كيف شوَّه الفلتر نظرتنا إلى وجهنا

الاستخدام المكثف للفلتر يقلل تقديرنا لذواتنا؛ فلا نشعر بأن وجهنا جميل بما فيه الكفاية لأن معيارنا أصبح قائمًا على نسخة «فلترية». 

أحب توثيق اللحظات السعيدة ووجهي المبتسم فيها، حتى إذا عدت إليها عاودَتني الذكرى الطيبة. لكن ذكرياتي بدأت في التشوش عندما أصبحت أعتمد على فلاتر سناب شات وإنستقرام، التي حفظت لي اللحظة لكن بنسخة ممسوخة من وجهي. وعلى رغم استخدامي فلترًا يمنح وجهي إشراقة ولا يغير ملامحي، إلا أنني كنت أحيانًا أشعر أنني مصطنعة في صوري ولا أشبهني.

ليس بيدنا أن ننكر أنَّ الفلتر أصبح حاضرًا في صورنا مع انتشار سناب شات وإنستقرام، وبدأ لإضفاء لمسة فنية على الصور ترتكز أساسًا على تحسين الإضاءة دون معايير جمال هوليوودية. إلا أنَّ الفلتر تحول مع الوقت إلى عملية سريعة لتغيير وجه طبيعي إلى وجه يراعي نسب الجمال القياسية، لا سيما تحت تأثير ظهور المشاهير في «ستوري» تلك التطبيقات يوميًا بمكياج كامل وطلة أنيقة وفلاتر تنقل إلينا رغبة تجربة الفلتر من باب مواكبة «الهبَّة».

لكن «الهبَّة» خرجت عن السيطرة مع إتاحة التطبيقات تصميم الفلاتر بواسطة المستخدمين. وهكذا أصبحنا نتساهل في استخدامها، بل نعتمد عليها كل مرَّة في ظهور الصورة حلوة!

ويبدو أن الذكاء الاصطناعي سيسهم في خلق عصر جديد في علاقتنا بالفلتر. فقد أعلنت (مايبلين) (Maybelline) أنها ستمد مستخدمي «مايكروسوفت تيمز» بإثني عشر فلترًا يحتوي مكياج الشركة كي تسهِّل حياة الناس وتخفف من قلق الظهور على الشاشة بوجه مرهق غير مثالي.

هذه الرغبة في المثالية ليست بالضرورة نابعة منَّا أو دليلًا على زهونا السطحيّ، بل هي احتياجٌ إلى تفادي تعليقات مثل «وجهك باهت» «نحفانة مرة» «ما شاء الله سمنتي» «ليه السواد تحت عيونك» «بشرتك مبقعة» وغيرها من العيوب التي تظهر في الصور، خصوصًا إذا التقطت الصورة دون استعداد مسبق منّا، فنعتمد الفلتر حلًّا سحريًّا وسريعًا.

لكن الإفراط في استخدام الفلتر قد يترك أثره السلبي على منظورنا الذاتي. إذ تشير دراسة إلى وجود رابط بين تصاعد اعتماد الفرد على الفلتر وتصاعد اهتمامه بإجراء عمليات التجميل. وتؤكد عالمة النفس باميلا روتليدج أن الاستخدام المكثف للفلتر قد يؤدي إلى القلق الاجتماعي ويقلل تقديرنا لذواتنا؛ فلا نشعر بأنَّ وجهنا جميل بما فيه الكفاية لأن معيارنا لجمال الوجه أصبح قائمًا على نسخة «فلتريَّة». 

هذا القلق قد يفسِّر «هوس التجميل» لدى البعض وتكرار العمليات رغم جمال الوجه الطبيعي الذي يتمتعون به، لأنَّ الوجه الذي يراه على المرآة بعيدٌ عمَّا يتخيله ويحصل عليه من خلال الفلتر الذي يغيّر شكل عينيه وأنفه وعظام وجنتيه ونقاء بشرته.

وبالطبع أكثر الفئات هشاشةً أمام تأثير الفلتر هن المراهقات. فوجه المراهقة معرَّض لحب الشباب وعدم التناسق في الملامح في هذه المرحلة الجسدية الحرجة، لذا تعتمد اعتمادًا كليًّا على استخدام الفلتر في منصات التواصل الاجتماعي. وتذكر طبيبة الجلدية كاتلين فرانكا حالة لفتاة مراهقة ترفض الخروج من منزلها خشية أن يراها الناس من غير فلتر، وتعتمد في تكوين صداقاتها على الأصدقاء الافتراضيين. 

يهز الفلتر ثقتنا بوجوهنا مهما بلغت عنايتنا بأنفسنا. واهتزاز الثقة طال عددًا من مشهورات التواصل الاجتماعي اللائي يوعِّين بمدى التزييف الذي قد تمر به كثير من الصور في مواقع التواصل الاجتماعي لتخرج بهذا الكمال. وكأنهن يحاولن التخلص أيضًا من ضغط يماثل الذي نشعر به.

لن أنصحك بعدم استخدام الفلتر. فأنا حاولت لفترة الالتزام بهذا الوعد المثالي الذي قطعته على نفسي، ثم التقطت صورة لوجهي من خلال فلتر لأني يومها كنت متعبة، لكني ذكرت لمن يتابعني أنَّ الإشراقة في وجهي زائفة لأني في الحقيقة قضيت يومًا مجهدًا في عملي. وربما هذا هو الحل: أن نعي التأثير الزائف للفلتر ونحن نستفيد منه في ظهورنا بصورة «حلوة».

الجمالرعاية الذاتسناب شاتالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.