لماذا تستفز مقاطع رقص الأعراس الجماهير؟

آخر ما تحتاج إليه حفلات الزفاف استثارة الجماهير العريضة، وأشد ما تحتاج إليه أن تظل الفرحة محدودة بمن حضر ورقص.

يتحمس كثير من الشباب في موسم الصيف لحضور الأفراح وحفلات الزفاف ونشر مقاطع رقص المدعوين والمباركة للعروسين علنًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لكنَّ ظاهرة جديدة رافقت موسم الأعراس هذا الصيف: تحميل مقاطع رقص الفتيات المدعوات أو العروس نفسها، وإعادة نشرها مع كيل من التعليقات المسيئة.

تطال التعليقات هوية الفتاة وأسلوب تربيتها وديانتها وتنتقد أخلاقياتها وتحلل نواياها من وراء هذه الرقصة. وتتكاثر الردود ليشترك الجمهور في تعنيفها ومعاقبتها على تلك اللحظات الخاصة، فيصبح الفيديو العفوي «ترندًا» يصل إلى التشهير. وتصبح الرقصة قضية رأي عام، كما حدث قبل فترة قريبة لإحدى الفتيات اللاتي انتشرت رقصة لهن في أحد الأعراس بمصر. 

كل مقطع يمر بالمراحل نفسها: يحمّله أحدهم على المنصات فيحدث انقسام واضح في الآراء بين معارض يجد أن الفتاة خرقت الأعراف والتقاليد المحافظة، ومؤيد يقف في صفها ويساند حريتها الشخصية في التعبير عن فرحتها بالرقص. وهكذا تتضخَّم موجة السباب الإلكتروني بين الفريقين ويلقى الفيديو رواجًا منقطع النظير. 

قد يبدو نقد رقص الفتيات في الأعراس ظاهرة تنمر إلكتروني جديدة، لكن للموضوع جذورًا أعمق في ثقافتنا التي ترى الرقص في ذاته عيبًا. ففي كتاب «عصر الفضيحة، حقيقة الرقص المسكوت عنها في مصر» تقول نورا أمين:

«إن تاريخ الرقص الشرقي (البلدي) في مصر هو تاريخ تحرير الراقصة من العار التقليدي المستمر للجسد الراقص، ولقد واجهت الراقصات البلديات المصريات صراعاتهن الخاصة طوال القرن العشرين،وحتى اليوم، من أجل إعادة تعريف الجنس الأنثوي المستقل ونزع الإنسانية عن جسد الراقصة.»

فإن كنَّ ممتهنات حرفة الرقص يواجهن جدارًا من الرفض المجتمعي، ففرص الفتيات الهاويات في ألا يتعرضن للتنمر في إثر رقصهن علنًا قليلة جدًا. 

والملاحظ أيضًا في مقاطع الفيديو هذه أنَّ تعليقات التنمر والاستنكار لا تقتصر على المعلقين من دول الخليج العربية، حيث لا تتضمن حفلات الزفاف الاختلاط بين الجنسين، ولا يُسمح فيها عادةً بدخول الجوال إلى قاعات النساء، ومن ثم يكون مفهومًا إلى حدٍّ ما موقفهم السلبي منها لاختلاف الثقافة. بل تنطلق موجة التعليقات المسيئة القاسية من الدول التي تميَّزت حفلات زفافها دومًا بالاختلاط ورقص المدعويين، مثل مصر. فما سبب ذلك؟

اعتقادي أن الأمر عائد إلى أمرين، أولهما: الفضول الفطري تجاه الآخرين. فالمراقبة والنميمة متأصلان في تفاعلاتنا الاجتماعية كبشر، وتطبيقات التواصل الاجتماعي تغذي في المتابع حب التطفل على الحياة الخاصة؛ وهذا يمنحه القوة. فالمتابع يتلصص على اللحظات الخاصة للآخر دون أن يعطيه شيئًا من خصوصيته في المقابل.

ثانيًا: المقارنة الاجتماعية بالآخر شكلٌ من تقدير الذات، حيث يستمد الإنسان إحساسه بتضخم «الأنا» عبر المقارنة المستمرة بالآخر. لذا يميل الناس إلى إجراء مقارنات مع من هم في اعتقادهم أسوأ حالًا أو أقل مهارة أو أخلاقيَّة منهم؛ ليرتفع تقديرهم لذاتهم وشعورهم بالتفوق عليهم عبر انتقاد تصرفهم و«الاستشراف» عليهم علنًا.

وإذا عدنا إلى أساس هذه الظاهرة فهي لا علاقة لها بالمعلقين، بل تكمن في تحميل مقاطع يُفتَرض أنَّها خاصة إلى الفضاء العام ليطَّلع عليها الجماهير. بعض تلك المقاطع جرى تحميلها على يد أحد الضيوف من باب «الكيدية»، كما حدث مع الفتاة ذات الفستان الأزرق، وبعضها من باب مشاركة الفرحة في وسائل التواصل الاجتماعي. ومهما يكن السبب فإن آخر ما تحتاج إليه حفلات الزفاف استثارة الجماهير العريضة، وأشد ما تحتاج إليه أن تظل الفرحة محدودة بمن حضر ورقص.

الأغانيالمجتمعتك توكالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.