجل المهاجم صاحب القميص رقم 9 ووهب نفسه لصناعة الألحان والتأليف الموسيقي.

سرقته جلسات الطرب من كل شيء وذاع صيته في المكلّا وما حولها. وكان ذلك الفن مهربًا جيدًا يتجاوز به فقره ويتناسى إصابته ويمدّه بمدخول يفي بأقل القليل من حاجته، خصوصًا بعد توقفه عن الدراسة بعد نهاية المرحلة المتوسطة.

وقدم ذات يوم زائر من دولة الكويت إلى المكلّا، وأراد مضيفه الاحتفاء به فدعا الفتى ورفاقه من العازفين والإيقاعيين إلى مأدبة بسيطة، فغنوا على عادتهم غناءً أبهج الضيف على نحو سيكون له أثر ضخم في حياة أولئك الفتية.

من المكلّا إلى الكويت 

مرت شهور والفتية على عادتهم، يلتقون في الأمسيات ليغنوا ويعزفوا ويلبوا الدعوات إلى مجالس الطرب فيستمتعون ويمتعون. ثم وصلت الفتى واثنين من رفاقه دعوة في تلك المأدبة وهما الإيقاعي وعازف الكمان، وكان صاحب الدعوة ذلك الضيف الذي قدم من الكويت قبل أشهر.

وللمرة الأولى يحزم الفتى ورفيقاه أمتعتهم ويغادرون المكلّا. هبطت الطائرة في مطار المقوع الذي أصبح فيما بعد مطار الكويت الدولي، وكانت مصافحة الفتى الأولى لتلك الأرض التي عاد إليها مرارًا بعد ذلك واستقر بها.

اصطحبهم مضيفهم بعد ذلك إلى إذاعة الكويت وقدمهم إلى مسؤوليها الذين أعجبوا بهذا الثلاثي الهاوي الموهوب، وعرض عليهم أحد موسيقيي الإذاعة فرصة العمر، إذ قدّم لهم ثلاث أغنيات من كلماته وألحانه ليحفظوها ويسجلوها. تمسك الفتية بالفرصة وتمرنوا على الأغاني الثلاث حتى تمكنوا منها.

عبدالرب إدريس وهو صغير

كان دخول بطل حكايتنا إلى الاستديو الفتيلَ الذي أوقد كل شيء. شدته الفرقة الموسيقية بآلاتها التي لم يرها قط وانسجامها الذي لم يعهده من قبل، وأعاد المشهد ترتيب رغباته في مشواره الفني. وبعد تسجيله اللحن الأول التفت ناحية قائد الفرقة الموسيقية وقال له ببساطته المعهودة: «أستاذ أنا أبغى أتعلم هذي الكتابة» -يقصد النوتة- فابتسم الموسيقار لحماسه وربت على كتفه. 

عاد الفتى إلى المكلّا، وشرع يسأل عن المعاهد التي يستطيع أن يتعلم فيها الموسيقا على نحو احترافي، وكانت القاهرة الخيار المنطقي الوحيد. استجمع الفتى قواه وصارح والده بما يريد أن يفعل، ترك له أبوه الخيار قائلًا له جملته المعتادة: «يا ولدي خلي بالك من نفسك». ودع الفتى والديه وزوجته التي تزوجها حديثًا وحزم أمتعته مُيممًا شطر القاهرة في رحلة العمر.

من المكلّا إلى القاهرة 

لم يكن المعهد ليقبل الفتى قبل أن يكمل دراسة المرحلة الثانوية، لذا كان بين خيارين: أن يدرس في ثانوية عادية أو أن يدرس في الثانوية الموسيقية التي كانت الدراسة فيها أصعب، لأن طلابها يدرسون منهجين: منهجًا موسيقيًا وآخر أدبيًا، لكنها تتيح له القدرة على استكمال دراساته العليا في حقل الموسيقا لاحقًا.

وبعد انقطاع عن الدراسة لسبع سنوات، وفي غربته الصعبة ووحدته الموجعة وعوزه المزمن وحلمه اللذيذ المنهك، عانى الفتى وعاش ثلاث سنوات صعبة تجاوزها بجدارةٍ أخذت منه الكثير وأجهدت روحه للغاية.

«تعب الحصان وتلك آخر صهلة» قالها الفتى في نفسه وقرر ألا يستكمل دراسته الجامعية وأن يكتفي بما تلقاه في الثانوية. كان قراره جازمًا حتى أنه أخبر به أساتذته، لكن د. رتيبة الحفني عميدة المعهد آنذاك استدعته وقالت له: «أنت بالذات من بين كل دول لازم تكمل».

كانت العميدة تعرف تميز الفتى الذي بزّ أقرانه، وكان حديثها بلسمًا داوى مرارات السنين الماضية، فقرر الفتى استكمال مرحلته القادمة. لم يغب عنه قط مشهد النوتة وأصوات الآلات في إذاعة الكويت، لذلك اختار تخصص التأليف والتوزيع الموسيقي.

وكانت رحلة البكالوريوس أخف وطأة من سابقتها فقد وجد فيها ما استهواه سابقًا أكاديميًّا وأحبه، واعتاد القاهرة واعتادته وأحبها كما شعر أنها تبادله الحب إذ أحاطته بلفيف من الأصدقاء والمحبين. وبعد سنته السابعة في القاهرة كان قد أتم البكالوريوس بتفوق.

عودة الفتى إلى الكويت

وأطلت عليه الكويت مرة أخرى تخطب وده بعد افتتاح معهدها العالي للفنون الموسيقية، وعمل فيه معيدًا ومحاضرًا لعدد من المواد، ثم عني بآلة العود والهارموني وقواعد الموسيقا العربية والصولفيج العربي.

وكان كل شيء في الكويت هذه المرة داعمًا فنيًا له: بدءًا من محيطها العام ومكان عمله الذي يحيطه بالمهتمين بذات المجال أيضًا. كما كانت الحياة في الكويت فرصة له لاستكمال رحلته الفنية، حيث كان يقضي يومه في تعليم الموسيقا صباحًا وصنعها وتأليفها مساءً.

وفي ذلك الجو المليء بالنغم صدرت له أغنيتان كانتا باكورة أعماله اللحنية، وقد أصبحتا بعد ذلك أشبه بالفلكلور نظير انتشارهما بصوت العديد من الأصوات في العديد من البلدان العربية، وهما «ما أقدر والنبي أودعك، خذني ياحبيبي معك، مثل الظل أنا بتبعك، حتى لو طلعت القمر وتعبنا والتعب راحة، معاكم يا حبايب

وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققه سلفًا، لم تكن لحظة التجلي الأكبر لفناننا قد حانت بعد.

عبدالرب وعبدالكريم 

في الكويت أيضًا كان ثمة شاب آخر يدعى عبدالكريم عبدالقادر يكبر عبدالرب بخمسة أعوام، تعامل في بداياته مع ملحنين وشعراء لهم ثقلهم في الوسط الفني الكويتي وكانوا يفوقونه اسمًا وخبرة، ورغم نجاحات البداية معهم أراد عبدالكريم صنع مساره الخاص الذي يمارس فيه فنه باستقلال دون أن يعيش تحت جناح أحد.

عبدالكريم عبدالقادر

كان كل شيء يدعم فكرة أن يلتقيا، فقد سمع وشاهد ألحان عبدالرب الأخيرة وطلب لقاءه، خصوصًا بعد أن نقل عبدالكريم عمله إلى قسم الموسيقا بوزارة الإعلام ما أتاح لهما التواصل. وأدرك عبدالكريم بفطنته أن هذا الرجل المختلف مشروع عمر فني كما قال في أحد لقاءاته التلفزية.

والتقيا في «عاشق» وتلاقت الروحان بعدها، ولم يفترقا لما يزيد عن أربعين عامًا. وكان من المنطقي أن يحقق تعاونهما النجاح، وكان الغريب ألا يثمر عملهما المشترك الذي كان مشحونًا بالكثير من جلسات العمل المكثفة والاختلافات والنقاشات التي تصب في مصلحة العمل.

أما «غريب» فكانت كل تفاصيله تشبه اسمه، وكان أشبه بالندوة الفنية المطولة، فقد استغرق عامًا كاملًا على فترات متقطعة ليُنجَز. واجتمع الشاعر بدر بورسلي وعبدالكريم وعبدالرب لصياغة فكرته أولًا، ورسم اللحن الذي يجسده وطريقة تنفيذه وأدائه. وكان الأمر ممتعًا لهم أكثر منه مرهقًا، وما إن انتهوا من كل ذلك حتى حفظ عبدالكريم اللحن كاملًا وأتقنه.

يصرح عبدالكريم أنه لو عاد به الزمن فلن يكون له اختيار في حياته الفنية سوى هذا الثنائي الذي شكّل سر نجاحه وعطائه الطويل، إضافة إلى شاعر كويتي آخر يدعى عبداللطيف البناي جمعته أعمال أخرى جميلة مع عبدالرب وعبدالكريم.

لا يقيّد الفن بالقواعد 

لم يتوقف طموح عبدالرب بعد هذه النجاحات كلها وأراد تأصيل ذلك كله، فعاد إلى القاهرة وحصل على الماجستير والدكتوراه في مطلع التسعينيات. إن تجربة عبدالرب لم تكن عادية إطلاقًا بل كانت مختلفة وفريدة، وكان شغوفًا جدًا بعمله وحريصًا عليه لا يدع فيه مجالًا للصدفة.

وتُبنى غالبية سيناريوهات أعماله وفق نمط مكرور أدى إلى نجاحاته المعتادة؛ إنه يدرك أن الانسجام الروحي إشارة إلى الانسجام الفني، فيصرّ على لقاء الشاعر والتعرف إليه على الصعيد الشخصي والفكري لتحقيق التقارب الذي يسعى إليه.

وبعد ذلك يصبح مجلس منزله أشبه بخلية نحل تُعقد فيها لقاءات حفظ اللحن مع المطربين. ويذكر أحد الفنانين أن الأمر يبدو غريبًا عندما لا يجتمع مع عبدالرب من أربع إلى سبع مرات على الأقل لحفظ اللحن بتفاصيله قبل تنفيذه، وهذا يفسر كم النجاحات والأعمال التي خلدت في أذهان المستمعين للأبد. 

يجيد الدكتور عبدالرب العزف على العود والبيانو، لكنه اختار البيانو لما يتيحه من صناعة أغنية شاملة، ويميل إلى مقام البيات لشجنه وروحه المختلفة. ويلخص تجربته الموسيقية بقوله: «الفن لا تقيده بقواعد، اللي يطلع منك هو الصح».

عبدالرب بعيدًا عن ليلة 

وفي جانب آخر من الدكتور عبدالرب، نجده نهمًا بالمعرفة وقارئًا جيدًا،  تحتوي مكتبته الموسيقية والأدبية على مصادر نادرة. كما أنه بسيط في محيطه الاجتماعي، يذكر عنه جيرانه وفاءه الكبير لحقوق الجيرة، وحضوره لمناسباتهم ولو استدعى الأمر سفره أو تأجيل بعض مشاريعه الفنية.

في أبريل 2019 وبعد ستة وثلاثين عامًا من لقاء تلفزي تحدث فيه عن أهمية وجود المسارح والحفلات الموسيقية، عيّنه وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان رئيسًا للفرقة الوطنية السعودية للموسيقا. 

هذا هو الدكتور عبدالرب إدريس بعيدًا عن رائعته «ليلة» التي سارت بها الركبان وتناقلتها أفواه الناس، وبعيدًا عن كل شيء وأصالةً عني ونيابة عن الذين يشعرون بالحب والامتنان للدكتور وتجربته وألحانه، حديثي هنا له وبطريقته في أجمل أغانيه المظلومة أقول آسف أنا ما عرفتك إلا للتو.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×