ماذا يقول بوربوينت في عيد ميلاده

كل تقنية جديدة وسيلة لا غاية. فلا أرى أن الرفض التام هو الحل، بل ينبغي لنا التعامل معها كأداة تساعدنا على تحقيق أهدافنا.

في نشرة أها! من ثمانية

يصادف الثاني والعشرون من مايو كل عام ذكرى ولادة برنامج العرض الشهير «بوربوينت» عام 1990 في نسخة ويندوز. لكن، ومثل كثير من التقنيات، فالولادة الحقيقية له كبرنامج كانت في أبريل 1987 في شركة «فورثوت» (Forethought)، قبل أن تستحوذ مايكروسوفت في يوليو من العام نفسه على الشركة بأكملها كرمى لهذا البرنامج العجيب، وتعمل على تطويره لاستخدام العامَّة ضمن نظامها.

أما ولادة البرنامج كفكرة فكانت في 1984 على يد روبرت قاسكين الذي وظفته «فورثوت» لتحويل فكرته إلى برنامج. فما شعورك الآن وأنت ترى إلى أي حد بوربوينت برنامجٌ عتيق!

ولأننا نعرف بوربوينت من خلال ويندوز، سنحسب أنه بلغ من العمر ثلاثًا وثلاثين، فما الذي يجعلني أتحدث عن برنامج قد أصبح مسنًّا مقارنةً بكل البدائل التقنية لدينا؟ السبب هو استذكار النقد المتواصل لأي تقنية جديدة تُطرح. 

فبرنامج بوربوينت استجلب انتقادات مشابهة بالتي توجَّه اليوم إلى «تشات جي بي تي». ففي مؤتمر عسكري، صرَّح وزير الدفاع الأمريكي السابق الجنرال ماتيس حين كان قائد القوات الأمريكية في أفغانستان بأنَّ «بوربوينت» عدوٌّ للجيش الأمريكي، محذرًّا من مخاطر الاتكال عليه، واتهمه بأنه يجعل الناس أغبياء! 

إذ تكمن خطورة الاعتماد عليه في اختصار مقدِّم العرض الكثير من المعلومات المهمة واختزالها في نقاط على شرائح العرض، مما يعرَّض الجيش للخطر. هذه التهمة حملها بوربوينت أيضًا في تقرير لناسا كأحد العناصر المسؤولة عن انفجار المركبة الفضائية «كولومبيا» في عام 2003 وقتل ركّابها السبعة. 

إلى جانب تهمة الاختزال القاتلة، تلقَّى بوربوينت تهمة مساهمته في إخمال العقل الإبداعي عند الإنسان. فعوضًا عن محاولتك صقل لغتك والتفكير في أنسب طريقة لنقل فكرتك، تلجأ إلى أداة جاهزة للتعبير عنها بطريقة لم تخطر على بالك في ثوانٍ معدودة. والنقد الآخر أن بوربوينت يُستخدم للتغطية على الأفكار السيئة ويشتت الانتباه، ويضيع الوقت من دون جدوى تُذكر خلال الاجتماع.

من هذا المنطلق منع جيف بيزوس في عام 2004 استخدام عروض بوربوينت في اجتماعات المدراء التنفيذيين، وقرَّر الاعتماد على كتابة تقارير من أربع إلى ست صفحات يقرؤها المجتمعون بصمت في بداية الاجتماع قبل مناقشتها. هذا التغيُّر حسَّن من عملية اتخاذ القرار في أمازون. 

أتفق إلى حدٍّ ما مع الانتقادات الموجهة ضد بوربوينت، لكن ما أجده غريبًا أنَّ التهمة لم توجَّه إلى الإنسان الذي أساء استخدام التقنية! وهنا أذكر ما قاله لي زميلي بالجامعة في أحد مشاريعنا التي عملنا عليها سويًا: «ما ينفع تعطِّر الزبالة وتقول ريحتها حلوة». فالأفكار السيئة تبقى سيئة مهما غطيت عليها ببهرجة التقنية وجماليات العرض والتصميم.

وأختلف مع هذه الانتقادات في رفضها للتقدم التقني خشية تأثيره علينا. فقد مرت ثلاثة وثلاثون عامًا منذ طرح برنامج بوربوينت، وما زلنا أذكياء ونتطور باستمرار في كل مجال مع استخدام هذه الأدوات. 

العِبرة بالنسبة لي هي أنَّ كل تقنية جديدة وسيلة لا غاية. فلا أرى أن الرفض التام هو الحل، بل ينبغي لنا التعامل معها كأداة تساعدنا على تحقيق أهدافنا. فنبدأ من الفكرة السليمة أولًا، ونستعين بهذه الأدوات لتطويرها وتقنينها وعرضها بأفضل شكلٍ ممكن. 

كأن تكتب كود برنامجك بنفسك وتضعه في «تشات جي بي تي» لتسأله في أي الأسطر يوجد بها خلل فتتعلم أين ارتكبت الخطأ الفلاني. أو أن تنطلق من أصالة فكرتك وإنجازاتك والقيم الحقيقية لمشروعك، ومن ثَم تستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي في تشذيبها وتحسينها. 

فمهما ساعدتك التقنية على إظهار عملك بصورة جميلة، فالصورة لن تنفع مع غياب جوهر إتقانك لعملك. ففي النهاية، وكما يقول لنا بوربوينت في عيد ميلاده الثالث والثلاثين: الزَّبَدُ التقنيّ يذهبُ جُفاءً ولا يبقى سوى عملك.

التقنيةالمستقبلمايكروسوفتالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.