هل صديقك الذي حظرك إنسانٌ سيئ؟

أن يحظرك صديق افتراضي لا يعني نهاية المطاف؛ بل علامة على ضرورة تقوية مناعتك النفسية وتوطيد علاقات صداقاتك الواقعية.

كنت أتصفح «إكس» لدى قراءتي منشورًا لأحد الأصدقاء يتحدث فيه عن شعوره بالحزن العميق بسبب الحظر المفاجئ الذي تلقاه من «صديق افتراضي» على المنصة. قرأت التعليقات لأجد أن أكثر من متضامن معه أرجع سبب مشاعره إلى انعدام الأمان لاختفاءٍ مفاجئ لصديق. 

أتفهَّم مشاعر الحزن على انتهاء الصداقة الافتراضية بالحظر، وشخصيًا عانيت من أشكال مشابهة لانتهاء الصداقات في الواقع، لكن تساءلت في نفسي: هل الأمر فعلًا بتلك القسوة أم أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلتنا أكثر هشاشة؟

الاختفاء المفاجئ (Ghosting) هو إنهاء الاتصال بشكل مفاجئ مع شخص ما دون تفسير، بعدم الرد على اتصالاته مثلًا وتجاهله، وغالبًا يتعلق هذا المفهوم بالعلاقات الرومانسية. لكن سرعان ما انتقل إلى ميدان الصداقات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال خاصيَّة الحظر (بلوك)، مما يسبب نوعًا من انعدام الأمان والانزعاج العاطفي نتيجة شعور الطرف المتروك بالحيرة وعدم وضع خاتمة حقيقية لعلاقته بالآخر المختفي.

ففي حياتنا المعاصرة، لا يقل الصديق الافتراضي مكانةً عن العلاقات الحقيقية. فنحن يسعدنا التشجيع والدعم الذي نحصل عليه من الأصدقاء الافتراضيين خاصةً إن كان المقربون منّا في الواقع لا يمنحوننا هذا القدر من الانتباه. لهذا يختلط الأمر علينا أحيانًا ونرسم صورة متخيلة عن هذا الصديق الافتراضي الذي نرى منه صورة مثالية على المنصة لكنها منقوصة؛ فنحن نرى جانبًا مشجعًا ولطيفًا خلف شاشات أجهزتنا، وننسى أن الأمر قد يختلف في الواقع. ومن هنا نستهلك طاقتنا الاجتماعية مع هؤلاء الأصدقاء الافتراضيين وننسى الاستثمار في صداقاتنا الواقعية.

لكن هل «الحظر» يجعل الصديق الافتراضي المختفي قاسيًا وسيئًا؟

الحظر يؤلم، لكنه يبقى حقًّا لكل مستخدم بخاصة مع تصاعد مشاعر عدم الارتياح، أو إن كانت العلاقة سامة بدرجة لا تسمح للراغب في الانسحاب من خلال المواجهة والعتاب؛ لعلمه بأن الطرف الآخر سيمارس عليه أساليب التشكيك والابتزاز العاطفي، أو لربما خشيةً من جرح عواطف الطرف الآخر. المنسحب ليس دومًا سيئًا أو قاسيًا، ولا هو ضعيف الشخصية ويخشى المواجهة؛ بل ربما له أسباب جوهرية دفعته إلى ذلك. 

لكن يبدو أن إيلون مسك يختلف مع حق الحظر وربما يرى فيه شيئًا من الهشاشة. فعلى رغم تاريخه الطويل مع حظر حسابات المستخدمين والمواقع الإخبارية والإعلاميين، أعلن عبر منشورٍ في «إكس» أنه سيلغي خاصية حظر الحسابات وأنها ستكون مُفعَّلة فقط في الرسائل النصية؛ لأن الحظر «لا معنى له» على حد تعبيره.

لكن تصريحات مسك قد لا تتحول إلى حقيقة؛ إذ إنه بهذا سيُخالف قوانين «آب ستور» و«قوقل بلاي» التي تنص على منح حق الحظر للمستخدمين حفاظًا على أمانهم وخصوصيتهم. فإلغاء الحظر معناه مزيد من التنمر العلني والمراقبة والتتبع من غير المرغوب فيهم. وتلك سلوكيات قد تضايق أشدَّ الناس مناعة نفسية.

إلغاء الحظر لن يجعلنا أقوى نفسيًا، بل ينزع منا حق وضع حدودنا التي نراها صحية، واختيار من نُبقيهم في عالمنا الافتراضي الذي نحاول قدر الاستطاعة أن نجعله مسالمًا وآمنًا.
فأن يحظرك صديق افتراضي لا يعني نهاية المطاف؛ بل علامة على ضرورة تقوية مناعتك النفسية وتوطيد علاقات صداقاتك الواقعية. فالصديق الحقيقي أجمل ما قد تحظى به، والصداقة علاقة لا بد أن تأتي محملة برضا واحترام الصديقين، لا بشفقة أحدهما على هشاشة الآخر.

الإنسانالصداقةالعلاقات الإنسانيةالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.