عذرًا، التحوُّل الرقمي لا يسمح!

ظهرت موجة تعرف بـ«التحول الرقمي»، وهي محاولة رقمنة كل الإجراءات والمعاملات اليدوية، هنا بدأت تحديات جديدة وبدأنا نسمع جملة «النظام لا يسمح».

تقدمت بطلب للحصول على مخالصة مالية لأنني أرغب بإغلاق حسابي لدى أحد المصارف. بعدها بيومين اتصلت بالهاتف المصرفي للمتابعة فجرى إبلاغي أنَّ المخالصة جاهزة، ولكن يجب أن أذهب إلى فرع محدد لتسلُّم الورقة! طلبت من الموظف إرسال المخالصة بالبريد الإلكتروني أو على واتساب لأتجنب الذهاب إلى الفرع والبحث عن موقف في «عز القايلة» والحر الشديد! ببساطة الموظف قال لي: «ممنوع، النظام لا يسمح»!

عندما كنت موظفًا في شركة أرامكو كانت تذهلني دقة الإجراءات المتعلقة بكل شيء تقريبًا، فلو احتجت إلى قلم فهناك طريقة واضحة ومحددة في النظام تستطيع من خلالها طلب القلم، وقس على ذلك. فأرامكو معروفة بدقة إجراءاتها، فهناك إجراءات للمناقصات وللمشاريع وللسلامة وللإجازات وللعلاج ولكل شيء.

لا شك أن وجود نظام مبني على إجراءات واضحة أمر ضروري، وهذه الإجراءات تُبنى عادة على ما يعرف بـ«خريطة الإجراءات» (Process Mapping) التي تحدد خطوات أي عمل ومن المسؤول عن اتخاذ القرار أو المراجعة وغيرها من التفاصيل. ووجود هذه التفاصيل بوضوح عال يحد من الفساد في الشركات الكبيرة ويجعل عملية متابعة المهمات والمشاريع أمرًا أسهل.

تمر عملية تصميم خريطة الإجراءات وبنائها بمراحل عديدة، تبدأ بفهم الوضع الحالي لطريقة تنفيذ مهمة معينة، ومع الوقت تُجمع كل المهمات ويُربط بعضها ببعض. لكن هذه العملية تأخذ وقتًا طويلًا عادة، لذلك نجد أن الشركات الكبرى فقط هي التي لديها خرائط إجراءات واضحة، أما الشركات الناشئة فتعمل عادة دون أي إجراءات، وهذا لا شك يكسبها مرونة عالية أحيانًا في اتخاذ القرارات، لكن علينا أن ندرك أن كلفة الخطأ لديها محدودة جدًا.

خلال السنوات الماضية ظهرت موجة تعرف بـ«التحول الرقمي»، وهي محاولة رقمنة كل الإجراءات والمعاملات اليدوية، هنا بدأت تحديات جديدة وبدأنا نسمع جملة «النظام لا يسمح». فبعض الشركات حولت خطوات الإجراءات التقليدية إلى خطوات رقمية بشكل مباشر دون أن تفكر في مراجعة إجراءاتها ومعرفة ما الخطوات التي لم تعد ضرورية التي يمكن الاستغناء عنها أو استبدال غيرها بها، ومن ثم اختصار الوقت والجهد.

بعد أن رفض المصرف إرسال المخالصة إليّ رفعت شكوى عبر تطبيق وزارة المالية السعودية، وخلال أقل من عشر دقائق جاء رد المصرف بأنَّ «النظام لا يسمح»، ولكن المضحك أنهم أرفقوا المخالصة المالية التي أحتاجها في ردهم على الشكوى!

التقنيةالمجتمعالنظام البنكيالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.