رأفت الهجان علَّمنا الانتصار في الحرب النفسيَّة

في أمس الحاجة إلى مسلسلات توثق مواقف الانتصار في هذه الحرب التي قد تغيب عنا في ظل المشاعر بالضعف التي يود الكيان الصهيوني تطويعنا عليها.

منذ عرفت الدنيا وفلسطين محتلة. و«طوفان الأقصى» ما هو إلا حدث من سلسلة أحداث نكون فيها كعرب الطرف الأضعف والأقل حظًا، لدرجة أننا نفرح ونهلّل عندما نشاهد مقابلة تلفزيونية لإعلامي ساخر مثل باسم يوسف يتمكن فيها من الثبات نصف ساعة أمام مذيع متمرس مثل بيرس مورقان، ذلك لأننا نبحث عن أي انتصار يعيد لنا الأمل والشعور بشيء من النصر ولو كان مؤقتًا.

هذا الإحساس بالانتصار المؤقت ليس عارضًا عشوائيًّا بل متعمَّدًا، لأننا كعرب نتعرض لحرب نفسية شرسة يهدف معها الكيان المحتل إلى توجيهنا للتكيف والتعايش مع وضع الهزيمة، وإلى الاعتقاد أنه ليس هنالك أمل في كل ما نحاول القيام به لنصرة القضية. ووفقًا لصحيفة هآرتس الإسرائيلية فإن المحتوى الذي يبثه الكيان المحتل على مواقع التواصل الاجتماعي يجري إعداده على يد علماء نفس وخبراء تسويق، إضافة إلى فريق استخباراتي خاص. 

وليس أعجب من أن نرى اليوم عددًا من الناشطين العرب المسلمين يدعمون الكيان الصهيوني ويوجدون مبررات تاريخية لوجوده على أرض فلسطين.

أعادني هذا الإحساس إلى مشاهدتي في طفولتي مسلسل الجاسوسية المصري الشهير «رأفت الهجان» الذي حكى قصة شاب مصري شهم، غامر بحياته ودخل إلى عمق الكيان الإسرائيلي وعاش فيه سنوات طويلة تمكَّن خلالها من تزويد المخابرات المصرية بمعلومات عسكرية دقيقة ساهمت في انتصار مصر في حرب السادس من أكتوبر عام 1973.

حقَّق المسلسل نجاحًا باهرًا وقت عرضه في نهاية الثمانينيات، وما زال هذا النجاح حاضرًا لديّ ولدى المشاهد العربي. فحلقات المسلسل تحقق مشاهدات مليونية على يوتيوب وأزعم أن أرقام المشاهدات تزداد كلما تفاقم الصراع العربي مع الكيان المحتل.

فمشاهد المسلسل تجسيدٌ لانتصارات حقيقة على الكيان المحتل، وهذه الانتصارات لم يعشها أبناء جيلي في وقتها لكنهم يعيشونها نفسيًا كل مرة يشاهدون فيها عملًا ملحميًا يظهر علو كعبنا نحن العرب على الكيان المحتل. حتى المقدمة الموسيقية للمسلسل التي لا تُنسى وأبدع الملحن عمّار الشريعي في تأليفها، يجسِّد رتمها الإيقاعي مشاعر العنفوان والعزّة والانتصار. 

نجاح المسلسل جعل صحيفة هآرتس الإسرائيلية تنشر تقريرًا مطولًا تزعم فيه أن الجاسوس المصري الشهير ما كان إلا عميلًا مزدوجًا. وفي رأيي فإن الكيان لم يرقه أن تتجذر في عقولنا ذكرى الانتصار عليه وتدمير خطوط دفاعته «المحصَّنة»، بل والسخرية منه ومن عملائه الذين لم يكتشفوا جاسوسًا عاش معهم قرابة ثلاثة عشر عامًا.

مشهدان في مسلسل «رأفت الهجّان» محفوران في ذاكرة كل من شاهد المسلسل: المشهد الأول حين أدرك الهجَّان هزيمة الجيوش العربيَّة واحتلال سيناء والضفة الغربية والجولان عام 1967 ليعيش الهزيمة في أقسى صورها لاضطراره الادعاء بفرحته بهذه الأخبار، ونعيش نحن معه لحظة الانكسار هذه. والمشهد الثاني حين بلغه خبر عبور الجيش المصري خط برليف في حرب أكتوبر 1973 وفرحته بهذا الانتصار خلف قناع الادعاء بصدمته وحزنه، ونعيش نحن معه فرحة النصر بعد الهزيمة. 

مسلسل «رأفت الهجان» في ثلاثة مواسم امتدت على ثلاث سنوات، تمكَّن من صناعة قصة بطوليَّة نعود إليها أنا وجيلي في الذاكرة. والجيل الحالي في أمس الحاجة إلى مسلسلات دراميَّة توثق مواقف الانتصار والبطولة في هذه الحرب الطويلة التي قد تغيب عنّا في ظل المشاعر العامة بالضعف والهزيمة التي يود الكيان الصهيوني تطويعنا عليها؛ فنحن جميعًا نعيش حربًا نفسيَّة ضده ولا بد لنا أن ننتصر فيها.

التلفزيونالمجتمعفلسطينالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.