الأدب العماني والغُربة عن النفس

لقد تعلمت من القافر أن أثق بصوتي وحدسي ورغباتي الصالحة، وألاّ أواجه نفسي بالتشكيك دون طائل، وأن علينا التحلي بالشجاعة لمواجهة هذه الغربة.

لوحة للفنّان التشكيلي العماني، أنور سونيا

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.

* تعبّر النشرات البريدية عن آراء كتّابها، ولا تمثل رأي ثمانية.
10 يونيو، 2023

لست من القراء الذين يهتمون كثيرًا بالجوائز العالمية أو المحلية للكتب والمؤلفات، أو على أقل تقدير لست متابعة جيدة لمثل هذه المحافل ولا أظنها تعني كثيرًا لقارئة فضولية مثلي تلتقط من الكتب ما بدا لها. ولكن منذ أن قرأت «تغريبة القافر» للروائي العماني زهران القاسمي ظللتُ أدعو الله أن تحصد الجائزة العالمية للرواية العربية.

كانت هذه الرواية أول ما قرأت من الأدب العماني، وأستطيع القول بكل ثقة إنها لن تكون الأخيرة. استطاع زهران بكل براعة وخفة أن يجعل القرية بتضاريسها مسرحًا وأهلها بنميمتهم أبطالًا والماء بوفرته وشحِّه موسيقا تصويرية لا تتوقف. 

تتجلى الهوية السردية لأهل القرية العمانية في الرواية. ففي قرية «المسفاة» الواقعة في ولاية قريات التابعة لمحافظة مسقط في سلطنة عمان، تبدأ قصة «القافر» قبل ولادته، تغرق أمه وهو جنين في بطنها، ويبذل أهل القرية محاولات أخفقت في إنقاذها، ثم تمضي أحداثها بالولادة «الغرائبية» لطفلٍ حيّ من جسدٍ ميت غارق في بئر القرية. وهكذا خرج إلى الدنيا «سالم بن عبدالله» (القافر)، سالم الذي سلمه الله من الغرق، والقافر الذي يتتبَّع ويقتفي أثر الماء. ويا للمفارقة! وُلد لأم ماتت غرقًا وأصبح صديقًا للماء وصوتِه من تحت الأرض في هِبة ربانية تناولها زهران بكل براعة وخفَّة.

بلغة عذبة ووصف دقيق للمكان وأفلاج المياه وطقوس أهل القرية وعلاقاتهم المتشابكة، نسج زهران روايته ليثبِت أن خصوصية الأدب المحلي وتقارب النص مع القارئ هي أصالة نتوق إليها وتعيش فينا طويلًا حتى بعد بلوغ الصفحة الأخيرة من الرواية. وهذا ما يسحرني في الأدب، أن نلمس فيه ما يشبهنا. ومهما اختلفت الأماكن والظروف فإنني وجدت في «تغريبة القافر» قصة تشبهني قليلًا وتشبه كثيرًا منا، قصة تغربتُ فيها عن ذاتي وعشت تغريبة لا أزال أصارعها كما صارع «سالم» الماء بحثاً عن مخرج. 

مع كل فصل أتقدمه في الرواية أجد أنها تحتفي بالصوت، الصوت الداخلي للإنسان ورغبته الدفينة والتوق إلى الاتساق مع النفس. إنَّ هذا الصوت يحمل قيمة عظيمة في حياة الإنسان، وتجاهله والسخرية منه قد يؤدي بنا إلى تغريبة طويلة، فنعيش غرباء مع أنفسنا، نمارس حياة لا تشبهنا كثيرًا ولا تلبي نداءات هذا الصوت الداخلي. 

أنصت سالم بن عبدالله إلى الماء وهو يناديه من بين جدران الصَّخر والحصى،

أنصت إليه فسمعه كأنَّه يدعوه متوسلًا تحريره من سجن الأرض.

كان سالم يسمع صوت الماء من باطن الأرض ويثق بحدسه، يعرف أين «يقفر» ويحفر، كان أصيلًا بصوته الداخلي لسنوات طويلة. ولكنه كأي واحد منا، نحن الذين نتيه عن صوتنا الداخلي ونسلم أنفسنا لليأس ونغيب في غربة على رغم كل محاولات التماهي مع ما لا نرغبه أو نريده. 

تذكرتُ كيف كنت سنوات أعمل في بيئات لا تشبهني بأي شكل، وأعيش تفاصيل يوم لا تناسب ما أرغبه، واستسلمت لضغوط اجتماعية واستهلاكية أربكتني من الداخل. لسنوات أرغمت نفسي على تجاهل صوتي الداخلي، وبدل أن أبذل الطاقة لمحاولة الخروج من هذه السمّية، بذلتها بشكل خاطئ في محاولة تطويع نفسي لتقبلها وتجاهل صوتي والغرق في ماء مالح جدًّا. 

صارعتُ صوتي الذي كنت أثق به أكثر مما صارعت الظروف، خفت كثيرًا من قراراتي الجريئة وكيف سيقابلها المحيطون بي، لأنها لن تكون مفهومة لغيري مثلما هي مفهومة لي. لقد اختبر سالم اليأس مثلما اختبرته أنا وأنت، وظنَّ أنْ لا طائل من المقاومة ولا ماء في الصخرة مثلما ظننت. 

لكن كلامهم يلسع.

بيلسعنا كلامهم التوّ، لكن يحرقهم الماي مِن يخرج.

 فهمت «القافر» كثيرًا وتقاربت معه في كثير من الأحداث، وأجزم أن كثيرًا منا سيتقاطع مع رمزية هذه الرواية. كلنا في مرات كثيرة اخترنا الصوت الخارجي بدل أن نستمع لصوتنا الداخلي، لبَّينا ما يريده الآخرون بدل أن نسمع لرغباتنا ما دامت أنها لا تغضب الله. آثرنا المذاق الحلو السريع لأن نرضي الآخرين على مرارة أن نخوض ما نرغبه وإن كان عكس التيار، متجاهلين أن اللذة في مرات كثيرة هي من نصيب النهايات.

إن تغريبة هذا «القافر» تمثيلٌ واقعي لما نمر به، ومهما بدا ذلك حدثًا صغيرًا وتافهًا للبعض فإنه يعني أحداثًا مهمة لنا ولنضجنا، تصنع منا الشخص الأقوى الذي طالما سألنا أنفسنا: كيف نكونه؟

لقد فهمت أن الغربة عن النفس والصعوبات التي نجاهدها هي أمور لا بد أن تحدث في سبيل تحقيق التوازن والاتساق مع النفس، لا يوجد طريق معبَّد بالورود ولا قرار سهل على إطلاقه. لقد تعلمت من «القافر» أن أثق بصوتي وحدسي ورغباتي الصالحة أكثر، وألاّ أواجه نفسي بالتشكيك دون طائل، وأن علينا التحلي بالشجاعة لمواجهة هذه الغربة، وأن الوقت مناسب دائمًا للعودة إلى منابعنا الداخلية والتواصل بشكل جيد مع ذلك الصوت الذي نعيش معه ولأن نمهد له طريقًا أفضل لكي يحيا معنا وبنا. 

لقد تعلمت أيضًا كثيرًا من هذه الرواية، عرفت بضع كلمات من اللهجة العمانية الرشيقة، وسحرني الريف العماني الأخاذ. لقد اختبرت الوفرة والندرة من خلال أحداث هذه الرواية وكيف علينا أن نستغل أوقات الوفرة لمصلحة أيام الشح بكل أشكالها. أنهيت الرواية ولكن «سالم» وتغريبته لا يزالان يغذيان لحظات من أيامي، وسأتذكر «القافر» عند كل عتبة أشعر لديها أن تغريبتي عن نفسي ستبدأ. وهكذا أحبُّ أن يكون الأدب، أن نفهم من خلاله أنفسنا، ونجد فيه ما يشبهنا ثم يساعدنا على المضيّ قدُمًا. 


اقرأ المزيد في الكتب
مقال . الكتب

فرصتك الأخيرة في كتابة أدب الخيال العلمي

إلى أن نستقبل أول وفد من مخلوقات الفضاء لا تزال الفرصة متاحة لكتابة بضعة نصوص «كلاسيكية» تنتمي إلى جنس الخيال العلمي كما عرفناه يومًا.
أشرف فقيه
مقال . الكتب

كيف أثّرت نتفلكس في كتابة الرواية

لن ندّعي أنّ المؤلِّفَين قد كَتبا روايتيهما رغبةً في أن تتحوّل إلى مسلسلات. لكن ذلك لا يمنع من أنّها خرجت جاهزةً ليقتبسها صنّاع نتفلكس.
محمد آيت حنا
مقال . الكتب

أين يذهب ما نقرؤه وننساه

إن ما ننساه لا يذهب هباءً، ولكنه جزء من نسيج حياتنا، كامن في سلوكنا. يظهر في مفردات جديدة، وفي تحليل نقديّ لم نخطّط للحصول عليه.
نوال القصيّر
مقال . الكتب

الكاتبة التي أطاحت بالأمير هاري

تمنح منصات النشر الحديثة الكاتب المغمور فرصة للظهور والتعريف بنفسه، كما تساعده على إيجاد جمهور عريض من القراء.
إيمان العزوزي
مقال . الكتب

ثمانية نصائح لمعرض الكتاب

تظل لمعرض الرياض للكتاب مكانته الأثيرة في نفسي، وفي هذه التدوينة سأعرض ثماني نصائح للاستعداد لمعرض الكتاب من تجربتي في السنوات الماضية.
سامي البطاطي
مقال . الكتب

كيف تجاوزت ألم الفقد بكتابين

وجدتُ بهجتي ومرحي في القراءة والكتب، وعشت من خلالها أوج استمتاعي وشعوري بلذة مختلفة ليست كلذة الطعام والشراب.
نوال القصيّر