جيف بيزوس: رجل الرأسمالية المتأخرة

جيف بيزوس: رجل الرأسمالية المتأخرة

لمحمد رمضان 20 نوفمبر، 2019

في عام 1964 في مدينة ألباكركي بولاية نيو ميكسيكو، ولد جيف بيزوس. كانت المدينة في قلب المجتمع الأميركي المحافظ في تلك الفترة رغم كل ما مثلته الستينات من تمرد على القيم الاجتماعية التقليدية. وربما يعرفها البعض لأن أحداث مسلسل “breaking bad” الشهير تدور فيها، ومع أن بيزوس لم يأخذ بالطبع مسار تصنيع الميث الأزرق كما فعل والتر وايت في المسلسل، لكن الرجل استطاع أن يخترع مخدرات أخرى قانونية.

بعد ما يقرب من 50 عام من ولادته، استطاع بيزوس أن يصبح أغنى رجل في التاريخ بإجمالي ثروة تقدر بـ 121 مليار دولار. ورغم أن الرجل يتقاضى 81 ألف دولار فقط سنويًا، إلا أنه ما زال يملك 16% من أسهم أمازون الشركة الأكبر عالميًا في التجارة الإلكترونية.

سمع الكثيرون بالتأكيد عن جيف بيزوس وأمازون، وربما صادف أن اشتريت شيئًا من الموقع فكل شيء يباع فيه، وإن لم تكن قد اشتريت منه فبالتأكيد قد اشتريت من موقع تابع له أو تملك أمازون حصة فيه، مثل سوق دوت كوم أكبر موقع تسوق في الوطن العربي. أصبح التسوق الإلكتروني الآن سوقًا ضخمًا في ظل الرأسمالية الحالية بإجمالي مبيعات يصل إلى 2.5 تريليون دولار سنويًا على مستوى العالم.

وأمازون هي أكبر اللاعبين في هذا السوق، فهي الشركة الثانية في العالم التي تتخطى قيمتها السوقية تريليون دولار بعد أبل عملاق التكنولوجيا الأميركية. وخلف هذا العملاق قصة كبيرة، ليست فقط قصة نجاح أمازون وبيزوس الشخصية ولا فضائح الرجل ومعاركه القضائية مع زوجته السابقة، لكنها قصة الرأسمالية نفسها في مرحلتها المتأخرة.

الرأسمالية المتأخرة

يعبر مصطلح الرأسمالية المتأخرة الذي استخدم كثيرًا في كتابات المفكرين الماركسيين في القرن العشرين على رأسهم إرنست ماندل -الذي استخدم المصطلح في السبعينات- عن الدور المتزايد للشركات المتعددة الجنسيات في الاقتصاد العالمي وكيف يهدد هذا أسس الرأسمالية نفسها.

لكن المصطلح الذي نراه الآن في ثقافة الميمز memes على منصات التواصل الاجتماعي يُستخدم بشكل أوسع للدلالة على كل شيء غريب في الرأسمالية؛ يُستخدم المصطلح للدلالة على كل السلع الغريبة الذي يشتريها الناس الغريبون وعلى أنماط وسلوكيات الاستهلاك الغريبة. ويعبر المصطلح الحالي أكثر عن النزعات الاستهلاكية بجانب اللامساواة الكبيرة التي أصبح يعيش فيها العالم الرأسمالي اليوم.

تعبر أمازون عن نموذج اقتصادي ذائع الصيت في وادي السيلكون في أميركا، وهو أن الأرباح على المدى القصير ليست المهمة وإنما الأرباح على المدى الطويل. تسعي أمازون بالطبع كأي شركة أخرى للربح، لكن الربح ليس على رأس أولوياتها بقدر التوسع في السوق وجذب زبائن جدد. وهذه الاستراتيجة مستخدمة أيضًا في شركات النقل التشاركي مثل أوبر وغيرها من الشركات، لكن أمازون محط الأنظار لأنها كبيرة جدًا، بل “أكبر من اللازم” على حد تعبير مرشحة الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية إليزابيث وارن.

أصبحت أمازون محط أنظار الجميع في الفترة الأخيرة بسبب شبهات الاحتكار، وقد وجدت تلك الشبهات طريقها لاحقًا لأروقة السياسة حينما قاد السيناتور الأميركي بيرني ساندرز حملة لتحسين أوضاع العاملين في أمازون بعدما تواتر تقارير صحفية كثيرة حول سوء أوضاع العاملين فيها.

كان العاملون في أمازون يعملون ساعات طويلة بأجر أقل من الحد الأدني للأجور في الولايات المتحدة، وحكى أحد هؤلاء أنهم يضطرون في أحيان كثيرة لاستخدام زجاجات المياه للتبول لأنه لا يوجد أوقات راحة تسمح بذلك أثناء العمل. في النهاية استجابت أمازون للضغوط وأعلن رئيسها جيف بيزوس رفع الحد الأدنى للأجور في الشركة ليصبح 15 دولارًا في الساعة.

لكن النقاش حول أمازون لم يتوقف، في هذا المقال سنسعى لفهم أمازون: كيف تعمل الشركة وكيف يعتبر نموذجها الاستثماري خطير علينا نحن المستهلكين؟ كيف تحبسنا أمازون في نظامها البيئي وكيف تتقاطع الرأسمالية الحالية مع كل تلك الأشياء؟ كيف يشكل بيزوس نفسة مرحلة جديدة من الرأسمالية؟ وكيف يمكننا الفكاك من كل هذا؟

كيف شكّل بيزوس العالم الذي نعيش فيه

في 1994 أسس بيزوس أمازون كمتجر لبيع الكتب عبر الإنترنت، وسرعان ما سيضع تاجر الكتب هذا يده على كل ما يخص سوق التسوق عبر الإنترنت؛ سوف يبيع كل شيء ويحبس الزبائن في زنزاناته الاستهلاكية. أصبح البشر اليوم أكثر قدرة على الاستهلاك من أي وقت مضى في التاريخ البشري، وليست النزعة الاستهلاكية من اختراع أمازون بالطبع، فمنذ بدايات الرأسمالية ووجود فائض إنتاجي كبير، كان لا بد للرأسمالية من بيع هذا الفائض حتى تحصل على الربح.

لكن أمازون تنمي الطور الجديد من النزعات الاستهلاكية وهو ما يمكن أن ندعوه بـ”استهلاك الراحة” لا أحد -خاصة في الدول ذات الدخل المرتفع- يريد أن يتحرك ليذهب إلى المركز التجاري في حين يمكنه بضغطة زر واحدة أن يشتري كل ما يريده. تغذي أمازون شعور مستهلكيها بالتفوق، فهي تقدم خدمة لا مثيل لها سواء في البيع العادي أو الخدمات المميزة التي تقدمها.

في 2005 قدمت أمازون خدمتها Amazon Prime  للمرة الأولى، وفي هذه الخدمة يمكنك شراء أي شيء من الموقع وبعد ساعتين فقط سيظهر عامل التوصيل أمام باب بيتك، لست مضطرًا الآن في ظل ضيق الوقت الذي نعيشه والضغوطات النفسية التي نعيشها بفعل تغير ثقافة العمل إلى الذهاب إلى أي مكان. عليك فقط أن تدفع 79 دولارًا في العام لتحصل علي أي شيء بينما تجلس في بيتك.

سرعان ما ستصبح تلك الخدمة الجديدة سببًا في سيطرة أمازون على سوق التسوق عبر الإنترنت، فالشركة تملك ما يقارب نصف هذا السوق في الوقت الحالي. سوف تنمو قيمة الشركة السوقية من 18 مليار دولار فقط في 2005 إلى ما يقارب التريليون دولار في الوقت الحالي.

لكن تلك الفكرة وحدها لم تكن كافية ليضمن بيزوس ولاء مستهلكيه، ففي النهاية ثمة أشخاص لن يهتموا بمنتجاتك ما دامت تلك المنتجات ليست رخيصة بما يكفي. وطالما أن هناك منافسين لك في السوق، فإن ذلك يعني أنك لا تحدد الأسعار، وعليه كانت استراتيجية بيزوس وأمازون الاستثمارية التي تهتم على حد تعبير بيزوس “بالحجم”. يتوسع بيزوس في كل شيء، فاليوم تمتلك أمازون كليًا أو جزئيًا أكثر من مئة شركة معروفة تبيع منتجات وخدمات تبدأ من الكتب والبقالة وحتى خدمات تخزين البيانات للشركات الكبرى والصواريخ التي تغزو الفضاء.

استطاع بيزوس النجاح في الحفاظ على مستهلكيه داخل غابة أمازون، فحينما رفع اشتراك Amazon Prime السنوي في 2014 إلى 99 دولارًا، لم يغادر سوى 1% فقط من المستهلكين، وحينما رفع ذلك لاحقًا إلى 119 دولارًا لم يغادر الكثيرون وأصبح مستخدمو أمازون مع الوقت أكثر ولاءً للشركة وأكثر تقبلًا لزيادة أسعار خدماتها. إن تغيير أنماط وسلوكيات الاستهلاك عند البشر عملية صعبة خاصة إذا لم يكن المنافس بحجم وقدرة أمازون.

يتيح كبر الحجم لأي شركة الاهتمام باستراتيجية بسيطة تنص على  أن الربح على المدى القصير ليس المهم بل الأهم والأساسي للشركة ولنموذج عملها الربح على المدى الطويل. تبيع أمازون الكيندل والمساعد الشخصي أليكسا وخدمات إلكترونية كبيرة ولها منصة إنتاج محتوى شهيرة واستديوهات تصوير، ويتيح هذا القدر من الخدمات معرفة أنماط تفكير المستهلكين من خلال جمع البيانات عنهم وبالتالي تحسين القدرة التسويقية ومبيعات الشركة. أصبحت أمازون اليوم تعرف كيف تفكر، ربما أكثر منك، لأن بإمكانها قياس السلوك الاستهلاكي لزبائنها دون أن يعرفوا.

تتيح هذه البيانات التي تجمعها أمازون دراسة سلوك المشترين، لكن الأهم أنها تتيح لها أن تعرف المنتجات الرائجة تلك الأيام لتصنعها بنفسها، وليس كل ما يباع على أمازون من إنتاج الشركة بالطبع، لكن أمازون قادرة بتلك البيانات على معرفة ما يشتريه الجميع، وما سوف يشتريه الجميع. ويتيح هذا الحجم الهائل أيضًا آلية تسعير غير عادلة تسمح لأمازون أن تزيح كل منافسيها الصغار من السوق، وهو ما يفيد المستهلك في النهاية، فالمستهلكون لا يبحثون إلا عن السعر الأرخص وبالتالي لا يمكن لأحد أن يلوم أمازون، حتى قوانين محاربة الاحتكار الأميركية لا يمكنها أن تفعل شيئًا لبيزوس.

هذا ما جعل الشركة الآن تساوي أكثر من تريليون دولار، لأن المستثمرين فيها واثقون تمامًا من أنه سيأتي الوقت الذي يجنون فيه نتيجة هذا الصبر.

أكبر من أن تسقط

في الفترة من 1995 وحتى 2015، كانت أمازون بالكاد تحقق أرباحًا على الرغم من أن إيراداتها كانت تحقق طفرات كبيرة وكانت دائمًا تعيد استثمار ما يدخل لها. ووفقًا لبيزوس فإن كل ما يهم الشركة هو استمرار قيمة السهم في الزيادة. وفي الربع الأخير من 2018 حققت أمازون أرباحًا تُقدر بما يقارب 3 مليارات دولارم عظمها من خدمات التخزين الإلكتروني AWS:Amazon Web Services.

لكن في مقابل هذه الثلاثة مليارات كانت أمازون قد حققت ما يقارب من 72 مليار من الإيرادات بشكل عام. يعني هذا النمو المطرد للإيرادات في مقابل الأرباح أن نموذج بيزوس ناجح، فأمازون تحت إدارة بيزوس تتوسع في كل شيء تقريبًا حتى في صناعات الفضاء؛ يمتلك الرجل حلمَ أن يذهب البشر إلى المريخ.

في 2018 تجاوزت إيرادات أمازون السنوية 230 مليار دولار وحققت أرباحًا تقارب 11 مليار دولار، لكنها لم تدفع أي ضريبة فدرالية على الدخل في الولايات المتحدة، وكان هذا جزئيًا بسبب التعديلات الضريبية التي أدخلها ترامب في 2017 والتي خفضت معدلات ضريبة الدخل الفدرالية على الشركات من 35% إلى 21%.

كما أن نموذج العمل الذي تتبعه أمازون المتعلق بإعادة استثمار العائدات يتيح لها أن تدفع ضرائب أقل على مستوى الولايات، ويُعتقد أن أمازون حافظت على نسبة تقارب 3% فقط منذ بدأت الشركة، وهي نسبة أقل بكثير من المعتاد. تتيح هذه الأنماط من التحايل على القانون مراكمةَ ثروات كبيرة لدى بيزوس والمديرين التنفيذيين لأمازون والأهم أنه يخدم استراتيجية الشركة في التوسع لأسواق جديدة .

جعلت تلك الاستراتيجية من السهل على أمازون الاستحواذ على شركات أكبر، على سبيل المثال في 2009 عرضت أمازون شراء شركة Quidsi التي تعمل في مجال بيع الصابون وحفاضات الأطفال ومنتجات التجميل الأخرى عن طريق الإنترنت، وكانت وقتها واحدة من أسرع الشركات نموًا في مجال التجارة الإلكترونية. عرضت أمازون شراء الشركة لكن المديرين التنفيذيين للشركة رفضوا. فخفضت أمازون أسعار الحفاضات على موقعها بنسبة 30% ولم تجد Quidsi في النهاية مفرًا من أن تبيع الشركة لأمازون في 2010، وبالتالي عادت أسعار الحفاضات ومنتجات التجميل والصابون إلى سعرها الطبيعي.

أمازون والرأسمالية المتأخرة

ترتكز الرأسمالية على مبدأ السوق الحر، وتستعير الأسواق دائمًا فكرة الحرية من أن أمام المنتجين والمستهلكين خيارات كثيرة، لكن هذا لا يحدث دائمًا، ففي النهاية حينما تميل معدلات الربح إلى التناقص بسبب المنافسة الحادة في الأسواق، يظهر الجانب السيء من الرأسمالية؛ لا أحد يريد أن يخسر. وبالتالي على شركة أو اثنتين من الكبار في أي سوق أن يقودا عملية التسعير في السوق وأن يتحكما في هوامش الربح لباقي المنتجين والشركات. ومن ثَم تنشأ الممارسات الاحتكارية.

تحاول الحكومات دائمًا الحفاظ على المنافسة في السوق لأن المنافسة لا تعني فقط أسعارًا في متناول الجميع وإنما مساحة أكبر للإبتكار، لكن التحول الذي قادته شركات مثل أمازون لا يعترف بهذا بل يريد التوسع وفقط.

يقوم هذا النموذج الاقتصادي على فكرة بسيطة مفادها أن الربح لا يهم في المراحل الأولى من الإستثمار، لكن المهم ضمانُ قاعدة عريضة من المستهلكين تتيح مع الوقت قتل المنافسة ورفع الأسعار. وطالما أننا نعيش في اقتصاد يعتمد على القطاع المالي والبورصة، فإن الأرباح سوف تظل تتدفق لأن قيمة السهم تزيد. وتساوي قيمة أمازون تريليون دولار، لكن هذا لا يعني أن الشركة تمتلك أصولًا حقيقية بتريليون دولار. ولكن طالما اتفق الجميع وخصوصًا المستثمرون في البورصة على أن قيمة هذه الشركة كذلك، فإنها سوف تبقى كذلك.

يغذي الاحتكار القائم في السوق الحرة الآن اللامساواةَ في الدخل والثروة خاصة في البلدان الصناعية الكبرى كالولايات المتحدة، ويجادل توماس بيكتي الاقتصادي الفرنسي الشهير بأن متوسط الدخل السنوي لأغنى 1% من سكان الولايات المتحدة قد زاد إلى ثلاثة أضعاف في الخمسين سنة الأخيرة، بينما ظل متوسط الدخل السنوي للـ50% الأفقر من السكان ثابتًا تقريبًا طيلة الخمسة عقود السابقة.

لا تمثل أمازون شركات احتكارية تقليدية، فهي ليست فورد في بدايات القرن العشرين وليس بيزوس هو هنري فورد. إن بيزوس رجل أعمال من نوع جديد له نموذج استثماري لا يسعى للربح فقط، وإنما يسعى لإنتاج إنسان من نوع جديد محبوس داخل قفص الاستهلاك الشخصي وشراء كل شيء من أمازون فقط. ولا يهدد هذا النموذج المستهلكين فقط، لأن يصبحوا مع الوقت أقل قدرة على شراء بدائل أخرى لمنتجات أمازون، وبالتالي ترفع أمازون أسعارها بسهولة. لكن أمازون أكثر خطرًا على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تفقد مع الوقت كل قدراتها على منافسة أمازون.

لا يبدو أن ثمة حل في المدى المنظور لمشكلة النزوع الاحتكاري لشركات وادي السيلكون وعلى رأسها أمازون، ولا يبدو أن كل المبادرات السياسية التي تسعى لذلك مجدية، خاصة أن تلك الشركات الآن أصبحت تملك إمبراطوريات إعلامية كبيرة في العالم، ولا يبدو أن عموم المستهلكين في العالم يعبؤون أساسًا بمثل هذه المشكلة. يستمر بيزوس في إثراء نفسه وتستمر أمازون في حبس مستهلكيها داخل أقفاص استهلاكها الزجاجية، ولا يبدو أن ثمة مفر من هذا كله لأن كل هذا مضمّن في سياق أوحد وهو الرأسمالية.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×