«الرّائي»، من الطين إلى مايكروسفت ♾️

زائد: الزغرودة التي أزعجت صابرينا 🎶

رَحَلَتْ عنّا الأسبوع الماضي سيدة الشاشة الخليجية، حياة الفهد، ذلك الوجه الأليف الذي رافق طفولتي جنبًا إلى جنب مع رفيقة دربها سعاد عبدالله. ذكّرني رحيلها بما قاله حسام السيد في «نوبة حراسة الأحلام»: «جمالية الفنان أنه، رغمًا عنه، يصير شيئًا أكبر من بشريّته؛ لا يودع الناس فنّانًا في موته، إنما يودعون معه جزءًا من حياتهم كاملة، جزءًا لن يعود أبدًا»، لهذا بالضبط يتضاعف حزننا.

بعد رحيلها، عرفت أنها كانت شاعرة، وأن لها ديوانًا. كانت تصف ما تكتبه بأنه «كلام بسيط»، ولم تُولِ نشره أي اهتمام. لكني، بعد أن اطّلعت على هذا الجانب المخفي من شخصيتها، عاتبتُ نفسي طويلًا.

نحن غالبًا ما نركز على جانب واحد من شخصيات الآخرين، الجانب الذي اشتهروا به، والذي رفع مكانتهم بين الناس، ونتجاهل جوانب أخرى، ربما كانت قادرة على منحهم حياةً مختلفة، بعيدة عن الصورة الذهنية التي صنعناها لهم.

في هذا العدد، تقدم الكاتبة العراقية حراء موسى ناقدة لرواية «الرائي». بينما أعود في فقرة «هامش» للحديث عن الزغرودة التي هزت العالم. وأيضًا، أقدم مجموعة من التوصيات، بعضها أضحكني، وبعضها الآخر دفعني إلى تأمل هويتي.

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

«الرّائي»، من الطين إلى مايكروسفت ♾️

حراء موسى

ماذا لو لَدغ الثعبانُ الذي سرق عشبة الخلود من جلجامش فتًى في الثامنة عشرة، ونقل إليه لعنةَ البقاء؟

إنَّ النصوص الأدبية التي اشتغلَت على الحقب القديمة من تاريخ وادي الرافدين أقلُّ عددًا مقارنةً بما كُتب عن مصر القديمة والإغريق والرومان، وهذا بالضبط ما قادني إلى قراءة رواية «الرّائي»، عند إعلان القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، رغبةً في تبيُّن كيفية معالجة هذه المرحلة تاريخيًّا داخل نصٍّ روائيٍّ طويلٍ.

وقد تداخل هذا الفضول التاريخي عندي مع اهتمامٍ أسبق بالحضارة السومرية، لقِدمها من جهة، ولكونها منعطفًا أساسيًّا في تاريخ اللغة؛ فعندها قد اكتسب هذا النظام صورةً مرئيةً، وتحوَّل معها المعنى من حدثٍ صوتيٍّ عابرٍ إلى بنيةٍ قابلةٍ للتثبيت والقراءة.

تستعير الرواية أسطورة جلجامش بعد أن قلبَت مركزها: فالسؤال لم يعد كيف يُنال الخلود، بل كيف تُحتمل لعنته بعد نيله؟

عبر ستة أسفار، يصحبنا الروائي العراقي ضياء جبيلي في الحياة الأبدية لـ«دامو السومري»، بدءًا من سِفْر الطين، مادة الخلق الأولى في أساطير بلاد الرافدين، وانتهاءً بسفر مايكروسوفت، العالم الرقمي. في الرواية، تعمل عناوينُ الأسفار على نحوٍ يُذكِّر بالعلامات الدالَّة في الكتابة المسماريّة¹، أي بوصفها محدداتٍ دلالية تُعيِّن الأفق الرمزي لكل سفر. وعلى هذا الأساس، يمكن قراءتها ليس كتقسيماتٍ سردية وحسب، وإنما كأطوار انفصال «دامو» تدريجيًّا عن جذوره.

غلاف «الرائي»
غلاف «الرائي»

تقف الرواية عند تقاطع ثلاثة أجناسٍ روائيةٍ : رواية السرد الأسطوري، والرواية التاريخية ذات الطابع الموسوعي، والرواية التأملية. هذا التهجين ذكيٌّ في تصوّره، غير أنه يظل دون حسم حتى النهاية، إذ يبدو أنَّ الكاتب لم يقرِّر نوع الرواية التي يريد كتابتها، وهو ما جعل الحبكة تميل إلى الضبابية في كثيرٍ من الأحيان، لا سيما مع ثِقَلِ السرد التاريخي الذي يُبطئ اندفاعها. ففي معظمها، تنزلق القراءة إلى ما يشبه فهرسًا تاريخيًّا أكثر منها روايةً. وهذا الترهل في الرواية يعود إلى أنَّ الكاتب يصنع المشهد التاريخي بالوصف، ثم يُصرِّح بالحدث، بدلًا من أن يبني المشهد من الحدث نفسه.

في الواقع، تحمل الرواية بذورَ عملٍ مبتكر، لكنها، عوضًا عن اشتغالها على رهانها الجمالي الذي يجعل منها فكرةً أصلية، آثرت تقديم العنصر التاريخي الذي كان ينبغي أن يظلّ في الخلفية ليعمل محرِّكًا للحبكة، وجعلتْه عنصرًا رئيسًا أثقل السرد وفتَح مساراتٍ هامشية داخل الخط الدرامي.

تقطع الرواية وعدًا من النوع الذي يُحسب للكاتب: نقلُ الخلود من حيِّز الفكرة الميتافيزيقية المستهلَكة إلى حيِّز التجربة القابلة للاختبار، تتماسك عبر خط مطاردة، وتتطوَّر عبر وسائط الكتابة. بيد أنَّ التنفيذ لا يبلغ حجم هذا الوعد؛ إذ يُعرَض الخلودُ كفكرةٍ نظرية، أكثر مما يُعاشُ حالةً نفسية. نحن نُدرك أن «دامو» متعَبٌ بالبقاء، إلا أننا لا نشعر بهذا التعب، لأن الكاتب يختار الإخبار عن الحالة حين كان ينبغي بناؤها من الداخل.

تمرُّ القرون على البطل، لكنَّ التحول النفسي يخلو من العمق الذي يوازي هذا الامتداد. وهنا تكمن مشكلةٌ بنيويةٌ دقيقة؛ هي أنَّ «دامو» شخصية تتكرّر دون أن تتطوّر. قد يكون هذا التكرار مقصودًا بوصفه تمثيلًا سرديًّا لشكل الخلود، غير أن العمل يكتفي بالرهان على الأثر دون أن ينجح في تبرير ذلك من داخل بُنيته: «منذ ألفي سنة وأنا أتجنَّب، قدر ما أمكنني، الوقوع في مثل هذا المأزق. استطعت الهرب من "سرجون"، وابنيه "ريموش" و"مانشتوس"، وحفيده "نرام سين"، ومن "حمورابي" ملك بابل، ومن ملوك آشور جميعهم. ولكنني وقعت أخيرًا في قبضة "آشور بانيبال"، فكانت تلك من أصعب المواقف التي خبرتها منذ لدغة الأفعى وأيام الطاعون وهجوم الأكديّين على أوروك».

الفرق الحاسم هنا أن إرهاق المعنى يختلف عن إرهاق المعلومة؛ وإرهاق «دامو» إرهاقٌ وجودي ناتجٌ عن تراكم الذاكرة والشهادة عبر آلاف الأعوام، في حين أن إرهاق المعلومة يجعل القارئ يرغب في تخطِّي الصفحات. وعندما تجعل القارئ يشعر بالإرهاق الثاني، ظنًّا بأنه يعايش الأول، فإنك في الواقع تلغي التجربة ولا تجسّدها. إن الزمن الدائري، إن استُخدم سرديًّا، ينجح فقط حين يشعر القارئ بثقل ما يتكرّر، لا بكثرته.

أدب الحضارة السومرية في تنوّعه، من المراثي وأساطير الخلق، إلى الأغاني والحوارات حول الموت والحياة، كان كغيره من الآداب؛ محاولةً لتوثيق المشاعر الإنسانية في مواجهة الفناء. غير أن السومريين أدركوا أنَّ الشعور لا يمكن احتواؤه باللغة نفسها التي تُحصى بها المحاصيل؛ عندها ابتكروا «الإيمي-سال»² (Eme-sal)، لغة النساء، وهي اللغة الرقيقة التي استُخدمت في الأدب والترنيمات الدينية والمراثي والأمثال والتهويدات. مع مرور الزمن، اندثرت الإيمي-سال، لكن بعض ما كانت تحتويه نجا، ومنه «دلِّلُّول»، وهي تهويدةٌ سومرية بقيت في أفواه الأمهات العراقيات خمسة آلاف عام، وارتبطنا بها حتى اليوم ارتباطًا حميميًّا بأمهاتنا وطفولتنا معًا.

يستخدم الروائيُّ التهويدةَ أداةً لحراسة الذاكرة، ولحماية ملامح البداية من النسيان. كما يستخدم البطلَ استعارةً للذاكرة الحضارية التي بقيت على الهامش، مع أنها المركز الذي بدأ منه كل شيء. «دامو»، ابن الحضارة الأولى، يعيش غريبًا أبديًّا عبر تنقُّله بين العصور: «أوقفني في إحدى الأزقة المعتمة صوت امرأة تسرّب من إحدى النوافذ المفتوحة في الشرفات الشناشيلية على جانبي الطريق، وهبط في أذني ليذكرني ب "ماميتو": لو لوّا! الكلمة التي بدت كأنها مفتتحًا لتهويدة.... "لو لوّا.." هي كل ما تبقى من التهويدة السومرية التي عمرها خمسة آلاف عام..».

تتطلعُ الروايةُ، من مرصدها، إلى الحضارات من ارتفاعٍ آمن، وتقترب من عصرنا إلى حدٍّ ما، دون أن تُكتب من داخله بالكامل، فهي تضغط على مواضع الجرح التي تشغل الذهن العربي المعاصر: من نهب الذاكرة، وانقطاع الأصل، وضياع الأثر. إلا أنها تفعل ذلك من موقع الوعي بالمأساة، بمعزلٍ عن واقع تجسيدها دراميًّا، مما يجعلها تقع أحيانًا في نبرة المظلومية الحضارية بصورةٍ بلاغية أكثر مما هي معيشة من الشخصية: «وأظن أن ضياع بعض الألواح الطينية لا يشكل فرقًا إزاء ضياع تاريخ بلدٍ بأكمله تشتت بين متاحف العالم، في حين لا يجد هذا التاريخ قطعة أرض في منشئه تُبنى عليها».

كما يتجلَّى ذلك في «لو- إنانا»، أو في الكاهن الطبيب «شوسن»؛ الخالد الآخر الذي يطارد «دامو» عبر العصور من حيث كونه صورةً للسُّلطة في التاريخ، سُلطة تسعى إلى غايةٍ أبعد من محو الذاكرة، وهي امتلاك من يحملها. وعلى اختلاف الأزياء والتسميات، تظلُّ متطابقةً في فعلها ومنطقها.

على مدار الرواية، بقيت اللغةُ تخدم السرد، واضحةً وانسيابيةً في التنقُّل بين الفقرات، وقادرةً على نقل المعلومات، على الرغم من أن السرد يَشرح دون أن يترك مساحة للتأويل. من وجهة نظري، يكمن الخلل الجوهري في الأسلوب في عنصرين: أولًا، علاقة الإيقاع بالشخصية، وهي علاقة غائبة تقريبًا على مدار الرواية وفي مختلف الأحداث، إذ تبقى النبرة واحدةً، تعجز عن محاكاة الحالة النفسية بتراكيبها، ولكن تصفها من خارجها.

أما الخلل الآخر، فيتعلق بالمساحات اللغوية غير المستغلَّة؛ فالحِقَب التاريخية التي تعالجها الرواية تسمح للغة أن تتشكل بطابعٍ خاص من ناحية استعاراتها وإيقاعها وصورها، فتخدم فكرة الكاتب في التجسيد نيابة عن إثقال السرد بالتاريخ.

كان يمكنُ لكلِّ سِفْرٍ أن يحمل حبكةً مركزيةً واحدة تستدعي العصر، عوضًا عن الاكتفاء بعرضه، صراعٌ محدَّدٌ في مكانٍ محدَّد يحمل الثيمةَ الكبرى، بدلًا من توزيعها على أحداثٍ متتالية. إن ما يخدم السرد في الصراع المحدد هو دفع الفكرة الجوهرية نحو ذروتها، وحين تغيب هذه البنية، يتحول السفر إلى تنقُّلٍ بين المحطات، بحيثُ تُضاف كلُّ محطةٍ إلى ما قبلها دون أن تبني عليه، فيضيع الخيط الدرامي وسط كثرة الأحداث.

إن مشهد إعادة الياقوتة المسروقة إلى عين الأسد هو أكثر اللحظات في السلسلة جمعًا بين التفكير والرغبة في الفناء في مشهدٍ واحد. ومع ذلك، لم يختَره الكاتب ليكون الخاتمة، وهذه خسارةٌ حقيقية؛ لأن الرواية كانت تمتلك ختامًا دائريًّا مكتملًا.

حين مات «أنكيدو»، بقي «جلجامش» جالسًا إلى جانبه سبعة أيامٍ ممتنعًا عن دفنه، لأن هذا كان بمثابة الاعتراف، ولم يكن جاهزًا للاعتراف بأن الحياة ستستمر من دونه. ما يدهشني دائمًا في الأدب السومري أنه طرح الأسئلة نفسها التي لم نُجب عنها بعد. وحين قرأتُ «رحلة جلجامش»، لم أشعر بالمسافة الزمنية التي تفصل بيننا، وإنما بالمسافة بين سؤاله وسؤالي عن قيمة الوجود، وهي في الواقع أضيقُ مما ينبغي.

«الرّائي» قد تكون من أكثر الأعمال الروائية العراقية طموحًا في الآونة الأخيرة، وتدفعك في نهايتها إلى الشعور ببعض الغضب، لأنك ترى طوال القراءة ما كان يمكن أن تكونه، لكنها لا تقبض عليه.

  1. هي رموز لا تنطق تُضاف إلى الكلمات لتوضيح معناها عند احتمال وجود أكثر من معنى.

  2. هي لهجة خاصة من اللغة السومرية القديمة، وقد خُصِّصت لتمثيل كلام الآلهة المؤنثة والنساء في النصوص الأدبية، كالمراثي وأغاني الحب الدينية. وتختلف عن السومرية الرسمية في مفرداتها لا في قواعدها النحوية.


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

الزغرودة التي أزعجت صابرينا 🎶

إيمان العزوزي

عندما سخرت المطربة الأمريكية صابرينا كاربنتر من زغرودة أطلقتها معجبة عربية خلال حفلها في كوتشيلا، لم يخطر ببالها أنها تصطدم بعالمٍ ثقافي كامل لا تفهمه. لقد قادها هذا الجهل إلى وصف الصوت بأنه «غريب» و«مزعج»، دون أن تدرك أنها تواجه واحدة من أعرق الممارسات الصوتية في العالم.

لم يكن مستغربًا من الغرب، الذي يرى في عطسة موزارت سيمفونيةً خالدة، أن عدّ الزغرودة مجرد ضجيج. ما حدث مع هذه المعجبة في الحفل يحدث مع أغلبنا حين نمارس فعلًا ثقافيًّا ننتمي إليه ونمارسه خارج مجتمعاتنا، فنتعرَّض لنظرات الآخر المستغرِبة، التي قد تصل أحيانًا حدَّ الاحتقار، لنجد أنفسنا أمام: «أحد أصعب المهام التي تواجهنا، نحن المنحدرين من أصول شرقية، عندما نعيش في أمريكا الشمالية، هي هذه الحاجة الملحّة لنشرح لأصدقائنا وزملائنا» سياق أفعالنا، كما أكد حميد دباشي في كتابه «هل يستطيع غير الأوربي التفكير؟» الذي يعالج ضمن ما يعالجه هذا التفاضل الثقافي بين المجتمعات.

لطالما أشار الأنثروبولوجي مارفن هاريس في أعماله، وخاصة في كتابه «مقدّسات ومحرّمات وحروب، ألغاز ثقافية»، إلى أن الكثير من العداءات الثقافية تنبع من الجهل بالوظائف الحقيقية التي تؤديها الممارسات المختلفة داخل مجتمعاتها. وعلى الرغم من الانتقادات التي وُجّهت لهاريس وكتابه -الذي لم يقنعني شخصيًّا بتقبّل بعض الممارسات العنيفة- فإنه يحثنا على التريث قليلًا قبل الحكم على ثقافات الآخرين، لا سيّما في الوقت الراهن الذي يعزّز الصّوابية السياسيّة، ويخضع لرقابة آلاف الكاميرات التي ترصد كل تنمّر أو زلة لسان.

لست أبرئ نفسي من هذا القصور في الفهم، فحين شاهدت رقصة «الهاكا» الماورية التي يؤديها فريق الرقبي النيوزيلندي قبل المباريات للمرة الأولى، تملكتني الرهبة من ملامح اللاعبين (وخاصّةً اللاعبات) وتعبيراتهم الحادة وأصواتهم المدوية وحركاتهم العنيفة.

ظننتها آنذاك طقسًا يهدف إلى ترهيب الخصم، وهو ما يتنافى في نظري مع الروح الرياضية، لكنني أدركت مع الوقت أنها رقصة تراثية عريقة تعبّر عن الفخر والقوة والانتماء، وتجسد تهيُّؤ المحاربين روحيًّا لمواجهة التحديات، بل أحيانًا تُرقص ترحيبًا بالضيف. وببحثٍ بسيط أدركت سياقها التاريخي المرتبط بمواجهة قرونٍ من التهميش والاستعمار. كان جهلي هو السبب في وصفها بالوحشية، وما إن فهمت دلالاتها حتى تغيَّرت نظرتي إليها تمامًا واشتغلت على ترويض باقي أحكامي الجاهزة.

واللّافت أن ما نراه من نفي لبعض الممارسات قد يكون ضمن المجتمع نفسه، ويجد تبريره في فكرة التمايز الطبقي، وما الضجيج والصمت سوى مثال بسيط لهذا التمايز، وهو ما تناولته بالتحليل الكاتبة سوتشيتل قونزاليس في مقالها «لماذا يحب الأغنياء الصمت»، وأشار إليه أيضًا ديفيد هندي في كتابه «الضجيج». فقد أصبح الصمت في المجتمعات المعاصرة سلعةً ثمينة وعلامةً على المكانة الاجتماعية الرفيعة، في حين صار الضجيج سمةً تلتصق بالفقراء وسكان الأحياء المزدحمة. إذ يحرص الأثرياء على الابتعاد عن الضوضاء، فيعزلون أنفسهم في أحياء هادئة، ويطالبون بالهدوء في المطاعم والمقاهي الراقية.

غلاف كتاب «الضجيج، تاريخ إنساني للصوت والإصغاء»
غلاف كتاب «الضجيج، تاريخ إنساني للصوت والإصغاء»

لكن، الزغرودة، وهذا ما تجهله صابرينا، على عكس هذا المنطق الطبقي، تمثل ممارسة صوتية تتجاوز الفوارق الاجتماعية. قد تسمعها في حيٍّ شعبي في أثناء زفة عرس، وقد تسمعها في قصر فخم حين تعبِّر أمٌّ عن فرحتها بعودة ابنها من السفر أو زوجها من الحج. لا تسأل الزغرودة عن دخلك أو حيّك السكني، ولا تفرِّق بين الطبقة العاملة والأثرياء. إنها تعبير عفوي عن الفرح الخالص وأحيانًا عن الحزن في مقام توديع العزاب أو الشهداء نحو مرقدهم الأخير.

عندما تطلق امرأة عربية زغرودة، من الرباط إلى بيروت مرورًا بالقاهرة ودمشق والرياض، فإنها تشارك في طقسٍ صوتي موحد. هذا الصوت الحاد المتماوج الذي تُحدثه بلسانها في تناغم مع أحبالها الصوتية وسقف فمها وشفتيها، لا يحتاج إلى ترجمة، يحتاج فقط إلى أذن تجيد الإنصات. تعلمنا الأنثروبولوجيا أن ما نجهله نخاف منه غالبًا، وما نخاف منه إما أن نهاجمه أو نسخر منه. وقد فعلت صابرينا كليهما في لحظة واحدة: سخرت ثم أظهرت انزعاجها واحتقارها للثقافة: «هل هذه هي ثقافتك؟ الصراخ!»

لكن، قبل أن ننتقد صابرينا، علينا أن ننظر إلى أنفسنا. كم مرة هاجمنا ممارسات ثقافية أخرى لم نفهمها؟ كم مرة سخرنا من طقوس شعوب أخرى، مثل عادات قبائل الأمازون أو تقاليد شعوب إفريقيا، بل أحيانًا نهاجم ممارسات تنتمي إلى مجتمعنا نفسه، لمجرد أنها لا تشبه ما اعتدنا عليه؟ الجهل ليس عيبًا بحد ذاته، فكل إنسان يجهل كثيرًا مما لا ينتمي إلى ثقافته. لكن العيب الحقيقي هو أن يتحول هذا الجهل إلى عداء أو استهزاء، ورفض تعلم اللغة الرمزية التي يتحدث بها الآخرون.

وفي الحقيقة أنا سعيدة بما حدث، يكفي أن الـ«لو لو لو» هذه استطاعت توحيد العرب من المحيط للخليج في فعلٍ ثقافيٍّ موحَّد مُورس طوال الأيام الماضية على كل مواقع التواصل، ولم يستطِع أحدٌ أن يخرسه. لذا علينا أن نقبل اعتذار صابرينا التي لم تستطِع الصمود أمام المد الزغرودي الذي وصلها فاضطرت إلى التعليق والاعتذار، وأوصلت هذه الصيحة إلى العالمية: «أعتذر، لم أرَ هذا الشخص بعيني ولم أسمع بوضوح. كان رد فعلي مزيجًا من الحيرة والسخرية، ولم تكن بقصد الإساءة. كان بإمكاني التصرف بشكلٍ أفضل! الآن عرفت ما هي الزغرودة! أرحب بكل الهتافات والتشجيعات من الآن فصاعدًا».

زغردن يا نساء! وأسمِعنَ من به صمم! 


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


القراءة هي الانطلاق، والانغماس في الخيال، والتعرُّف على أشخاصٍ جدد، والتوقف للتفكير أو الحلم، والانطلاق مجدّدًا بفرح غامر، والاستماع إلى دقات القلب، وإرواء العطش، وسرقة الكرز أو التفاح، والشعور بالخوف والرغبة والاندهاش والتذمر والتساؤل والتذكر، وهكذا يستمر المسافر الذي لا يعرف الكلل حتى نهاية الكتاب.

برنار بيفو


تتجدد المواضيع والأفكار أسبوعيًا. 💡

تُقدم مساحات «الشريك الأدبي» فعاليات ثقافية في مختلف مناطق المملكة.

اختر وجهتك القادمة من «هنا». ☕️


  1. كيف تبدأ الكتابة ومتى تتوقف

تأليف: فيسوافا شيمبورسكا/ ترجمة: أحمد شافعي/ الناشر: دار أثر

يسير هو الأمر على الأطباء، ثمَّة قرص يمكن دائمًا أن يوصوا به. أما نحن، فلم تصدِر الهيئة الوطنية للصحة بعد أي شيءٍ خاص بمجال عملنا. نوصيك بالنحو البولندي ثلاث مرات في اليوم بعد الأكل.

تطرح الكاتبة والشاعرة البولندية الحائزة على جائزة نوبل فيسوافا شيمبورسكا في هذا الكتاب تساؤلاتٍ جوهرية حول جدوى الكتابة في حياتنا وحدودها، وذلك بأسلوبٍ ساخر يوجّهه الكتابُ في المقام الأول إلى المبتدئين؛ إذ تحثهم على التخفف من التعلق المفرط بنصوصهم، ليتمكنوا من تحريرها وتطويرها بمرونةٍ ووعيٍ أكبر.

تدعو شيمبورسكا إلى نزع القداسة عن النصوص الأدبية، مؤكدة في ردودها على رسائل الكُتَّاب التي نُشرت في مجلة «الحياة الأدبية» (Literary Life)، أنها بدأت هي الأخرى بكتابة نصوص متواضعة، إذ تقول: «أنا شخصيًّا بدأت بكتابة شعرٍ وقصصٍ دون المستوى». وتكشف هذه الرسائل عن فلسفتها الصارمة تجاه الكتابة، لا سيّما النثر الشعري، حيث تعدها حرفةً تتطلّب تدريبًا وانضباطًا. ورغم حدة نقدها، يلمس القارئ في طيّات كلماتها احترامًا لفن الكتابة وللمتلقي على حدٍّ سواء.

انبثقت هذه التجربة من عمود أدبي، كتبتْه في البداية تحت اسم مستعار، متجنبةً الكشف عن هويتها أو جنسها، إذ كانت تخاطب الكتّاب بصيغة الجمع «نحن»؛ لأنها كانت المرأة الوحيدة في هيئة التحرير التي تتولى الرد على الرسائل، فلجأت إلى هذا الأسلوب لإخفاء هويتها. ومن خلال هذا الدور، قدَّمت صوتًا نقديًّا حادًّا وصريحًا باسم مؤسسات النشر، كاشفةً، في الوقت نفسه، عن تناقض لافت في شخصيتها، فهي تجمع بين الصرامة والروح المرحة، وهو ما ميّزها عن غيرها من كتّاب جيلها.

اتسمت ردودها بالواقعية والصدق، بعيدةً عن المجاملة أو المبالغات الرومانسية المرتبطة بالإلهام. ومن أشهر تعليقاتها، ردها على كاتبة أرسلت نصًّا مفرطًا في شاعرية لغته، حيث قالت: «دعونا ننزع الأجنحة ونحاول الكتابة ونحن نمشي على أقدامنا، ما رأيك؟» 

كما تتضح مبادئها في العملية الإبداعية من خلال تعاملها مع الترجمة، إذ كانت، بصفتها مترجمة من الإنقليزية، تُرفِق نصوصها بتعليماتٍ دقيقة للمترجمين. وقد ارتبطت لديها عملية الكتابة بفعل الحذف والتنقيح المستمر، حتى إن علاقتها بسلَّة المهملات كانت وثيقة، إذ لم تكن تحتفظ بالمسودات أو التعديلات، معتمدةً على الاختزال والتصفية بوصفهما جوهر العملية الإبداعية.

في المجمل، يضع هذا الكتاب القارئ أمام قضايا أساسية تتعلق بتكوين الكاتب وتطوير أدواته، كما يظهر مدى أهمية دور المحرر الأدبي في إعادة صياغة النصوص وصقلها، وهو تقليد راسخ في التجربة الأدبية الغربية منذ زمن طويل… عقبال التجربة العربية.

  1. عشاق وكتب

تأليف: أميلي هنري/ ترجمة: آمال ن. الحلبي/ الناشر: دار التنوير

وربما لهذا نحن البشر نهوى القصص، لأنها تحمل لنا الفرص لنعيش الأمور بطريقة أخرى، أو لنعيش بين سطورها الحياة التي لم نختبرها قط.

تقدم رواية «عشاق وكتب» حكايةً تنبض بحب الكتب وعوالمها، وتتمحور حول «نورا»، وهي شابة طموحة تعمل في مجال النشر وتسعى جاهدة للارتقاء بمسيرتها المهنية. تبتعد «نورا» عن القالب التقليدي لبطلات الروايات الرومانسية، فهي تدرك تمامًا الصورة النمطية التي يراها الآخرون بها، وتصف نفسها بسخرية بـ«فتاة المدينة الشقراء الشريرة»، تلك التي يهجرها حبيبها لظنّه أنها باردة وقاسية، ولأنها قادرة على المضي قدمًا دون الارتهان للآخرين.

تنغمس «نورا» بشغف في عملها، مع اهتمامٍ بالغ بأناقتها وصورتها، مكرِّسةً وقتها وجهدها لبناء مكانة مرموقة في عالم النشر. ومع هذا النجاح المهني، تعاني فراغًا عاطفيًّا وافتقارًا إلى الدفء الإنساني الذي تتطلبه العلاقات.

تنقلب حياتها حين تضطر في بداية الأحداث إلى مرافقة أختها إلى بلدةٍ صغيرة، في تجربة تبدو بعيدة تمامًا عن نمط حياتها في المدينة. هناك، تصطدم بشخص يعمل في المجال نفسه، لكنه يتبنّى رؤيةً مختلفة جذريًّا عن العمل والحياة. تبدأ العلاقة بينهما بمزيج من التوتر والمنافسة والأحكام المسبقة، قبل أن تتلاشى هذه التصورات تدريجيًّا مع تطور العلاقة، كاشفةً عن تعقيدات شخصياتهما ونقاط ضعفهما، وكذلك المساحات المشتركة التي تجمعهما.

أرى أن أبرز ما يميّز هذا العمل توظيفُه لقصة حب كإطارٍ لاستعراض كواليس صناعة النشر؛ بما يعانيه من ضغوط المواعيد النهائية، وصراعات السوق، وتحديات التحرير، وطبيعة العلاقة المعقّدة بين الكاتب ومحرّره. كما تخصّص الرواية مساحةً رحبة للعلاقات العائلية، لا سيما علاقة «نورا» بأختها، التي تكشف أبعادًا أكثر إنسانية في شخصيتها.

يعتمد النص على حوارات سريعة وذكية، تكثر فيها الإحالات إلى الأدب الكلاسيكي والمعاصر، ما يخلق متعةً إضافية لعشاق القراءة. كما يمزج بين الطرافة والعاطفة، في سردٍ سلس يجعل متابعة الأحداث تجربة خفيفة لكنها غير سطحية.

تعمل الرواية على تفكيك الصورة النمطية للمرأة «المهنية القاسية»، لتكشف أن الطموح لا يلغي الحاجة إلى الحب، فمهما بلغت مراتبنا المهنية، تظل الحاجة إلى العلاقات الإنسانية ضرورةً ملحّة. كما تطرح الرواية فكرة جوهرية مفادها أن الابتعاد عن البيئة المعتادة يتيح للإنسان فرصة إعادة تقييم حياته واكتشاف ذاته بعيدًا عن الأدوار التي فرضها على نفسه.

تبدو الرواية رحلةً هادئة نحو التحول الداخلي، وإعادة التفكير في مفاهيم النجاح والحب والحياة، مؤكدةً أن الأحكام المسبقة غالبًا ما تخفي وراءها حقائق أكثر تعقيدًا، وأن فهم الآخر يحتاج إلى وقت، وانفتاح، وشيء من الشجاعة. وللإشارة، فالرواية في طور تحويلها إلى مسلسل تلفزي قريبًا.

  1. فوضى الهويّات

تأليف: حوراء النداوي/ الناشر: الرافدين

منذ الطفولة وأنا مولعة بالـ«ماذا لو؟» لو أن حدثًا ما لم يقع، ما الذي كان سيحل بدلًا عنه؟

من الكتب التي قرأتها مؤخرًا وأُعجبت بأسلوبها وطرحها، كتاب «فوضى الهويات» للكاتبة العراقية حوراء النداوي. ينشغل الكتاب بمحاولة الإجابة عن سؤالٍ بات من أكثر أسئلة العصر إلحاحًا: من نكون حين نتوزع بين أكثر من مكان، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من لغة؟ يطرح النص فكرة «الهوية» بوصفها تعريفًا وبطاقة انتماء، لكنه يزيح عن هذا التعريف جموده، معيدًا النظر فيه باعتبار الهوية تجربةً حية ومرتبكة ومتغيرة باستمرار. أما العنوان الفرعي «بورتريه واحد لوجوه متعددة»، فيلخص الفكرة الأساسية للكتاب؛ إذ إن الذات كيانٌ يتشظّى بفعل تأثيرات الحرب والهجرة واللغة والمجتمع والذاكرة، وليست بالضرورة صورة واحدة نهائية كما قد يظن البعض.

تركّز الكاتبة على ازدواجية المكان والثقافة بين العراق والدنمارك، حيث يتخذ النص شكل رحلةٍ دائمة بين عالمين متباينين؛ شرقٍ مثقل بتاريخ مضطرب وتحولات قاسية، وغربٍ يبدو أكثر استقرارًا لكنه لا يقدّم إحساسًا مكتملًا بالانتماء. وفي هذا الإطار، تتحوّل المسافة بين بغداد وكوبنهاقن إلى بُعدٍ نفسي وثقافيٍّ متجذر في وعي الشخصيات، فيجعلها معلّقة بين جذورٍ لا تنفصل عنها تمامًا، وحياة جديدة لا تمنحها اعترافًا كاملًا. وهكذا يغدو النص تأملًا عميقًا في معنى الانتماء المزدوج، حيث يعيش الفرد بين فضاءين دون أن يشعر بانتمائه الكامل إلى أيٍّ منهما.

تبني النداوي كتابها عبر اثني عشر بورتريهًا أو سردية لأشخاص يعبرون بين العراق والدنمارك، يتوزعون بين شخصيات عراقية وأخرى دنماركية من أصول عراقية. هذا التعدد في الأصوات يجعل الكتاب يتجاوز السيرة الفردية الضيقة. فمع أن خلفية الكاتبة وتجربتها تبدوان حاضرتين في النص، فإنها تفسح المجال أيضًا لأصوات أخرى كي تفكّك قلقها الخاص، وتعرض صيغًا مختلفة من الاغتراب والاندماج والرفض والبحث عن الذات. وبهذا، يتحول الكتاب من حكاية شخصية إلى فسيفساء إنسانية جماعية تكشف أن أزمة هوية، هي في الأساس خبرة مشتركة لدى من عاشوا العنف التاريخي والتحولات الثقافية الكبرى.

وما أحببته للغاية لدى النداوي أنها تتحدث عن مأساة الانتماء وتعدد الهويات، من باب محاولة الخروج من المأزق وليس من باب ضعف أو تهويل، وهي في هذا لا تلوم أحدًا بقدر ما توضح أننا جميعًا قابلين لهذه الازدواجية حتى لو عشنا في نفس البلد والثقافة، فالكتاب يدفع القارئ إلى التساؤل حول موضعه وأهميته في سياقه الجغرافي والثقافي. ومتى أدركنا حقيقة هذا الوضع، نستطيع التعايش مع الآخر وتقبل اختلافه.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+40 متابع في آخر 7 أيام