لا يفهمك إلا أشباهك

عندما أكون مع مجموعة أخرى من الأصدقاء، أحاول إبقاء حيز اللغة في منطقة التجارب الحياتية المشتركة وكل ما تحمله من معجم ثقافي.

لغة التجارب المشتركة / عمران

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.

* تعبّر النشرات البريدية عن آراء كتّابها، ولا تمثل رأي ثمانية.
4 يناير، 2023

دوائري الاجتماعية ليست متشابهة. فزملاء العمل يختلفون عن شباب الديوانية، وهؤلاء يختلفون عن صداقات أيام الدراسة، وجميعهم يختلفون عن المجموعات الثقافية التي أقضي وقتًا معها. لكن لا أحد منهم جميعًا يفهمني باستثناء أصدقاء العمل.

فأنا أعمل في قسم يأتي فيه الجميع من خلفية مشتركة. التحق جميعنا عقب تخرجنا من الثانوية ببرنامج تدريبي مكثف استعدادًا للدراسة الجامعية، من ثم أُرسِلنا لدراسة التخصص ذاته في جامعات غربيّة؛ تحديدًا الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وأستراليا. تجربتنا الحياتية المشتركة هذه هي ما يجعل من التواصل وإيصال الأفكار المتعلقة بالعمل أو خلافه أمرًا في غاية السهولة. 

فالأمثلة التي نضربها تعود لتجارب سابقة متشابهة؛ تعبيراتنا، النكت، طرائق الاستدلال، جميعها متشابهة وكأننا نتاج مدرسة حياتية واحدة.

مثلًا، عندما أتحدث عن فكرة أعمل عليها لبرنامج يوتيوبي بشأن كراهيتي لأمور كثيرة، ويرد أحدهم: «أوه مثل بيتر قريفن: (Do you know what grind my gears)»، فأنا أفهم ما يقصده، لأني مثله تابعت مسلسل «فاملي قاي» (Family Guy). أو عندما أشير إلى أنَّ الحقل العلمي كممارسة لا يعني بالضرورة موضوعية كل شيء نقوم به وتجريبيته، فورًا يفهمني زملائي.

ما يسمح بانسيابية التفاهم بيننا هو تشاركنا المعجم الثقافي ذاته (Lexicon)، فاللغة التواصلية في حد ذاتها غير كافية. قد أقول «قِط» ويرتسم في مخيلتك قطٌّ يخرج من قمامة، أو قط بفرو كثيف في حضن مالكه. كل صورة تقفز إلى ذهن صاحبها بحسب تجاربه الحياتية السابقة. 

وبالطبع يصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما يتناول شخصان موضوعات أكثر دقة، مثل مواضيع الدين والمجتمع والفلسفة. وليس من المستغرب أن يصل التواصل بينهما إلى حائط مسدود في حال كان المتناقشان يمتلكان معجمَين ثقافيَّين متباعدَين جدًّا!

فكرة فشل اللغة في إيصال المعنى ليست بالجديدة على الإطلاق، فقد تناولها جاك دريدا وغيره من «التفكيكيين» الذين أدركوا أن اللغة مهما كانت دقيقة وتوصيفية، إلا أن هناك فجوة تظل غير مردومة، وبإمكانها أن تكون عائقًا أمام إيصال الصورة المرادة عند قائلها. ولذلك يقال دائمًا: إنَّ في اللغة جانبًا كبيرًا من التواطؤ.

لهذا، عندما أكون مع مجموعة أخرى من الأصدقاء، أحاول إبقاء حيز اللغة في منطقة التجارب الحياتية المشتركة وكل ما تحمله من معجم ثقافي. فأتجنب استخدام أمثلة أو مفردات أكاديمية عندما أتحدث مع من لم يلتحق بالجامعة قط. وكذلك أتوقع ألا يستخدم الطرف الآخر لغة ناتجة عن تجارب حياتية لا أفهمها. 

لكن أظل أسأل نفسي: هل ذلك ممكن أساسًا؟ هل أستطيع أن أقصي جزءًا من ذاتي، أو أتقمص ذات أخرى ليست نتاج تاريخي الشخصي؟ هل كنت سأستطيع كتابة هذه التدوينة دون أن أتشارك معك معجمي الثقافي؟ 


مقالات أخرى من نشرة أها!
17 أغسطس، 2022

قراءتك مئة كتاب لا تزيدك فهمًا

إذا ما أردنا أن نتشكل معرفيًا بحق، فلا يكفينا قراءة مئة كتاب في العام ومئة «ثريد» في الشهر حتى يزداد فهمنا.

حسين الإسماعيل
28 نوفمبر، 2022

الجديّون هم الخاسرون في كأس العالم

أدعوكم أيها الجديّون إلى متابعة مباريات كأس العالم، ولا تقلقوا، فأنتم لستم بحاجة لفعل أي شيء سوى الجلوس والاستمتاع بالمشاهدة.

أنس الرتوعي
8 نوفمبر، 2022

مشاهدتك الستريمرز أكثر متعة من اللعب

لم أكن أعرف بعد مدى انتشار ظاهرة متابعة «الستريمرز»، ولذا لم أفهم أساسًا ما الذي قد يدفع بشخصٍ إلى مشاهدة آخرين يلعبون ألعابه المفضلة.

حسين الإسماعيل
26 ديسمبر، 2022

لماذا نفتقد باث وبي بي إم؟

إنَّ القاسم المشترك بين المنصتين -باث وبلاك بيري مسنجر- هو سماحهما للمستخدمين بتشكيل ثقافة مستترة مغايرة للفضاء العام.

حسين الإسماعيل
3 أغسطس، 2022

هل وصلك الإيميل وأنت بصحة جيدة؟

لأنَّ من الصعب نقل مشاعرنا عبر نصوص صماء، نضطر لإدراج بعض العبارات الشكلية، لا لشيءٍ سوى إيحائها بأننا لسنا مشدودي الأعصاب. 

حسين الإسماعيل
22 سبتمبر، 2022

لماذا تصرف مئة ريال في محلات «أبو ريالين»؟

نجاح محلات «أبو ريالين» يثبت لنا أن التسويق وفهم طرق الزبائن في الشراء يمكّنك من بيع أي شيء، ولو كانت «قراشيع» عديمة الفائدة.

أنس الرتوعي