«إكس» يحولنا إلى سُرَّاق الدراجة

إيلون مسك قد ينجح أخيرًا في تحويل مجتمع تويتر من ساحة تبادل للأفكار والآراء إلى مجتمع من «سرّاق الانتباه» تحقِّق له مبتغاه.

مضى عامان وأنا أدفع الاشتراك الشهري في منصة الأفلام «موبي» (mubi)، ولم تتعدَّ مشاهداتي فيها أصابع يديّ. كلُّها أفلام كلاسيكية مثل أفلام عباس كياروستمي و«ثلاثية الألوان» لكريستوف كيشلوفسكي. أما الأفلام الجديدة فأجد صعوبة بالغة في مشاهدتها، إذ تكفي أغلفة بعضها التي توحي بـ«الإباحيَّة الفنيَّة» (إباحيَّة مزعجة تفوق الموجودة في نتفلكس) لكي أتجنبها.

لكني عدت مؤخرًا إلى المنصة لكي أشحذ ثقافتي السينمائية، وبعد مشاهدتي فلمين فرنسيين «الرصيف البحري» (La Jetée) و«الليل والضباب» (Nuit et brouillard) سهرت الجمعة الماضية على الفلم الإيطالي الكلاسيكي من عام 1948 «سارق الدراجة» (The Bicycle Thief).

يحكي الفلم قصة أنطونيو ريتشي، رب أسرة إيطاليّ من الطبقة الوسطى عاطل عن العمل في روما المنهكة اقتصاديًّا بعد الحرب العالمية الثانية. ذات يوم يبتسم له الحظ من بين حشد العاطلين ويحظى بوظيفة مُلصِق إعلانات أفلام، لكن حتى يُقبَل لا بد أن يمتلك دراجة. ترهن زوجته ملاءات الأسرّة والألحفة حتى يفكّا الرهن عن دراجته، لكن الحظ الذي ابتسم له ينقلب نحسًا بعد أن يسرق أحدهم الدراجة. 

تنطلق رحلة أنطونيو وابنه برونو ذي الثماني سنوات للبحث عن الدراجة وسارقها، رحلة ذكرتني إلى حد كبير بفلم مشابه لويل سميث «السعي نحو السعادة» (The Pursuit of Happyness)؛ وهذا ما جعلني أتوقع النهاية الرائعة نفسها المفعمة بالدروس والأمل، لكن هذه هي النهاية التي حصلت عليها. فكل محاولات أنطونيو العثور على الدراجة باءت بالفشل: الحكومة عاجزة، الكنيسة عاجزة، العرّافة عاجزة، حتى السارق نفسه عاجز. لم يتبقَّ لديه خيار لتأمين معيشة أسرته سوى سرقة دراجة، حتى هذه المحاولة تنتهي بإخفاق مخزٍ. 

في غمرة خيبتي من نهاية الفلم، على رغم روعته، تنبَّهت إلى العنوان بعد عودة الشاشة إلى صفحة النبذة. فالفلم عربيًّا يُعرَف بـ«سارق الدراجة» مترجمًا عن (The Bicycle Thief). أما العنوان المعروض على «موبي» فكان (Bicycle Thieves) وهي الترجمة المخلصة للعنوان الإيطالي (Ladri di Biciclelle). 

التحريف في العنوان الإنقليزي الذي اخترنا الترجمة منه تحريفٌ أمريكي يعود إلى أولى المقالات النقدية عنه في 1949، ويتماشى مع العقيدة الأمريكية التي ترى في الفقر مسؤولية فردية. (عد بذاكرتك إلى كل الأفلام الأمريكية الشبيهة بـ«السعي نحو السعادة» حيث ينجح الفقير كل مرة في الخروج من هاوية الفقر بالاجتهاد والمثابرة والحيلة دون معونة من المجتمع.)

لا أنكر أني انحزتُ للوهلة الأولى إلى الترجمة الأمريكية، فهي منطقية أكثر وتخدعك: في البدء تظن أنَّ السارق الأول هو المعنيّ كونه المحرِّك الأساسي وراء هذه الرحلة، ثم يتبيَّن لك أن الفلم رحلة البطل وهو يتحوَّل إلى سارق الدراجة. لكن عدت وانحزت للأصلي؛ فالجمع «سُرَّاق» يسلبك مشاهدة الفلم على أنه رحلة فقير منحوس، ويجبرك على مشاهدته بصفته حالة اجتماعيَّة. هذا الانحياز يتأكَّد مع مشهد عثور أنطونيو قبيل نهاية الفلم على السارق، ليجده في بؤسٍ أتعس مما يعيش فيه. 

في عالم أنطونيو، الكل في الطبقة الوسطى والفقيرة بات مجبرًا على «سرقة الدراجة» من الآخر. وفي فوضى التكالب المتبادل، من ذا الذي سينتبه إلى حقيقة وضعه وكيف وصل إليه، وإلى ما يجري حقًّا لدى الطبقة العليا؟ 

جافاني النوم بعد هذا التفكُّر ووجدت نفسي في منصة «إكس»، تغريدة منها تبشّرني بمشاركة دخل الإعلانات التي تُعرَض في خطي الزمني، بشروط طبعًا. وأهم تلك الشروط أن تحظى تغريداتي في الشهور الثلاثة الماضية على 15 مليون مشاهدة (impressions). وما أوَّل خاطرٍ يطرأ على بالي دون تفكير؟ كيف أحقق هذا الرقم. 

وأنا أنوس بين اليقظة والمنام تصوَّرت تكالب بعضنا على بعض في تفريخ التغريدات وزيادة الإعلانات، وكيف أن إيلون مسك قد ينجح أخيرًا في تحويل مجتمع تويتر من ساحة تبادل للأفكار والآراء إلى مجتمع من «سرّاق الانتباه» تحقِّق له مبتغاه. 

التقنيةتويتروسائل التواصل الاجتماعيالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.