كيف نردم هُوَّة التعليم عن بعد؟

أما اليوم، استأنفت العديد من الأنظمة التعليمية الرائدة التعليم الحضوري بشكل جزئي أو كلي، مثل اليابان والدنمارك وألمانيا وكوريا الجنوبية وبلجيكا وغيرها...

بحلول شهر مارس 2020، أغلقت مدارس العالم أبوابها. وانتقل ما يقارب المليار ونصف المليار طفل حول العالم إلى التعليم المنزلي بسبب فيروس كورونا. ومنذ ذلك الوقت، لم تزل مراكز البحث تقدّر أضرار الجائحة الصحية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية.

أما اليوم، استأنفت العديد من الأنظمة التعليمية الرائدة التعليم الحضوري بشكل جزئي أو كلي، مثل اليابان والدنمارك وألمانيا وكوريا الجنوبية وبلجيكا وغيرها. بل ركزت دول كثيرة على عودة صفوف الابتدائية والروضة، حتى وإن لم تعد صفوف المتوسطة والثانوية. وتشير إحصائيّات منظمة اليونسكو أن قرابة 70% من دول العالم أعادت فتح مدارسها.

ومحليًا، صرح وزير التعليم بقرار تمديد الدراسة عن بعد إلى نهاية الفصل الأول لجميع الفئات العمرية. وبهذا، سيكون انتهاء الفصل الأول آخر عهد الطالب السعودي بالمدرسة منذ تسعة أشهر.

ما مدى أهمية التعليم الحضوري؟ 

يهدف التعليم إلى صناعة الإنسان والمواطن الصالح. ويتطلب هذا تعليمًا حضوريًا يضخ المهارات والقيم والسلوكيات في المرء، وخصوصًا لطلبة الابتدائية ورياض الأطفال. ولأن نزيف الفاقد التعليمي يزداد كلما صغر عمر الطفل، فالأطفال دون سن العاشرة هم الأكثر تضرّرًا من الأزمة كما هو واضح في المنحنى التالي: 

ففي هذه السنوات المبكرة يتعلم الطفل القراءة. وفي السنوات التالية يقرأ الطفل ليتعلم. فهذه المرحلة مفتاح لأي تنمية بشرية مرجوة، ولا يمكن للتعليم عن بعدٍ تعويضها بفعاليّة. بل تثبت الدراسة تلو الأخرى أهمية المراحل التعليمية المبكرة.

حيث يرتفع آداء الأطفال الملتحقين بالروضة بنسبة 10% لغويًا ورقميًا وعلميًا في المراحل المتقدمة، مقارنةً بزملائهم الذين لم يلتحقوا. ويحقق هؤلاء دخلًا أفضل وحالة صحية جيدة تنخفض فيها حتى نسبة الجرائم المرتكبة مقارنة بـأقرانهم.

ولذلك، لا يستغرب استهداف رفع نسبة الالتحاق برياض الأطفال في برنامج التحول الوطني على رأس مؤشرات إصلاح التعليم. بل أوضح تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن لكل ريال يصرف على تجويد مرحلة الطفولة المبكرة مردودٌ أكبر مقارنة بالمراحل المتقدمة.

آثار التعليم عن بعد

اقتصاديًا، تقدّر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أثرًا سلبيًا كبيرًا على اقتصاد السعودية إذا ما توقفت الدراسة لثلثي سنة تعليمية. وتقدر القيمة المفقودة من الناتج المحلي الإجمالي بـ5.4 تريليون دولار. أما على المستوى الفردي، يتحدث المحللون عن انخفاض قد يصل إلى 10% من دخل الفرد مدى حياته المهنية

وعلى المدى القصير، تشير منظمة «دي كيو» (DQ institute) المعنية بمهارات الأطفال الرقمية إلى أن دخول عدد كبير من الأطفال إلى عالم الإنترنت يعرضهم إلى قائمة طويلة من التحديات والمخاطر. حيث يتعرض 60% من أطفال العالم ما بين عمر الثامنة والثانية عشر لمخاطر سيبرانية. ويواجه 45% منهم التنمر الإلكتروني، ويتعرض 40% لمخاطر الإشعاعات.

وبُغية مجابهة ظاهرة ولوج الأطفال عالم الإنترنت، وبالتعاون مع منظمة المنتدى الاقتصادي العالمي، أطلقت جامعة «نانيانق» للتكنولوجيا (Nanyang Technological University) إطار الذكاء الرقمي. والجدير بالذكر أن الأطفال السعوديين يقعون بالمرتبة الخامسة والعشرين من أصل ثلاثين من حيث استعدادهم للعالم السيبراني.

ما الذي يجب علينا فعله؟

تابع الجميع إطلاق منصة مدرستي لتفعيل الدراسة عن بعد، وعقدت وزارة التعليم دوراتٍ للمعلمين لرفع فاعليتهم في استخدام التقنية في التعليم. كما قادت أيضًا حملاتٍ توعوية للأطراف المعنية بالعملية التعليمية.

ولكن لا تستطيع مثل هذه المنصات نقل العديد من تجارب التعليم الحضوري المعنية بالتربية الاجتماعية والنفسية والجسدية. إضافةً إلى ذلك، لاقت هذه المنصة تحديات عديدة. فانتشرت في مواقع التواصل شكاوى الأهالي الذين واجهوا صعوبات كبيرة في التسجيل. 

بينما لاقى الأطفال من الأسر ذوي الدخل المحدود تحديات من نوع آخر كفقدانهم مساحة هادئة للدراسة، أو أجهزة الحواسيب أو اشتراك الإنترنت. فانتقلوا إلى التعليم التلفزيّ عبر قناة عين. أما المعلمون، فراود عدد من المهتمّين تساؤلات حول قدراتهم في استخدام التقنية للتعليم.

في ظل هذه الهُوة التي أصابت التعليم وتحديدًا المراحل الأولية، كيف يمكن للمنظومة التعليمية من وزارة ومدرسة ومعلمين وآباء وأمهات أخذ خطوات فعالة إضافية لتخفيف الأضرار الناجمة عن التعليم عن بعد؟

إعادة المقود إلى أولياء الأمور

يفوز أولياء الأمور الذين ينظرون إلى التعليم المبكر على أنه مرحلة لبناء المهارات بالإضافة إلى المعلومات، بدءًا من المهارات العقلية التحليلية والمهارات الاجتماعية والعاطفية والنفسية والحركية، وانتهاءً بالمهارات الرقمية. 

ولأنّها أزمة طارئة، أغلب أولياء الأمور غير مهيّئين للتعامل معها. فالحكمة أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون. جرّب أن تنقر على محرك البحث كلماتٍ مفتاحية كالتعليم المنزلي أو مونتيسوري، وأن تطلع على بعض الخطوات والنماذج في مقاطع الفيديو لاستلهام تجارب فعالة للتعليم المنزلي. كما يمكنك الاعتماد على ما قامت به عدد من المنظمات الدولية بنشر كتيبات لتمكين الأسر من تخفيف أثر الفاقد التعليمي ككتيب منظمة الأمم المتحدة للطفولة.

فعلى سبيل المثال، بإمكان الأهالي تنفيذ مجموعة أنشطةٍ لكل مهارة، كالسلام على الجيران بعد الصلاة أو زيارة الأقارب، أنشطة بوسعها تعزيز المهارات الاجتماعية، وممارسة الخياطة أو الرسم أو فك القطع وتركيبها لتنمية المهارات الإبداعية والعملية.

كما يمكن للأنشطة الخارجية كالتنزه في حديقة الحي مثلًا تغذية المهارات الحركية. ويمكن إشراك الأطفال في دورات وألعاب مسلية إلكترونية بناءة كلعبة «دي كيو وورلد» (DQworld) من منظمة منتدى الاقتصاد الدولي التي تكسبهم مهارات الأمان الرقمي التي يحتاجون إليها، أو لعبة شركة قوقل «إنترلاند» (Interland) المعنية بتعليم الأطفال أساسيات الأمن السيبراني.

إضافةً إلى ذلك، أوضحت نتائج اختبارات «بيزا» (PISA) لقياس جودة التعليم في العام 2015 أن مجرد جدولة وجبة واحدة يوميًّا بمعيّة طفلك وسؤاله عن يومه الدراسي كفيلٌ برفع مستوى الرضا عن حياتهم بمعدل 22% إلى 39%، مما يؤثر مباشرة في تحصيلهم التعليمي. كما أوضحت دراسة للطفولة المبكرة والرفاهية على الأطفال في أميركا وإستونيا وإنجلترا أن قراءة أحد الوالدين لكتابٍ واحدٍ يوميًا لأطفالهم من شأنه رفع تحصيلهم العلمي.

تمكين أولياء الأمور

وقبل كل هذا، ينبغي على الأم والأب معرفة ما يعنيه أن تكون أمًّا وأبًا! فعلى سبيل المثال، نشرت وزارة التعليم في تقريرها السنوي لعام 2019 أن 52% من طلبة الصف الرابع ابتدائي و59% من طلبة الصف الثاني متوسط يغيبون على الأقل مرة في الأسبوع!

مما يعني أن على أولياء الأمور الانتباه لدورهم في تربية ودعم وتعليم أبنائهم وتحديد المسموح والممنوع أثناء التعلم عن بعد. فدورهم اليوم اختلف، وصار من الواجب على أفراد المنظومة مشرّعًا ومدرسةً ومعلّمًا تقديم اللازم لتثقيف وتمكين أولياء الأمور قبل أي شيء.

وتدرك المنظومات المتقدمة أهمية إشراكهم في العملية التعليمية، إذ نظمت إستونيا مثلًا ورش عمل إلكترونية مفتوحة لأولياء الأمور في هذا الصدد. كما أعطت مقاطعة أونتاريو في كندا مبلغًا ماليًا للأهالي لصرفه على وسائل تعليمية بمعايير محددة. بينما قامت اليابان بتكليف الأهالي بواجبات منزلية لتنفيذها مع أطفالهم لتكامل تحقيق الهدف التعليمي بين البيت والمدرسة. أما إيرلندا، فدربت المعلمين في مهارة تمكين أولياء الأمور.

تحديد الأولويات

يدرك المتأمل في واقع التعليم عن بعد صعوبة تعويض التعليم الحضوري كليًا. ولذلك، فإن التضحية ببعض المخرجات التعليمية صارت أمرًا حتميًا. فينبغي على أصحاب المصلحة في المنظومة التعليمية طرح السؤال: ما الأولويات التعليمية التي يجب استبقاؤها في هذه السنة الاستثنائية؟ 

بالإجابة على هذا السؤال سنتجاوز -بسبق الإصرار والترصّد- بعض المخرجات التعليمية في المنهج لحماية الأكثر أهمية كمخرجات معنية باللغة والحساب. ليس هذا مستغربًا، فقد أوضحت دراسة أجرتها اليونسكو واليونيسيف والبنك الدولي أن 62% من الدول ستعمل على تعديل مناهجها.

كما سنعيد النظر أيضًا في المهارات التي سنوليها اهتمامًا مركزًا، كمهارة إدارة الوقت والتعلم الذاتي. ونعيد تقديم مهارات اعتاد النظام التعليمي على تقديمها حضوريًا، كالمهارات الاجتماعية، من خلال مزيد من الأنشطة الجماعية مثلًا. بل ربما سنراجع ساعات التعليم لتكون أقل بدل مطالبة الأطفال بالبقاء أمام الشاشة لساعات أطول.

المرونة التشغيلية

قررت العديد من الدول إعادة فتح المدارس، ولكن بمفهوم مرن. فمثلًا، تختلف مسافة التباعد في مدارس اليابان حسب درجة وباء المقاطعة. وبقيت صفوف المدارس في الدنمارك حضورية إلى الصف الثالث فقط، نظرًا لأهمية التعليم المبكر. أما في دبي، فقد ترك الحضور اختياريًا. وفي دول أخرى، نص المشرعون على الحضور الإلزامي لبضعة أيام، بدل أيام الأسبوع كلها. ونرى في كل هذه الأمثلة فعالية المرونة التشغيلية. 

كما يمكن النظر إلى المرونة مع أولياء الأمور العاملين بدوام كامل سواء عن طريق إتاحة ساعات عمل مرنة للأبوين أو تقديم ساعات مختلفة للدراسة تتناسب مع ضرورات بعض الأسر.

أخيرًا، هذه فرصة لتخفيف قيود المقررات وترك مساحة لبعض المدارس والمعلمين للإبداع، ومن ثم مشاركة التجارب الناجحة وأدواتها الفعالة مع المجتمع التعليمي. وقد فُعّل سلفًا نشاط التجربة ومشاركة أفضل الممارسات على صعيد مدرسي ومؤسسي وحكومي في بعض الولايات في أميركا. وسمح للمدارس التي لا تملك المصادر اللازمة بالاستفادة من هذه التجارب الناجحة.

العدالة الاجتماعية في التعليم

إضافةً إلى الحلول المقدمة لكل الطلبة، يبقى من المهم توفير حزمة خاصة من المبادرات للفئات الأكثر تضررًّا، وعلى رأسهم الأطفال من الأسر ذات الدخل المحدود وسكان المناطق النائية والطلاب الذين يعانون من صعوبات التعلم وذوي الاحتياجات الخاصة.

يوضّح استطلاع «بيزا» أن 82% من الطلبة السعوديين يستطيعون الوصول لجهاز حاسوب للدراسة. أما لو حصرنا الدراسة على الطلبة من ذوي الدخل المحدود، فإن نصفهم فقط قادر على الوصول لجهاز الحاسوب. 

كذلك، ينبغي للمنظم وقادة المدارس النظر في طرق مبتكرة لتقديم المحتوى التعليمي، عبر قنوات جديدة كالقنوات التلفزية؛ مثلما استفادت وزارة التعليم من قناة عين، أو استحداث خطوط هاتفية للأسئلة المباشرة والدروس كما فعلت ولاية نيو ساوث ويلز في أستراليا.

وتصل نسبة الطلاب الذين لا يملكون مكانًا هادئًا في المنزل للدراسة 10%. وتكمن هنا أهمية فتح أبواب المساحات العامة المشتركة كالمكتبات أو المباني التعليمية، لتتمكن هذه الفئات من الدراسة في مساحة مهيأة لها. 

أما على المستوى المدرسي، فنصف المدارس ذات الأغلبية من ذوي الدخل المحدود، لا تملك الخبرات اللازمة لتقديم المساندة التقنية للمدرّسين. وهنا يأتي دور المشرّع في تخصيص خدمات دعم لهذه الفئة من المدارس دون غيرها.

اقتناص الفرص لتطوير التعليم

في قلب الأزمات، تهبُّ من حينٍ إلى آخر نسماتٌ عليلة، مستصحبةً معها فرص تقدّمٍ تستحق الاقتناص. واليوم في ظل أزمة كورونا، نقف أمام فرصة ذهبية لإعادة مسؤولية التعليم إلى الوالدين، وفرصة تاريخية لإعطاء المعلمين وقادة المدارس صلاحيات أكثر، ليركزوا على الإبداع وصناعة المعلومة وقيادة المدرسة قيادةً تربوية بدلًا من قيادة إدارية فقط. 

إضافةً إلى ذلك، نحن أمام فرصة لاختبار وتفعيل شراكة مجتمعية بقطاعاتها الثلاث، للعمل على دعم المسيرة التعليمية. تمامًا مثلما حصل من تكاثف عدة جهات في السعودية لتوفير أجهزة حاسوبية للأطفال من الأسر الأقل حظًا. كما قدم وباء كورونا فرصة للباحثين لجمع بيانات حول التعليم عن بعد، لنستفيد منها في إدخال التعليم الإلكتروني بفعالية أكبر ووفق ضوابط محسوبة في الأعوام المقبلة. 

على صعيد الطلبة، يمكن لهذه الأوضاع أن تُستغلّ كفرصة لتطوير مهارات جديدة كالتعلم الذاتي وإدارة الوقت. أما إعلاميًا، فلم يسبق للتعليم أن أخذ هذا الزخم والاهتمام على وسائل الإعلام؛ وهذه فرصة لرفع الوعي بأهمية هذا الملف الوطني.

فاليوم على سبيل المثال، وبالتعاون مع بعض مشاهير كرة القدم، قامت منظمة البي بي سي بإعادة إنتاج المنهج في صياغة أقصر وأكثر تركيزًا. لنستخلص أخيرًا أن اليوم الذي سيحظى فيه التعليم باهتمام عامة المجتمع، وتٌغطّى فيه نتائج التعليم في السعودية كما تُغطى المسابقات الرياضية، هو اليوم الذي سيصير التعليم فيه بأفضل حال.

المجتمعالمدرسةدراسة عن بعدكوروناالمستقبل
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية