أمّنوا قبل أن يؤمّن عليكم!

اللافت لنظر المتأمل الحاذق أن شركات التأمين في تزايد مستمر، وكلها دون استثناء تشتكي سوء الحال وقلة المال، وهذان أمران لا يجمعهما المنطق.

خرج المتحدث باسم المرور خطيبًا في الناس على منبر «إكس»، وسكت برهة ثم قال: أيها الناس، إني مغرّمكم فأمّنوا!

فقال الناس: آمين. فقاطع تأمينهم في حزم وقال: ليس ذلك ما عنيته، ولكن ليخبر حاضركم الغائب أن التأمين على المركبات سيصبح بداية من الشهر المقبل إلزاميًا، يُغرّم تاركه ولا يؤجر فاعله. ثم غادر لا يلوي على شيء. 

وقد اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ أول عقد تأمين، والراجح من أقوالهم أن فكرة التأمين بدأت في القرن الرابع عشر. وكما يلاحظ فإنه سبق اختراع السيارات وكاميرات الرصد الآلي بعدة قرون. وفكرة التأمين في حد ذاتها مجردةً من كل شيء تبدو جميلة لحفظ حقوق المتضررين وحماية المؤمنين (بتشديد الميم الثانية) من الخسائر. صحيح أنه لا وجود للربح في تجربتي مع التأمين، فأنا أدفع مبالغ التأمين على السيارات التي أمتلكها، وهما سيارتان، ولكني أحب استخدام الجمع عند الحديث عنهما من باب التفخيم، ولم أتعرض ولله الحمد لأي حادثة ولم أتسبب في أذية أحد من الخلق الذين يدبون في الشوارع رجالًا وعلى كل آلة تسير على عجل حتى ساعة كتابة هذه التدوينة. ولذلك أعتقد بأني شخصيًا بمثابة تأمين لشركات التأمين وحماية لها من الخسائر أنا وأمثالي من الذين لا يرتكبون الحوادث ولا يسببون وقوعها للآخرين. 

بل إن الحقيقة تقول بوضوح إنه لولا الأشخاص الذين لا يأخذون تعويضات من شركات التأمين لأفلست ولم يكن لوجودها مسوّغ منطقي؛ فالذين لا يمرضون ولا يرتكبون الحوادث ولا تتعرض دكاكينهم ومستودعاتهم للحرائق هم رأس المال الحقيقي، وربما الوحيد، لشركات التأمين، ومع ذلك فإنها تتعامل معهم بجحود كأنها صاحبة الفضل عليهم لا العكس. فلا حول ولا قوة إلا بالله، واللهم إنا نعوذ بك من الخذلان ونكران المعروف وبطر الحقِّ وغمط النَّاس!

ثم إن شركات التأمين الوطنية تبالغ في المبالغ التي تأخذها من المؤْمنين بها المؤمّنين لديها، إلى درجة أنه لو استمرت الأسعار في الاتجاه الحالي الذي لا يعرف إلا الصعود طريقًا واحدًا لا عودة منه فإن المخالفات التي ستأخذها المرور عقابًا على عدم التأمين ستكون قريبًا أكثر منطقية وأقل قيمة من مبالغ التأمين نفسها. إلا أن قررا التعاون معًا ورفع المخالفات، ليس من أجل تغليظ العقوبة، بل حتى لا تقع شركات التأمين في حرج حين تكون أقساطها أعلى من غرامة عدم تسديدها. 

واللافت لنظر المتأمل الحاذق النبيه أن شركات التأمين في تزايد مستمر، وكلها دون استثناء تشتكي سوء الحال وقلة المال، وهذان أمران لا يجمعهما المنطق. فكيف يخسرون ويتزايدون؟! والراجح للمتأمل الحاذق النبيه الذي تمت الإشارة إليه قبل بضع كلمات أن هذه الشركات «تكذب» والله أعلم؛ لأن رفع الأسعار لن يكون سائغًا لو أقرت بأن سوقها رائجة ورابحة. 

Giphy 102
وقّع! / Giphy

هذه الشركات لا تخبرك حين توقّع عقد التأمين معها بأن من حقك الحصول على خصومات إن كنت مستقيمًا على الصراط السوي ولم تكبدها خسائر لتعويضك، بل تتركك «على عماك». إن أنت طالبت فكّروا في منحك ما تستحق من خصم، وإن أنت لم تعلم وسكتّ فإنهم يستحلّون ما هو حق لك دون أن يرفّ لهم جفن. هم لا يفترضون أن جميع الناس على علم بخفايا العقود ويفهمون القوانين جميعها، ولكنهم يعلمون العكس ويستغلون ذلك. 

رفعوا السعر مرّة بحجة زيادة عدد الحوادث، مع أن عددها ارتفع لأن عدد السائقين وملاك السيارات ارتفع بحكم قيادة المرأة، ثم زادوه مرة بحكم أن الاحصاءات تقول إن عدد الحوادث في تلك السنة أكثر من التي سبقتها، مع أن السنة التي سبقتها كانت «سنة الحجر» أيام كورونا التي لم يكن يخرج الناس فيها من منازلهم إلا لمامًا، وكانت الطرقات شبه خالية، وفي كل مرة يخترعون حجة غير منطقية ولكنها مع ذلك تعمل جيدًا وتؤدي الغرض منها. 

ثم إن أكثر ما «يغبن» الملزمين بالتأمين هو ذلك التعاون على الإثم والعدوان بين شركات التأمين والبنوك التي تمارس التأجير المنتهي بالتمليك؛ فالمستأجر هو من يدفع قيمة التأمين كاملة غير منقوصة وبحدها الأعلى، وفي حال وقوع حادثة فإن المؤجِّر هو من يحصل على التعويض، وهذا فعل يتورع إبليس شخصيًا عن الإقدام عليه.

ولعل من المناسب أن أعيد التذكير بأني لست أعادي فكرة التأمين، ولكني أهاجم فكرة أن يكون الجشع أسلوب حياة، وهناك فرق بين الأمرين يتضح لمن كان لديه حد أدنى من القدرات العقلية التي تساعده على الحد الأدنى من التفكير. ولكني أعيد التذكير لأن فئامًا من الخلق تهاجم كل من انتقد أمرًا أو عبّر عن رأيه في شأن عام، وتخرجه من الملة والوطن وتغلق الباب خلفه بـ«الضبة» والمفتاح. وبالطبع فإني لست آمل كثيرًا أنهم سيستوعبون حتى هذا التذكير، ولكني أسوقه على أي حال من باب إبراء الذمة حتى لا أقابلهم يوم الحشر ثم يقولون لي إنك لم تشرح لنا ولم تخبرنا بأننا أغبياء. وقد قيل: إن الغبي لا يعرف أنه غبي؛ لأن اكتشاف هذا الأمر يحتاج إلى قدر من الذكاء.

فليكن تأمينًا، وليعاقب تاركُه، ولكن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، والناس بحاجة إلى الرحمة؛ فلم يعد الراتب يأتي إلا كزائر خفيف قبل أن تتخطفه الأيدي ويعود من حيث أتى، وأما مَن لا راتب له فله شأن آخر، ونسأل الله أن يلطف به. 

السعوديةالمجتمعتأمينالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!