لماذا تعلَّقنا بأفلام كريستوفر نولان؟

هذه الحيرة في المشاعر هي ما تجعلنا متعلقين برغبة مشاهدة معظم أفلام كريستوفر نولان أكثر من مرة. ليس لأنها غامضة، بل لأنها تمنحنا «ارتياح الدهشة».

كريستوفر نولان
كريستوفر نولان

في ليلة بديعة عام 2014 خرجت من سينما مجمع «ستي سنتر» في البحرين بعد أن شاهدت فلم «إنترستيلر» (Interstellar) للمخرج كريستوفر نولان.

وأتذكر جيدًا مشاعر الصدمة والإعجاب والحزن والسعادة التي تشكلت في قلبي وعقلي بعد العرض! ولا أنسى لحظات الصمت التي مررت بها أنا وصديقاي إبراهيم وسعود اللذان سافرا معي من المنطقة الشرقية لمشاهدته.

عدت وتذكرت الفلم بعد خمس سنوات، في عام 2019، حين شاهد العالم للمرة الأولى صورة للثقب الأسود، بعد عمل دام قرابة العامين لفريق ضم 200 عالم في مشروع (Event Horizon Telescope project). فالمذهل أن الصورة التي عُرضت كانت قريبة جدًا من صورة الثقب الأسود التي ظهرت في فلم «إنترستيلر»، مما يدل على حجم البحث العلمي الذي أجراه نولان من أجل لقطة في فلمه!

«إنترستيلر» ليس الفلم الوحيد لكريستوفر نولان الذي شاهدته، فأنا شاهدت على مدار السنوات معظم أفلامه. وفي كل مرة، بعد أن أنهي الفلم، ينتابني التعب نتيجة تركيزي الشديد وثبات عينيّ على الشاشة في محاولة ربط الأحداث بعضها ببعض؛ لتتبع مجرى القصة وفهم الأحداث التي، في العادة، لا أستطيع استيعاب تفاصيلها إلا بعد مرور عدة أيام.

فقد جرت العادة بأن لكل قصة بداية ووسطًا ونهاية، وهذا هو الخط الزمني لحياتنا كما نراها. لكن كريستوفر نولان يتلاعب بهذا الترتيب الزمني للقصة، ويجعلك لا تعلم بالتحديد متى بدأت الأحداث وما اللحظة الفارقة التي سوف تغير تفسيرك ونظرتك إلى التفاصيل الصغيرة التي شاهدتها طوال الفلم، والتي لم تتنبَّه عندما شاهدتها أول مرة أنها في الحقيقة جوهر الأحداث الرئيسة.

 فالحبكة المعقدة المبنية على البساطة التي ظهرت في فلم «ذ بريستيج» (The Prestige) جعلتني وغيري من مشاهدي الفلم نضحك من أنفسنا في النهاية. إذ على رغم أنني درست الهندسة ومواد الفيزياء والرياضيات إلا أنني كدت أن أصدق أن بطل الفلم ذو قدرة على التنقل بلمح البصر. وعندما اكتشفت الخدعة في قلب التفاصيل شعرت أنني يجب أن أضحك، لكن لم أستطع؛ لأنني شعرت بالحرج من نفسي.

من الطبيعي، بعد مشاهدة أي فلم مذهل، أن تظل ساعات وأيامًا تتحدث عن نهايته التي إما أن تجعلك سعيدًا أو حزينًا وإما ناقمًا على الفلم الذي تركك مع نهاية مفتوحة. لكن لو حاولت تذكر نهاية فلم «أوبنهايمر» (Oppenheimer) الآن فستجد أنَّ النهاية الفعلية للحبكة الرئيسة لم تأت في آخره بل في منتصفه. 

فجوهر القصة هو وصول فريق العلماء إلى التركيبة التي سوف تصنع القنبلة ثم تجربتها، وهذا حدث في المنتصف. التفاصيل الكثيرة التي أتت بعده تجعلك تبني تفسيرات متعددة حول الحدث، وكأن كريستوفر نولان يضمِّن فلمه مراجعات أخلاقيَّة للفلم مستبقًا المشاهد، فتكتشف مع اللقطة الأخيرة  أنَّ قصة صنع القنبلة لم تكن الحبكة الرئيسة! 

بعد كل تلك الأعوام من مشاهدة أفلام نولان، يبدو لي أن سرَّ تعلقنا بها مرتبطٌ بـ«اللاوعي» لدينا. فأسلوبه في سرد الأحداث يجعل عقولنا تعمل باستمرار ومشاعرنا تتغير مع الأحداث؛ وهذا يعزل تفكيرنا عن الواقع كليَّةً ويربطنا بعوالم كريستوفر نولان المختلفة، فننسى بذلك أنفسنا ونتحرر منها فنشعر براحة لا ندركها. 

هذه الحيرة الجذَّابة في المشاعر هي ما تجعلنا متعلقين برغبة مشاهدة معظم أفلام نولان أكثر من مرة. ليس لأنها غامضة، بل لأنها تمنحنا «ارتياح الدهشة» في عالم لا تتوقف فيه عجلات التوتُّر والضغوطات والمحتوى الرديء عن الدوران!

السينماالمشاعرالرأيكريستوفر نولانكريستوفرنولان
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.