أين ذهب الوقت؟

أين ذهب الوقت؟

أيمن اليحيى
26 أكتوبر، 2018

هل فقدت الوقت مرّة؟ قد يكون هذا السؤال جنونيًّا، فكيف للشخص أن يفقد الوقت الذي يعيشه. نعم هو لا يفقد الوقت، لكنه قد يفقد الإحساس به. هل تذكر أول مرة استخدمت فيها الشبكات الاجتماعية؟ ربما تشعر أن ذلك اليوم بعيد جدًا، أو قد تشعر أنه قريب وكأنه حدث الشهر الماضي، ويختلف هذا الإحساس من شخص لآخر. والسؤال هنا، لماذا يختلف إحساسنا بالوقت؟

في عام 1993، كتب ويليام فرايدمان (William J. Friedman) نظريته حول حاسة الزمن، وأسماها بـ«نظرية قوة ذاكرة الوقت» (The strength model of time memory). وتتلخص في أن الناس تتذكر الأشياء بحسب قوة ما تتركه تلك الأشياء من أثر على ذاكرتهم وحياتهم. وبشكل أكثر وضوحًا، يتذكر الناس كم مضى من الوقت حسب قوة ذاكرتهم لواقعة ما في الماضي حيث تكون الحادثة هي نقطة المرجع، فالمرء لا يستشعر الوقت وإنما يستشعر الأحداث التي حدثت فيه.

ينطبق هذا الأمر على أحداث كثيرة حولك: على زواجك و تخرجك وأول يوم في وظيفتك، أو حتى على هزيمة المنتخب السعودي من ألمانيا 8/0 مثلًا التي حدثت قبل 15 سنة.

مع أن الوقت هو الشيء الذي لا يختلف اثنان على طريقة قياسه، فالسنة هي سنة والأسبوع الواحد هو أسبوعٌ واحد لا يزيد سواءً رضيت بذلك أم لا، لكن إحساسك به غالبًا إحساس اعتباطي عشوائي.

الشيء الذي يحكم هذا الإحساس هو سرعة استرجاعك لذكرى معينة مرتبطة بالأحداث التي حدثت خلال هذه المدة. وعلى الرغم من أن موضوع الوقت والذاكرة موضوع طويل ومتفرع وله عدة نظريات، فإن هناك أشياء من الممكن أن تساعد أو تعيق استرجاع الذكريات.

ما الذي يؤثر على استرجاعك ذكرى ما؟

العامل الأول: يتعلق بالذكرى نفسها، ومدى قوة ارتباطك بهذه الذكرى سواءً بشكل سلبي أو إيجابي. تخرجك مثلًا، أو ربما زواجك، ذكرى قوية تتذكرها دائمًا. ولذا فإن مُعظم الأحداث التي لها معنى كبير في حياتك والتي شكلت حياتك أو غيرتها هي الأحداث التي تستوقفك لوهلة وتقول في نفسك «لا أصدق أنها حدثت منذ زمن بعيد».

العامل الثاني: كمية الأحداث التي حدثت بين تلك الذكرى والوقت الحالي، وهذا ينطبق بطبيعة الحال على الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مثلًا، عندما تولى الملك سلمان الحكم في السعودية، حدثت أمور كثيرة: عاصفة الحزم، وتغييرات وزارية، والتخطيط للاقتصاد، والرؤية، والتقشف، ومشروع البحر الأحمر ونيوم، والسماح بقيادة المرأة وغيرها. ولأن هذه الأحداث مرتبطة ببداية حكم الملك سلمان، فهي تضغط على ذكرى تنصيب الملك سلمان لجعلها ذكرى بعيدة، وتشعرك بأنها ذكرى قديمة جدًا.

في مثال آخر لا يختلف كثيرًا، أُطلِق جهاز آيفون من أبل قبل 10 سنوات فقط، لكنك قد تشعر كما لو أُطلِق منذ 20 سنة أو أكثر. حيث أنه اندفن في سجل الذكرى بسبب الأحداث التي حدثت بعد ذلك، من تطوّر الجهاز وظهور الشبكات الاجتماعية ثم ساعة أبل المبالغ في سعرها حتى ظهور آيفون إكس. كما يمكن قياس ذلك على ذكرى قرار السماح بقيادة السيارة في السعودية كونها حدث بارز أيضًا وله آثار اجتماعية واقتصادية كثيرة.

قوة ارتباطك بالذكريات نفسها

الإحساس بالوقت وإدراكه وعلاقته بالذاكرة محل جدل بين العلماء منذ زمن طويل. وهذا الموضوع وحده يتفرع إلى مواضيع ونقاط أخرى كثيرة، منها الذاكرة طويلة المدى والذاكرة قصيرة المدى. كذلك الخداع الوقتي أو مصطلح «الحاضر الخادع» وهو نوع من أنواع الوهم الوقتي حيث يشعر فيه الفرد أن الوقت الفاصل بين حادثتين يختلف اعتمادًا على مكان وقوع الأحداث. مثلًا، عندما تقوم بجولة مشيًا على الأقدام في طريقين مختلفين أحدهما أطول من الآخر، ولكن الوقت المطلوب لقطع المسافة مشيًا هو نفسه. في هذه الحالة تشعر بأن الطريق الأطول أخذ منك وقتًا أطول.

في الحقيقة، إحساسك بالوقت يُعبر عن الحياة التي تعيشها، فإذا كنت مثلًا قد توظفت بعد تخرجك في وظيفة واحدة ولم تحصل على ترقية بعد، ستشعر بأن ذكرى تخرجك قريبة جدًا. والسبب هو أنه لا يوجد أحداث كثيرة وقريبة تفكر بها أو ينشغل بها بالك بين اللحظة الحالية وبين وقت تخرجك، فتأتي ذكرى التخرج كأبرز حدث، ويمكنك قياس ذلك أيضًا على أي أحداث بارزة لديك بخلاف ذكرى التخرج إن كنت ما تزال تدرس.

أيضًا يُعبّر إحساسك بالوقت عن قوة ارتباطك بالذكريات نفسها، فمثلًا عندما يقابلك أحدهم ويقول «ياخي زمان عنك» غالبًا هو لم يفكر بك، بسبب أنه لا يوجد قوة ارتباط بينك وبينه. ولذا فإن الفكرة المعروفة لأي شخص يُعيَّن في منصب إداري: إذا أردت للناس أن ينسوا الأشخاص الذين سبقوك في هذا المنصب مثلًا، خصوصًا عندما يكون الشخص الذي سبقك إنسان محبوب وبطبيعة الحال لا يملك الناس قدرة على التخلص من ذكراه، لا بد أن تخرج عن المألوف وتفعل ما لا يتوقعه أحد منك، وربما لم يفعله أيضًا الشخص الذي سبقك. عليك أن تخلق ذكريات تشغل أذهانهم وتدفن الذكرى القديمة تلك، ربما تزيد مثلًا «راتبين» على راتبهم الأساسي في أول شهر في منصبك الجديد، أو تأخذهم في رحلة خارج المألوف، أو تمنحهم إجازات مفاجأة مع تذاكر سفر. ولعل هذا يفسر عدم قدرة مشجعي نادي النصر السعودي على التخلص من ذكرى وصولهم للعالمية، كونها الذكرى السعيدة الوحيدة الحاضرة في أذهانهم.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×