«منو ياينا هالحزة؟!»

المشكلة في وسائل التواصل أن الذين لا يعترفون بالحدود التي تفصل بين المقبول وغير المقبول هم أكثرية سكان هذا العالم الافتراضي. 

من أكثر الأشياء التي تضايقني في عالم وسائل التواصل تلك الحالة التي يمكن تسميتها «متلازمة صناعة القبب»، واسم المتلازمة التي اكتشفتها بنفسي مشتق من المثل المعروف «يصنع من الحبة قبة» كناية عن التهويل وصناعة قضايا من لا شيء. صحيح أن وسائل التواصل دون فكرة التهويل والمبالغة ستكون أشبه بمسودات البريد الإلكتروني التي لا يقرأها أحد، لكن الأمر بدأ يصبح مزعجًا أكثر مما ينبغي. وقد كان مزعجًا حين كان الناس يبالغون بالمجان ويهولون الأمور ويعطون مع المواقف والأشياء والأشخاص والآراء أحجامًا أكبر من حجمها الحقيقي دون أن يعود ذلك عليهم بأي منافع مادية. وبعد أن أصبح هذا الضجيج بمقابل مادي توزعه منصات التواصل على الأشخاص الأكثر جعجعة بغض النظر عن وجود الطحين من عدمه فإن «متلازمة صناعة القبب» أصبحت مهنة تدر الأموال. وأصبح الإزعاج عرضًا جانبيًا من أعراض المشكلة وليس المشكلة نفسها. 

والطحين بالطحين يُذكر، فإن القضية الأكثر تدوالًا وطحنًا هذه الأيام هي التي تدور رحاها بين السعوديين والكويتيين في «منصة إكس» عن حرية التعبير والتنمية، وأيهما أصلح وأنفع لحياة الإنسان. والطريف أن كل جانب يعترف ضمنًا دون أن يصرح بذلك أحد -إلا فيما ندر- أن لديه شيئًا واحدًا منهما فقط. ثم يحاول أن يثبت أن ما لديه أهم من الشيء الآخر الذي لا يمتلكه. والحقيقة أن الذي يجب أن يحلم به الطرفان هو أن يكون لديهما الأمران في الوقت نفسه، فليس هناك ما يمنع جمعهما فليسا كالأختين لا يجوز الجمع بينهما. وليس الجمع بينهما مباحًا فقط ولكنه يكاد يكون واجبًا. وكما أحلم أن أشاهد الكويت أكثر تقدمًا تطورًا ونماء وازدهارًا في كل مجالات الحياة كما يحدث في السعودية فإني على الأقل بصفتي كاتبًا مهنته الكلام أحلم دائمًا بهامش حرية تعبير أكبر. الجميل أن الآخرين بدأوا من حيث انتهت الكويت في التطوير والريادة في كثير من المجالات، لكن المحبط الذي يدفع بعض محبي الكويت إلى الحديث عن أوضاعها هو أنها توقفت حين بدأ الآخرون.

وقبل أن يُقال لي: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فلا بد من توضيح أن التنظير في الحريات والتنمية وأيهما أفضل وهل الخبز أهم من الحرية أم أن الحرية هي خبز الحياة ليس ما أود الحديث عنه هنا حتى لا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، ولكني ذكرت الحادثة استطرادًا؛ لأني كنت ممن شارك في هذه الحفلة وأردت أن أبين ما كنت أود قوله وما وصل إليه الأمر. 

علقت على الأمر من باب المناكفات مع الإخوة في الكويت من باب المحبة وليس من باب الاستعلاء على أحد من العالمين. وأنا مؤمن إيمانًا جازمًا أن مثل هذه المناكفات بين مواطني الخليج عمومًا وبين السعوديين والكويتيين على وجه الخصوص ليست جادة بالشكل الذي يجعل كثيرًا من «النخب» تندفع في الحديث عنها بشكل جدي ويصنعون من حبوبها الصغيرة قببًا عالية. هي أقرب ما تكون إلى المناكفات التي تحدث بين شعراء المحاورة حين يتحدث كل شاعر عن قبيلته أو منطقته ويلمز سخرية بقبيلة الشاعر الآخر. وهي تشبه أيضًا ما يحدث من مناكفات حول الأفضلية بين سكان جدة والرياض أو الظهران والجوف أو أبها أو تبوك أو حتى سبت العلاية وزيورخ. أحاديث لا ترتقي إلى أن يتحدث عنها البعض وكأنه يقرع طبول الحرب، ولا أظن أن الطرفين يقبلان ببسوس تدخل بينهما حين يتجادلان أو حتى يتجالدان في «منصة إكس» عن الحريات والتنمية أو حتى الطحين والمطاعم. لكن المشكلة أن الأحاديث في وسائل التواصل ليست كما تبدو عليه في الواقع. وأذكر في السياق ذاته أني قلت سابقًا في مكان آخر إنه يجب أن يوضع تحذير يقرأه كل من يدخل إلى تطبيق من تلك التطبيقات يكتب فيه :«انتبه، القضايا التي تقرأ عنها هنا تبدو أكبر بكثير مما هي عليه في الواقع».

والفخ الذي يجب ألا يقع فيه العاقل هو ضبابية الحدود الفاصلة بين نقد الظواهر والحالات والأعمال والتصرفات والمواقف والآراء وحتى السخرية منها والتهكم عليها وبين السخرية من الأشخاص والشعوب والثقافات والأعراق. فالأولى مقبولة والثانية وقاحة وسوء أدب. 

لكن المشكلة في وسائل التواصل أن الذين لا يعترفون بالحدود التي تفصل بين المقبول وغير المقبول هم أكثرية سكان هذا العالم الافتراضي. 

وأسوأ ما أنتجته وسائل التواصل هم أولئك الذين لا يجدون طريقة للتعبير عن حب أوطانهم إلا من خلال شتم الآخرين. 

Giphy 113
العودة إلى الواقع / Giphy

المفارقة العجيبة أن الإنسان كان يهرب من مشاكله في السابق إلى الخيال والوهم، أما اليوم فإن أكثر ما يحتاجه الإنسان هو أن يعود إلى الواقع قليلًا ليهرب من الأوهام التي تخلقها مواقع التواصل. أن يتعرف على الحياة الحقيقية، ومن يدري فقد يحبها.

أتمنى لكل شعوب العالم بشكل عام حياة أكثر أمنًا وهدوءًا وسلامًا، وللكويتيين على وجه الخصوص كل الخير والسلام والاستقرار، وأن يطلّق جاسم زوجته إن كان في ذلك مصلحة عامة، وأن يتوب الله عليه ويكف عن «بوق» الشركة!

الإنسانالمجتمعوسائل التواصل الاجتماعيالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!