أهداف العام الجديد، بين أوهام التغير والتجدد

تكررت الحكاية نهاية 2020 كما تكررت فيما قبله: يشارف العام على الانتهاء، نتأمل أكوام الكتب غير المقروءة، ونفتح المفكرة التي تراءت لنا حلًا سحريًا سرعان ما صار في طي النسيان. ونطالع الوجبات الخفيفة ومكوناتها الصحية التي أخذ الغبار يتجمع عليها فوق الأرفف.

يتسرب إلينا السأم وتتآكل ضمائرنا حانقة. نعقد العزم على أن يكون العام القادم عامًا مختلفًا، عامًا جديدًا بمعنى الكلمة، عامًا نُعيد فيه تشكيل أنفسنا وذواتنا للأفضل. نخرج ورقةً بيضاء، ونسطّر عليها بضعة قرارات وأهداف من شأنها توصيلنا إلى ما نطمح إليه. «ستكون هذه المرة مختلفة» نهمس لأنفسنا، تمامًا كما فعلنا في الأعوام السابقة. 

كلاكيت عاشر مرة

تشهد الأيام الأولى من يناير كل عام آثار قرارات العام الجديد. فحسب إحصائية جمعية الصحة ورياضات المضرب والأندية الرياضية (IHRSA)، يحوز يناير وحده ما يفوق 12% من مجموع العضويات الجديدة في العام. وفي عام 2020، بلغ البحث عن برامج الحمية الغذائية أقصاه في يناير عالميًا، بالرغم من فترات الحجر الصحي وحظر التجوال منتصف العام في العديد من دول العالم.

ولولا الحجر وحظر التجوال، لظلت موجة قرارات السنة الجديدة تحتل صدارة رغبة تعلم اللغات الجديدة حسب تقرير Duolingo كما في العام السابق.

وسواء كانت إحصائيات انسحاب 80% ممن انضموا للنادي في يناير خلال الخمسة أشهر الأولى من عضويتهم دقيقة أم لا، وكذا بوادر فشل أغلب القرارات خلال الأسابيع الأولى من فبراير؛ نعود نهاية كل عام لعقد العزم واتخاذ قرارات السنة الجديدة، موقنين أنها ستكون مختلفة عن سابقيها. والنتيجة في الغالب خيبة أملٍ جديدة.

تنطلق المقالة من خيبة الأمل هذه، محاولةً تشييد بديل آخر لها. لن يرتكز هذا البديل على المزيد من النصائح التي تدعو لرسم أهداف أكثر قابلية للتحقيق، ولا لإيجاد محاولات لإبقاء الذات متقدة بغية تحقيق الأهداف. كما أنه لن يرتكز على تبرير خيبة الأمل بخرافة تحقيب الزمن أساسًا، وبأنه لا معنى للأيام ولا للأسابيع في سياق الكون الأكبر.

ما أصبو إليه هنا مختلفٌ عن هذه الأمور، حتى وإن امتزج بها بعض الشيء. نرغبُ جميعًا أن نكون نسخًا أفضل من أنفسنا. ولا يعني هذا أن علينا قبول أوهام التغير والتجدد التي تكتنفها فكرة قرارات السنة الجديدة.

التغيير ≠ التجديد

ترتكز فكرة قرارات السنة الجديدة في جوهرها على مغالطة التجديد المقتصر على إقحام عادات أو هوايات أو ممارسات تكسر الروتين الذي اعتاده الفرد. بعبارة أخرى، يصبح التغيير مرادفًا حصريًا للتجديد بمعناه الضيق القائم على السعي وراء ما هو جديدٌ أو دخيلٌ. ومن أوضح الأمثلة على هذه المغالطة، المقالة التي كتبها ديڤد آلان لـCNN، عن تصوره الخاص لقرارات السنة الجديدة.

يسرد آلان في المقالة تفاصيل ما أسماه بـ«القرارات المجهرية»، مشيرًا بذلك للقرارات التي بات يُقحمها شهريًّا على نظام حياته، بدلًا من محاولته تبنيها كلها دفعة واحدة بداية العام. وينصح القارئ قائلًا: «الطريقةُ الأخرى هي أن تفكر باثني عشرة عادة تود إضافتها إلى حياتك.»

تقوم هذه المغالطة بدورها على فكرة أن المزيد يعني الأفضل، على فكرة أن هناك نوعًا من الثراء المعنوي المبني على تكديس التجارب الجديدة. وحين تتزاوج هذه الفكرة بالتجديد، يتكون لنا ما يرادف تدمير شومبيتر الإبداعي في تطوير الذات، من باب أن على الفرد إزاحة عاداته القديمة لكي يفسح المجال لما هو جديد وخلاق وتطويري. توجه أصابع اللوم هنا للرتابة القاتلة التي تُفقر الأفراد على صعيد تجاربهم الشخصية، وللتكرار الذي يعدّ من كبائر عصر التغيير والسرعة.

وفي الوقت نفسه، يُنصح الأفراد بالخروج دومًا من مناطق راحتهم المزعومة باتجاه ما هو حديث وعصري ومختلف. لكن أيقتضي التغيير تكديس التجارب الجديدة فعلًا؟ ألا يمكن توسيع نطاق مفهوم التغيير ليرتكز على خبراتنا وتجاربنا التي مررنا بها خلال السنين دون الحاجة لزعزعتها بالشكل الذي ينادي به أنصار التجديد الجذري؟

سأجيب مبدئيًا على السؤالين المطروحين كما يلي: كلا، لا يقتضي التغيير تكديس التجارب الجديدة، ومن الممكن توسيع نطاق المفهوم، ليتمحور حول ما اكتسبناه بشكلٍ رئيس. تتشارك الإجابتان الافتراض نفسه: لا بد من وجود استمراريةٍ وتكرارٍ من نوعٍ ما.

بعبارةٍ أخرى، على الفرد أن يضطلع بالأمر نفسه فترة طويلة نسبيًا بُغية تحقيق التغيير. في سبيل توضيح ذلك، أجد نفسي ملزمًا بالتفريق -ولو نظريًا- بين عمليتين مختلفتين، تنبني أولاهما على ضرورة تكرار الشيء، فيما تنبني الثانية على ضرورة حدوث انزياح إدراكي لما نلم به.

التكرار يعلم الشطار

في عام 2008، نشر مالكولم گلادويل كتاب «المتميزون: قصة النجاح»، وهو ثالث كتبه الأكثر مبيعًا. يحاول گلادويل في صفحات هذا الكتاب تفسير الأسباب الخفية التي تؤدي لنجاح بعض الناس دون غيرهم. ومن القواعد التي يبشر بها بين الحين والآخر في الكتاب هي قاعدة الـ10,000 ساعة، والتي تقول باختصار أن احتياز مَلَكَة أي شيء تستوجب قضاء ما لا يقل عن عشرة آلاف ساعة في ممارستها.

وبغض النظر عن التعليل المنطقي المعطوب في هذه النظرية أو في طرحه خلال فصول الكتاب بشكلٍ عام، من الصعب ألا نقر بأن الإكثار من ممارسة الشيء عاملٌ بالغ الأهمية في إجادته. ذلك أن جعل الشيء روتينيًا يعني التعود على ممارسته للدرجة التي تنتفي عندها الحاجة لبذل جهدٍ تركيزي في آلية القيام به. بعبارةٍ أخرى، يلم الفرد بأساسيات الشيء بما يكفي لتوفير طاقة التركيز عن آلية الممارسة وصرفها في تحسين الأداء والفعالية. 

ولا يقتصر الأمر على هوايات كالرسم أو كرة القدم أو العزف، بل يشمل حتى مشاهدة الأفلام والقراءة أو غيرها من الممارسات التي يلعب التأمل فيها دورًا رئيسًا. يستطيع كل من عاود مشاهدة فلمٍ أو قراءة كتابٍ ما الإدلاء بدلوه فيما يتعلق بتكرار تجربة الشيء، وفضائل عيش تجربة تمازج القديم والجديد.

حين يقرأ الفرد رواية وهو يعلم ما ستؤول إليه أحداثها، أو يشاهد فلمًا مدركًا غموضه وحبكته. ينصرف جهده لملاحظة العديد من التفاصيل التي انشغل عنها في قراءته أو متابعته الأولى، وهذا ما يجعل تجربة الفرد أثرى وأعمق. بل هذا جزء مما حدا بكالڤينو لتعريف الأعمال الكلاسيكية بأنها الأعمال التي نعاود عيش تجربة استكشافٍ جديدة في كل إعادة قراءة لها، إذ أن كل إعادة قراءةٍ تجعلنا نلاحظ أبعادًا غابت عنا في القراءات السابقة.

يمكن للتغيير أن يحدث إذن من خلال البناء على العادة والروتين، من خلال التكرار بوصفه خطوة لا مناص منها للإبداع. فمثلما يستحيل أن يخطو الفرد في نفس النهر الجاري مرتين عند هيراقيلطس، من المستحيل أن نكرر نفس التجربة بحذافيرها. إذ يتضمن كل تكرار تفاوتًا ممهدًا للإبداع. ولكن التصور الشائع عن قرارات السنة الجديدة وتبجيله الضمني لما هو جديد ومختلف وجذري، يقف حائلًا بيننا وبين إدراك هذا الأمر.

تحول النموذج الفكري

ولكن التكرار وحده ليس كافيًا بطبيعة الحال. حيث يتطلب الأمر أحيانًا أخذ خطوةٍ للوراء من أجل إعادة التأمل فيما يعنيه كل شيء. قد ننغمس في الممارسة وتفاصيلها، فنغفل عن اكتشاف مناظير مغايرة أو إيجاد علاقات جديدة لتلك التفاصيل في الصورة الكبرى.

يسمي توماس كون هذا الانزياح في نمط الإدراك تحولًا في النموذج الفكري (Paradigm). إذ يشكل هذا التحول عند كون، أساس الثورات العلمية والتطور العلمي بشكلٍ عام. فوقتما كانت الباراديگمات القائمة عاجزةً عن تفسير ظاهرةٍ علمية بشكلٍ دقيق، تنشأ الحاجة لتحول نموذج فكرٍ جديدٍ قادرٍ على استيعاب سابقاته وشرح الظواهر العلمية بشكلٍ أفضل. 

يمكن التمثيل على ذلك بالتحول في مقاربة الفيزياء للضوء بين نظريات الأثير والنسبية الخاصة. إذ تمكن آينشتاين من طرح نظريته النسبية التي استطاعت تفسير حركة الضوء والتغلب على الصعوبات التي واجهتها نظريات الأثير في وجه تجارب من قبيل تجربة ميكلسون ومورلي.

ولا تقتصر فائدة تحول النموذج الفكري تحليليًا على العلوم الطبيعية وحسب؛ إذ يستخدم دومينيك لاكابرا المفهوم نفسه في كتابه «التاريخ والنقد»، بغرض نقد تحجر النموذج الوثائقي وعجزه عن استيعاب بلاغة النصوص في كتابة التاريخ. ويقول بأن أزمة هذا النموذج الوثائقي كامنةٌ في كونه لا يعيننا على «رؤية الظاهرة بشكلٍ مختلف ولا تحويل فهمنا للظاهرة عبر إعادة تأويلها.»

بعبارةٍ أخرى، بدل مبالغة التركيز على التنقيب عن وثائق جديدة أو معلومات لم يكتشفها أحد من قبل، يدعو لاكابرا لإعادة التأمل فيما نعتقد أننا امتلكنا زمام فهمه. بل إن جزءًا محوريًا من تنظيره حول العلاقة بين الأدب والتاريخ قائمٌ على قدرة الأدب على زحزحة الأطر التي نقرأ الماضي ضمنها.

في هذا السياق، يمكن للتغيير أن يحدث دون الحاجة لإقحام المستجدات، ولا لاعتبار ما نألفه ونعرفه معطوبًا أو غير قابلٍ للتجديد وإعادة الإنعاش. وتتطلب إعادة تأويل ما بين أيدينا منا جهدًا فاعلًا للإقرار بأن الأطر التي ننطلق منها قد تحتاج بدورها لإعادة تأويل، وهذا بحد ذاته يفوق في قدرته التغييرية مجرد محاولة استيعاب المستجدات.

قرارات قديمة لسنة جديدة

يقول كابتن بيتي في رواية «فهرنهايت 451» مخاطبًا بطلها مونتاغ: «املأهم بالبيانات غير القابلة للاشتعال، أفعمهم بالحقائق بحيث يشعرون بالتخمة، بيد أنهم يشعرون بالذكاء جراء هذه المعلومات. سيشعرون أنهم يفكرون، وسينالون إحساسًا بالحراك دون أن يتحركوا. وسيكونون سعداء لأن الحقائق من هذا النوع لا تُغير.»

يمكن قول الشيء ذاته عما تولده لحظات اتخاذ قرارات السنة الجديدة فينا من تفكير وحراك وسعادة، سوى أنها في النهاية كما يقول الكابتن بيتي لن تبدّل شيئًا؛ طالما ارتبط اتخاذ هذه القرارات بتجربة ما هو جديد وخارج عما اعتدناه، وطالما ارتبط بسعيٍ نهمٍ وراء كل ما من شأنه إخراجنا من مناطق راحتنا، فسيبوء الأمر في نهاية المطاف إلى الفشل.

من هنا تنشأ الحاجة لإعادة الاعتبار لفاعليتنا الشخصية ولقدراتنا على البناء على ما اكتسبناه وعرفناه من ممارساتنا وتجاربنا وإدراكنا نحن. بدل الإفراط في البحث وراء سلسلةٍ جديدةٍ من القرارات والتجارب الجديدة، لعل من الحري بنا التركيز على ما عاهدنا أنفسنا عليه وباشرناه في السابق. ففي النهاية، لم تُبن روما في يوم واحد.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×