ومتى نُضْرِب نحن المشاهدون ضد نتفلكس؟

اللغة الوحيدة التي تفهمها هذه المنصات لغة «عدد المشتركين»، وإضرابنا بعدم المشاهدة وتجديد الاشتراك يوجعهم.

تحمَّستُ لمشاهدة «بلاك ميرور» (Black Mirror) ما إن نزل على منصة نتفلكس في الخامس عشر من يونيو. فهذا العمل لا ينفك يفاجئنا بقدراته على توقُّع طبيعة الصراع في كل مرَّة تندمج تقنية جديدة في حياة الإنسان. لكن المفاجأة هذه المرة أنَّ نتفلكس، من خلال الحلقة الأولى، كانت ترينا بخبث مستقبلها وواقع هوليوود الذي كان سيقع في شهر. 

ففي أحداث الحلقة الأولى تطرد سلمى حايك موظفة تعمل في فريقها من العمل ببلادة مشاعر لا تُغتفر، وفي مساء اليوم نفسه تخون صديقها الحميم مع عشيق سابق، وبعدها بأيام ترتكب فعلًا فاحشًا في الكنيسة. هذه الأحداث تمثِّلها سلمى حايك ضمن حلقات مسلسل يُنتَج يوميًّا يُدعى «جوان البغيضة» (Joan is Awful) على منصة «ستريم بيري» (Streamberry) -منصة تحاكي نتفلكس. لكن المفارقة هي أن تلك ليست سلمى حايك.

ما يظهر في المسلسل صورتها الرقمية التي باعت حقوقها على منصة «ستريم بيري»، لتوظفها المنصة على الشاشة بتقنية الذكاء الاصطناعي في مسلسل درامي يُكتَب ويُنتَج ويُبث من دون علم سلمى حايك أو موافقتها على العرض، واكتشفت أنَّ العقد يسمح للمنصة بفعل كل ما تشاء بصورتها الرقمية. 

رغم معقولية هذا السيناريو لكن بدا لي بعيد الاحتمال بعض الشيء، وأنه نتيجة لحالة التخوُّف العالمي من الذكاء الاصطناعي مع ظهور «جي بي تي». لكن في الرابع عشر من يوليو انطلق إضراب نقابة ممثلي الشاشة، والتحق بإضراب نقابة كتّاب هوليوود، ضد شركات الإنتاج ومنصات العرض الرقمية بسبب «الأداء المستنسخ» الذي تتيحه تقنية الذكاء الاصطناعي. 

تقول النقابة على لسان أحد ممثليها: «طلب أحد كبار منتجي الأستوديوهات في هوليوود استنساخ وجوه ممثلي الكومبارس الذين يظهرون في خلفية إحدى اللقطات مقابل أجر عمل يوم واحد، ومن ثم التمكن من امتلاك حقوق صورهم الرقمية واستخدامها في أي مشروع يريدونه إلى الأبد دون موافقة الكومبارس أو تعويضهم مستقبلًا.»

فالممثل مهدد في الوقت الحالي؛ لأن صورته الرقمية بلا حقوق مملوكة لجهة معينة، ومِن ثم هي معرضة للاستباحة من منتجي الأستديوهات. 

جذر المشكلة ليس الذكاء الاصطناعي، بل نجاح نموذج العمل الذي صدَّرته نتفلكس ووضع محطات التلفاز التقليدية على جهاز الإنعاش، وألهم العديد من المنصات الجديدة أن تقدم النموذج نفسه (مثل هولو وماكس و«ديزني بلس» و«أبل تي في» وأمازون برايم). وتلك المنصات جميعها تتنافس على إنتاج أعداد ضخمة من الأفلام والبرامج التلفزيونية الأصلية لتحظى بشعبية بين النقاد والمشاهدين وتدفعهم إلى الاشتراك فيها. 

في الوقت نفسه أضر هذا النموذج بطاقم العمل من الكتاب والممثلين الرئيسيين والثانويين، الذين يتلقون أجورهم مقابل عملهم خلال فترة التصوير فقط ولا يتلقون أي تعويض مادي آخر بعدها. على حين تتلقى أستديوهات الإنتاج (التي تعطي نتفلكس وغيرها ترخيصًا لعرض أعمالها) مقابلًا ماديًا ضخمًا لقاء نسبة المشاهدات العالية إذا كان المحتوى أصليًا، أو لقاء إعادة العرض على المنصات الرقمية. وقد يتلقى الممثل مردودًا ماديًا زهيدًا عند إعادة العرض يصل إلى ثلاثين دولارًا.

خشيتي ليست من انتقال وضع هوليوود إلى الدراما المحلية، فالإنتاج العربي الأصلي على منصات العرض الرقمية أفقر على مستوى الكتابة أو التمثيل الإبداعي من أن يلحق بموكب الإنتاجات الرقمية الضخمة التي تلقى الاحتجاج بين الأوساط الهوليوودية. وبطريقة أو بأخرى يعتمد الإنتاج العربي في المنصات على «الاستنساخ» بلا استعانة من الذكاء الاصطناعي، سواء من المسلسلات التركية أو الأعمال الهوليودية.

لكن بصفتنا متابعين للإنتاجات الأمريكية فاستمرار الإضراب الهوليوودي قد يوقف إنتاج جميع الأفلام والبرامج التليفزيونية التي نترقبها (باستثناء الأعمال التي لا تغطيها عقود العمل مع النقابات). لن نشاهد «سترينجر ثنقز» (Stranger Things) و«هاوس أوف دراقون» (House of Dragon) في الموعد الذي كنا ننتظره، إذ أعلن المسلسلان تأجيل تصوير موسمهما المقبل. والحال نفسه مع الإصدارات المستقبلية لفلم مارفل «بليد» (Blade) وفلم «ثندر بولتس» (Thunderbolts).

الأمل الذي قد ينقذ الكتّاب والممثلين من هذه المؤامرة «النتفلكسية» يكمن في يدنا نحن المشاهدون. فاللغة الوحيدة التي تفهمها هذه المنصات لغة «عدد المشتركين»، وإضرابنا بعدم المشاهدة وتجديد الاشتراك يوجعهم. لكن إذا شاهدتَ حلقة «بلاك ميرور»، فأنت تعرف أنَّها تنبأت بأنَّ ذائقة المشاهدين سرعان ما تنحدر، وليس مستبعدًا أن نقبل بمشاهدة مسلسل قائم على سيناريو مستنسخ ركيك وسلمى حايك زائفة. 

الإنسانالذكاء الاصطناعيالمسلسلاتالرأي
نشرة أها!
نشرة أها!
منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+630 مشترك في آخر 7 أيام