لست وحدي محور الكون

لازمني اعتقاد بأن إحساس المرء بأنه محور الكون صورة عن أنانية مفرطة أو كبرياء غبي. ولم أفهم أن هذا الشعور متأصل في الطبيعة البشرية.

(تتضمن التدوينة حرقًا لنهاية فلم «أوبنهايمر» 🔥)

يمشي لويس ستراوس نحو العالميْن أوبنهايمر وآينشتاين اللذين يتحادثان بعيدًا عنه، وقبل وصوله إليهما يبتعد آينشتاين عن أوبنهايمر متجهّمًا ولا يرد تحيَّة ستراوس. سيعيش ستراوس أعوامًا تحت هاجس حديثهما عنه، وأنَّ أوبنهايمر لا بد قال شيئًا مسيئًا لآينشتاين عنه؛ وهذا ما يفسّر صدَّ الأخير له. سننتظر نحو ثلاث ساعات في قاعة السينما قبل أن يقول أحدهم لستراوس الحاقد على أوبنهايمر ومطلق شرارة الحملة الشعواء ضده: ألم يخطر لك أنَّهما ربما لم يتحدثا عنك؟

أفلتت ضحكة مفاجئة مني؛ لأنَّها الجملة ذاتها التي تقولها لي معالجتي النفسية متى شكوت إليها هواجسي حول مغزى تصرفات الآخرين دون أي دليل. وترياقها الذي تصفه لي ضد وسوسة الهواجس: أن أذكِّر نفسي أني لست محور الكون.

اكتشفت مع تكرار المرات التي أردد فيها هذه «المانترا» وتنوُّع المواقف التي أجدني مضطرة لهذا التذكير، أنَّ هذا الإحساس بأننا «محور الكون» يغذي عدة عواطف فينا ويضخّمها، كالقلق والكبرياء والطموح والحاجة إلى الاهتمام. 

وما لاحظته أيضًا أنَّ نمط الحياة التي نعيشها في الكون الافتراضي يعزّز فينا هذا الإحساس بسلبيّته أكثر بكثير مما يفعل الكون الواقعي. فأنا أعمل عن بعد، وفي المنصة تُوَجَّه معظم رسائل العمل إليّ بحكم حضوري فقط في المشاريع التي أنا عضو في فريق عملها، فأشعر أني محور كون «ثمانية»، وأني كل ما يشغل بال رئيسها وموظفيها. 

في تويتر، وليس إنستقرام، لاحظت ظهور نزعة لديّ مؤخرًا إلى كتابة تغريدة أريد لها أن تنتشر، ولا أعني تغريدات الاقتباس والصباحات الشعرية، بل تغريدات «رأي». والانتشار الذي يسعدني ليس تزايد الإعجاب ولا الردود ولا إعادة التغريد، بل «اقتباس التغريدة». لا شيء مثل «اقتباس التغريدة» يشعرك بأنَّ أيًا يكن ما كتبته، مهما بلغت سخافته، له أهميّة. ولا تستطيع إنكار تلك النشوة لدى رؤية تغريدتك المقتبسة في «فضاء» شخصٍ آخر وقد جعلتك للحظة من الزمن محور كونه الافتراضي، على الأخص إذا أغضبتَه.

طوال تطبيق هذا التمرين لازمني اعتقاد بأنَّ إحساس المرء بأنه محور الكون صورة عن أنانية مفرطة أو كبرياء غبيّ أو عارض من عوارض العزلة. ولم أفهم أنَّ هذا الشعور متأصل في الطبيعة البشرية إلا حين قرأت مقال «في حبِّ نواميس الكون» (Love of the Order of the World) للفيلسوفة الصوفيَّة سيمون فيه. 

تقول سيمون إنَّ كلَّ إنسانٍ منَّا يتصوَّر نفسه محور هذا الكون، محور الفضاء والزمن، وهذا الإحساس الواهم يعزز الرابط بين معنى وجودنا وقيمته. هي ترى أنَّ هذا الإحساس رحمة إلهية، لولاها لما تمكنَّا من أخذ خطوة للأمام ولما تطوَّرت البشرية، ولما سعينا إلى سعادتنا وتحقيق أحلامنا ودافعنا عن قيمنا، ولما اهتممنا بأن نكون أبطالًا ومبدعين، ولما اكترثنا لأن نكون أناسًا صالحين، إيمانًا منّا بأنَّ الكون فعلًا يعتمد علينا.

لكن تتحوَّل هذه الرحمة إلى ابتلاء متى تجاوز الوهم مداه وظنَنّا أنَّنا أهمُّ ما في هذا الكون، فتتضخَّم «الأنا» ولا نعود نكترث لأي إنسان آخر. وترياقها الذي نتفادى به الشر المتأتي من هذا الوهم الأخطر: أن نذكِّر أنفسنا أنَّ لهذا الكون البديع «مليار محور». 

لذا سأجرّب في المرة المقبلة ترياق سيمون، وأردِّد: «لستُ وحدي محور الكون». 

الإنسانالمجتمعالمشاعرالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.