لماذا أتمنى كأب عودة الجنيَّات إلى أفلام الكرتون

وجود حيز للسحر والخيال في عقلية الطفل تمكّنه من خلق عالمه الخاص الذي يتجاوز كل القواعد والقوانين، مما يعزز فيه القدرة على الإبداع.

قضيت طفولتي متابعًا شغوفًا لأفلام الكرتون، فهي كانت التسلية الوحيدة لنا كأطفال، وأيضًا منبع أحلامنا؛ فقد كان حلمي أن ألعب الكرة الساحرة مثل «الكابتن ماجد» وآكل البيتزا مثل «سلاحف النينجا». استعدت هذا الشغف بعد أن رزقت بطفلتين، ووجدتني أتعلَّق كأب بمشاركة ابنتيّ طقس مشاهدة أفلام الكرتون المفضلة لديهما.

إلا أنني بدأت ألاحظ مؤخرًا تغيرًا في نمط أفلام الكرتون الجديدة، إذ أصبحت أشدَّ تعقيدًا وأبعد عن عالم الخيال. وأكثر فلم ترك لديَّ هذا الانطباع فلم «الحظ» (Luck).

يتناول الفلم قصة فتاة تعبر إلى عالم مواز يُصنع فيه الحظ. قد تتوقع أنَّ عالمًا يصنع الحظ لا بد أن يكون بالضرورة سحريًّا، وتوقعك لن يكون في محله. ففي هذا العالم الموازي لا تطير الجنيات لنثر السحر والحظ الجيد، بل يعملن بشكل روتيني في تلميع قروش الحظ، والأرانب لا تركض في مراعٍ خضراء بل تجلس أمام حواسيب لمراقبة الوضع ومنع المخربين من إثارة القلاقل.

صناعة الحظ ذاتها عملية آلية مؤتمتة تفتقر للخيال تبدأ بطباعة أفكار تعبر عن الحظ السعيد فوق أوراق شجر، ثم تدمج تلك الأوراق لتتحول إلى بلورات توضع داخل آلة عملاقة تطحنها وتحولها إلى تراب جالب للحظ السعيد. يُخلَط هذا التراب بآخر جالب للحظ السيئ، ثم يرسل الخليط بشكل عشوائي إلى عالم الأرض.

كأب، تساءلت عن السبب وراء ابتعاد أفلام الكرتون المعاصرة عن عوالم السحر الخيالية وتصييرها عوالم تقنيَّة. وقررت طرح هذا السؤال بصيغة أخرى على ابنتي الصغرى، فسألتها أيهما تفضل، أفلام الأميرات الكلاسيكية المفعمة بالسحر أم الأفلام الحديثة المزدحمة بالتقنيات؟

صدمتني ابنتي بإجابتها، وأخبرتني ببساطة أنه لا جدوى من السؤال؛ لأن الأميرات ذهبن إلى غير رجعة، وأصبحن اليوم يرتدين الجينز و«التيشرت» رفقة الأميرة الجديدة فانيلوب.

إن لم تكن فانيلوب مألوفة لديك، فهي الصورة الجديدة من أميرات ديزني المعاصرات وظهرت في فلم «رالف يدمر الإنترنت» (Ralph Breaks the Internet). هي فتاة تنتمي إلى عالم ألعاب الفيديو، وتقرر ترك لعبة الفيديو الخاصة بها ودخول عالم الإنترنت لكي تسأل العم قوقل كيف تذهب إلى متجر «إيباي» لتبتاع مقودًا جديدًا للعبتها. وخلال رحلتها رفقة صديقها «رالف المدمر» تقابل أميرات «ديزني» اللاتي يتأثرن بها، وتتركهن في النهاية أشبه بمراهقات في «مول» تجاري! 

لا أنكر أني أخشى على طفلتيّ من الغياب التدريجي للعوالم الخيالية السحرية في أفلام الكرتون التي تشاهدانها، واستنتساخ تلك الأفلام عوالم التقنية التي يلتصق بها الأطفال طوال يومهم من خلال الهواتف والأجهزة اللوحية. فوجود حيز للسحر والخيال في عقلية الطفل تمكّنه من خلق عالمه الخاص الذي يتجاوز كل القواعد والقوانين والاحتمالات، مما يعزز فيه لاحقًا القدرة على الإبداع ورؤية العالم من منظور يتجاوز الواقع اليومي الرتيب، كما تساعده على استكشاف شغفه في الحياة. 

فأنا حين كبرت لم أصبح «كابتن ماجد نجم الملعب»، لكني كبرت لأصبح كاتبًا رياضيًّا مولعًا بكرة القدم ونجومها. وكان شعورًا يفوق الخيال -وكأنما حلم طفولتي تحقق- لدى وصول مقالي عن ميسي في كأس العالم الأخيرة إلى الأرجنتين، وتعبير مجموعة من مشجعيه عن إعجابهم بما كتبت بعد ترجمته.

لكن ماذا عن ابنتيّ؟ هل سيحولهما فلم «الحظ» وأمثاله إلى طفلتين حلمهما أن تهبا حياتهما يومًا ما إلى العمل كموظفتين لدى العم قوقل؟ 

الأطفالالتلفزيونالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.