هل سيجبرك السوق على العمل كمندوب توصيل؟

لا تنس في فورة فرحتك، أنك إن كنت موظفًا في مشروع صغير، قد تصبح مجبرًا -سواء كنتَ مواطنًا أو وافدًا- على أن تكون مندوب توصيل! 

أنا مولعة باستلام الكتب التي طلبتها من أمازون في أمريكا، وهذا الولع كان يدفعني إلى اختيار «التوصيل السريع» ودفع رسوم أعلى للشحن لكي أعيش فورة هذه اللحظة، علمًا أنَّ الكتاب قد لا أقرأه إلا بعد عام من وصوله. لكن لاحظت مؤخرًا أنَّ لا داعي لدفع رسوم أعلى للشحن، فخيار التوصيل العادي أصبح سريعًا، وبالكاد تمر عشرة أيام قبل وصول الكتاب إلى بابي من خلال أرامكس أو «دي إتش إل». 

السرعة لا علاقة لها بالتوصيل الدولي ولا بالمحلي في الكويت، بل بالتوصيل المحلي الأمريكي؛ من موقع وجود المنتج -في كنساس مثلًا- إلى صندوق بريدي التابع لأرامكس في نيويورك. 

فمنذ الجائحة، لا تنفك أمازون تحاول تسريع التوصيل بقدر المستطاع ولو باختصارها ساعة من الطريق. فالشركة تدرك أنَّها مهما أتمتت سلسلة المهام الداخلية، واستعانت برجال آليين في التوضيب، فأهم عنصر في الخدمة يكمن في «الميل الأخير» (the last mile)، أي سرعة وصول المنتج إلى العميل. 

آخر تلك المحاولات إطلاقها وسيلة توصيل تحت التجربة -في 23 ولاية- تعتمد الاستعانة بالمتاجر المحلية الصغيرة المملوكة لأفراد مثل المصبغة ومحل بيع الورد والمكتبة والمقهى وغيرها. 

في هذه الآلية، تتعاقد أمازون مع المتجر المحلي بحيث يصبح موظفو المتجر مندوبي توصيل متاحين للشركة العملاقة في المنطقة بسقف خمسين طلبًا في اليوم، وبالطبع خبرة التوصيل غير مطلوبة. في المقابل، يستلم المتجر المحلي من أمازون «مكافأة سنوية» لا تتجاوز 27 ألف دولار، أما الموظف فلا يكسب شيئًا أكثر من راتبه الأساسي الذي يتلقاه من صاحب المتجر. 

أما أمازون، فقد كسبت مندوبي توصيل غير مسجّلين لديها وبدون كلفة دفع رواتبهم أو إدارة شؤونهم والقلق من تأسيسهم نقابات عماليَّة. 

قراءتي خبر هذه التجربة في «ذ أتلانتك» لم يدفع بي إلى دوامة التفكُّر الأخلاقي في مواصلة الطلب من أمازون، لكن دفع بي إلى التفكُّر إن كنا سنرى هذا النموذج محليًّا. إذ ليس سرًّا أنَّ ريادة الأعمال في الشركات الناشئة العربية، التقنية تحديدًا، تعتمد مبدأ الاستنساخ، وفي أفضل الأحوال تتبع المبدأ الذي شاركه فادي غندور مؤسس أرامكس: «انسخ، الصق، ابتكر» (Copy, Paste, Innovate). 

بدايةً، هل ثمة احتياج أصلًا؟ سوق تجارة التجزئة الإلكترونية المحلي لا يزال سوقًا صغيرًا مقارنةً بالسوق الأمريكي الهائل، حتى مع وجود شركات مثل أمازون السعودية و«نون» و«سلة» و«زد». ومثلي أنا، يفضِّل الكثير الطلب إلكترونيًّا من أسواق الخارج في أمريكا والصين وكوريا. وعليه، لم تصل السوق بعد إلى نقطة الضغط اليومي بما يفوق سعة مندوبي التوصيل.

لكن ماذا إن تقلَّصت سعة مندوبي التوصيل؟ ففي السوق السعودي تشجيع عالٍ على انضمام المواطنين -الشباب تحديدًا- إلى قطاع التوصيل، وتنويع المواطن مصادر دخله. ونجح هذا التحفيز في دخول العنصر السعودي بقوة في هذا القطاع، والذي مهَّد بدوره إلى الحديث حول توطين مهنة مندوب التوصيل بالكامل، آخرها مطالبات أعضاء في مجلس الشورى الشهر الماضي بتوطين المهنة. (أنصحك هنا بقراءة سلسلة مقالات محمد سعد آل جابر حول ضرورة توطين سوق العمل السعودي).

في حال جرى تطبيق التوطين كاملًا في القطاع، مع خشية الشركات على هامش ربحيتها من ارتفاع كلفة الرواتب، هنا قد تظهر مشكلة النقص في سعة مندوبي التوصيل، وسيعاني «الميل الأخير» في نموذج عمل تلك الشركات من البطء. حينها، لتلبية الطلب المتزايد ونقص العدد، قد تستنسخ الشركات المحلية حل أمازون، وحين تفتح بابك لاستلام طلبك ستجد عامل المصبغة، وبائع الورد، والباريستا، والحلَّاق العاملين في منطقتك. 

بهذا الحل تفتح الشركات المحلية الباب الخلفي للعمالة الوافدة لتعويض النقص بدون كلفة زائدة، وتعيش أنت فورة استلامك المنتج بعد طلبه بساعة أو ساعتين. لكن لا تنس في فورة فرحتك، أنك إن كنت موظفًا في مشروع صغير، قد تصبح مجبرًا -سواء كنتَ مواطنًا أو مقيمًا- على أن تكون أيضًا مندوب توصيل!

أمازونالتطبيقاتالمجتمعالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.