كن ممتنًّا لذكريات فيسبوك

أجده الضامن الوحيد لئلا نقع في فخ الاعتقاد بأنَّ آراءنا القديمة سطحية. الكثير من تلك الآراء تعبير لحظي عن موضوع ما، إنها نحن خلال وقت معين.

يرسل إليَّ فيسبوك إشعارًا يوميًا ينبهني بأن صندوق الذكريات الفيسبوكية لهذا اليوم جاهز للتصفح، مرتبة من الأحدث إلى الأقدم لما «حدث في مثل هذا اليوم». 

أتصفح ذكرياتي اليومية حذرًا، ويدهشني الاختلاف الذي كنت عليه قبل سنوات من الآن، وتزداد دهشتي إذا قررت التقدم نحو الماضي سنة تلو أخرى: كيف تبدلت آرائي واختلف ذوقي، وأين ذهب كل هؤلاء الأصدقاء؟ هل أنا الشخص ذاته الذي كنت منذ سنين؟

 قطعًا لا، أنا لست حتى الشخص الذي كنت عليه أمس.

يقول هارت تول في كتابه الشهير «قوة الآن : الدليل إلى التنوير الروحي»: «الزمن ليس ثمينًا على الإطلاق، إنه مجرد سراب. الآن (اللحظة الحاضرة) هو الثمين فعلًا. وكلما ركزت على الزمن، ماضيًا أو مستقبلًا، افتقدت اللحظة الحاضرة التي هي أثمن شيء في الوجود».

يوضِّح تول خلال الكتاب إن ما يعتقد المرء أنه ماض هو مجرد عملية تتبع للذاكرة المخزونة في العقل، وعندما تتتبَّع فأنت تفعل ذلك الآن. كذلك المستقبل، ما هو إلا تخيلك وتصورك الآن. الماضي والمستقبل كالقمر الذي لا نور له، ولكنه فقط يعكس نور الشمس التي هي الآن أو اللحظة الحاضرة.

يتضح لنا إذن عدم جدوى تقييم الماضي في لحظة آنية، وهو ما يحدث تحديدًا عندما نرى منشوراتنا عبر ذكريات فيسبوك التي تتركنا أحيانًا في عجب شديد. بل يصل الأمر إلى أننا نضحك من  أنفسنا وفرط السذاجة التي كنا فيها. نفعل ذلك بمقياس الحاضر وهو ينظر إلى الماضي مثل أب ينظر إلى طفله وهو يتلعثم فيضحك منه.

ربما لم يتخيل السيد تول لدى كتابته الكتاب في 1997 أنَّ البشرية لن تكتفي بتخزين الذكريات داخل العقول، بل سيتطور الأمر إلى تخزين تلك الذكريات داخل فضاء الإنترنت. نلتقط الصور وننشر المنشورات ونغرد بأفكارنا، وما إن نضغط زر النشر تصبح ماضيًا. وبعد عام يطل علينا هذا الماضي دون استئذان؛ ونراه غريبًا.

هذا لا يعني أنَّ ماضينا حصينٌ من النسيان، فذاكرة الإنترنت مثل الذاكرة البشرية، أثبتت هشاشة تعرُّضها للتآكل. إكس «تويتر سابقًا» قرّر إلغاء الحسابات غير الفعالة  لفترة طويلة، ما يعني أننا سنفقد بعض الذكريات الحلوة التي لا مجال لاسترجاعها إلا عبر الإنترنت، مثل حسابات بعض الأصدقاء الذين رحلوا عنا.

كذلك، بدأت العديد من المواقع تحذف محتواها القديم بشكل منتظم. موقع الأخبار التقنية (CNET) قرّر حذف المحتوى القديم من المقالات حتى يعطي الانطباع لمحرك البحث قوقل أنَّ محتواه «حديث» ويتقدَّم في نتائج البحث. والحال نفسه مع كثير من الأفراد الذين قرروا إما حذف محتواهم القديم لأي سبب من الأسباب، أو حذف مدوناتهم ومواقعهم بالكامل. 

حاول أن تجرب الأمر بنفسك، افتح قائمة «بوك مارك» وحاول فتح روابط المقالات والفيديوهات الأقدم، وستجد أن معظمها أصبح غير صالح للعمل. هذا يعني أننا مع الوقت لن نجد إلا نسخة حديثة من الإنترنت الذي قرر العمل بكلام تول، ولن يهتم سوى بالحاضر فقط.

أعود إلى صندوق ذكريات فيسبوك، وأجده الضامن الوحيد لئلا نقع في فخ الاعتقاد بأنَّ آراءنا القديمة ساذجة وسطحية، فهي ليست كذلك أبدًا. الكثير من تلك الآراء تعبير لحظي عن موضوع ما، إنها نحن خلال وقت معين، حالتنا المزاجية وأفكارنا وقراءاتنا وتفاعلنا تجاه ما حولنا. 

لذا سأظلُّ ممتنًا لهذا الصندوق، إلى أن يأتي اليوم ويقرر زوكربيرق عدم جدواه.

الإنسانالتقنيةفيسبوكالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.