لماذا لا تقرأ المقالة قبل الحكم عليها؟

نحن أجيال تريد أن تنهي كل شيء بسرعة؛ لأننا نرى أن هناك دائمًا شيئًا آخر يسترعي الانتباه. لا نرغب حقًا بتخصيص وقت متكامل لفهم النص بعمق.

لاحظت منذ بدأت التدوين لدى منصة «ثمانية» تكرار سيناريو الحُكم المسبق على مقالة لي أو لزملاء آخرين بناءً على العنوان أو النص الصغير المقتبَس. وعندما أقرأ التعليقات المتروكة على المقالات أجدها غير منصفة للمحتوى المكتوب، فكثير من الأحيان يكون جواب السؤال المطروح مذكورًا في صُلب التدوينة نفسها، ولو أن القارئ أكمل قراءة بضعة أسطر إضافية حتى النهاية لوَجَد الإجابة الشافية عن سؤاله. 

وفي أحيان أخرى يكون التعليق مجرد رد فعل عاطفي سريع على العنوان، وهذه الظاهرة موجودة في معظم تطبيقات التواصل الاجتماعي التي تتيح التعليق.

تفيد إحصائية أجرتها واشنطن بوست بأنَّ 70% من مستخدمي فيسبوك لا يقرؤون سوى عنوان المقال الرئيس الذي يستفزهم قبل أن يقرروا التعليق عليه. بل إن الدراسة جربت إرفاق محتوى مزيف يتكون من كلمات رومانية غير مفهومة مثل (Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit) لاختبار تنبّه القارئ على ذلك.

 وكانت النتيجة أن المستخدمين لم يعلقوا على المقالة «المزيفة» فقط، بل أعادوا مشاركتها بعد قراءة العنوان دون عناء النقر على الرابط. (وللأسف، فإنَّ التنبيه الذي كان موجودًا سابقًا في «إكس» والذي يذكّرك أنَّك لم تقرأ المقالة المرفقة في التغريدة قبل مشاركتها ما عاد موجودًا.) 

الحقيقة أنني لا أضمن بقاء نصف القراء الذين بدؤوا قراءة تدوينتي هذه لإكمال بقية السطور إلى آخرها. لكني أسأل: أهذا هو المتوقع ثقافيًا في عصرنا الحالي؟

في أثناء بحثي عن إجابة شافية عن هذه الظاهرة وجدتُ طرحًا من الكاتبة ماريان وولف في مقالة نُشرت في القارديان تناقش فيها فكرة نشأة أجيال الألفية وزد على الوسائط الرقمية لتلقي المعلومة ومعالجتها كالأجهزة اللوحية (الآيباد) أو الهاتف المحمول. وتلك الوسائل لا تمنح المستخدم فرصة القراءة بمستوى تحليل نقدي كافٍ لفهم تعقيد الفكرة الموجودة في النص أو الحجج المطروحة، التي تكون غالبًا موجودة في النصوص الأدبية والعلمية أو القانونية، مثل لوائح الأنظمة أو العقود.

في المقابل فإن مهارة القراءة السريعة أو المرور على النص لاستنباط «زبدته» أمر يتقنه أجيال الألفية وزد بسهولة؛ لأن أدمغتهم معتادة على تصفية المعلومات الضخمة وتعدد المهمات، حتى إن العديد منهم يستصعبون فكرة قراءة أدب كلاسيكيات القرن التاسع عشر أو العشرين؛ لأن ذلك يتطلب مزيدًا من «الصبر المعرفي» (Cognitive patience) لدى القراءة العميقة لما بين السطور.

حين تفكرت بوجهة نظر وولف وجدتُ في استنتاجها كثيرًا من المنطقية، فنحن أجيال تريد أن تنهي كل شيء بسرعة؛ لأننا نرى أن هناك دائمًا شيئًا آخر يسترعي الانتباه. فالأجيال السابقة كانت تقرأ منشورات الجرائد الورقية ثم تبعث تعليقًا مفصّلًا عبر البريد الورقي وتنتظر رد المنظومة أو المحرر عليها. بينما نحن لا نرغب حقًا بتخصيص وقت متكامل في أثناء قراءة التدوينة أو المقالة لفهم النص بعمق أو تحليل مشاعر الكاتب واستنتاج فكرة خاصة بنا لنعلّق بها على ما كُتب، بل نكتفي بنشر آرائنا كما هي في فضاء «الويب».

يكفي أن تسأل معظم جيلي وجيل زد عن الطريقة المثلى للحصول على المعلومة، وستجد شبه إجماع على تفضيل مشاهدة مقطع فيديو مدته ثلاثون ثانية على قراءة مقالة تستغرق عدة دقائق لإنهائها. وفي هذه اللحظة لا أعلم مدى قدرة الكلمة المكتوبة على الصمود في وجه المعلومة المرئية مع مجيء مزيد من الأجيال القادمة.

الإنسانالقراءةالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.