كيف نتصدَّق إذا اختفى الكاش؟

اكتشفت أنَّ تناقص الكاش في محفظتي إنما انعكاسٌ لتناقص الكاش عالميًّا، والشاهد الأول مطبعة «دى لا رو»، أكبر مطبعة عملات ورقيَّة في العالم.

كل مرة أفتح فيها محفظتي وأتناول عملة ورقية لأدفع بها في متجر، على الأغلب يسألني البائع عن استطاعتي الدفع ببطاقة «كي نت» فأرفض بتهذيب، فينظر إليَّ شزرًا ويسحب الورقة من يدي، يفتح صندوق الصراف ويتناول عدة أوراق مع بضع عملات معدنية، يصفق الصندوق ويمنحني الباقي بابتسامة صفراء. 

للإجابة عن تساؤلك، أنا دومًا أحمل معي بطاقة «الكي نت»، ولديَّ في الآيفون «أبل باي» (وإن كنت لا أجرؤ على استخدامه لأني بدوت حمقاء في محاولتي الأولى). لكن السبب الذي يجعلني أتناول من محفظتي ورقة عشرة دنانير لأدفع بها مقابل غرض لا يتجاوز سعره دينارين هو الحصول على أوراق نقدية من فئتي الدينار ونصف الدينار، واعتمادًا على مزاج البائع قد أطلب منه أن «يفكِّك» ورقة «خمسة دنانير» إلى خمسة دنانير متفرقة. 

أحتاج وجود «الكاش» في محفظتي من أجل عمَّال النظافة في منطقتنا وحمَلة الأغراض في السوق المركزية، وأيضًا كـ«إكرامية» إلى عمَّال تطبيقات التوصيل. فقد حدث أكثر من مرة أنَّ أخبرني سائق توصيل تفضيله استلام البقشيش نقدًا من المستخدم بدلًا من تحديدها في خانة البقشيش ضمن التطبيق. منهم من يقول أنَّ السائق لا يستلمها كاملةً، ومنهم من يقول أنه يستلمها لكن نهاية الشهر. 

لست خبيرة مالية بأي شكل من الأشكال، لكن مع اطلاعي على آخر الأخبار في إعداد نشرة أها! اكتشفت أنَّ تناقص الكاش في محفظتي إنما انعكاسٌ لتناقص الكاش عالميًّا، والشاهد الأول مطبعة «دى لا رو»، أكبر مطبعة عملات ورقيَّة في العالم. إذ أعلنت المطبعة البريطانية المسؤولة عن طباعة ثلث العملات الورقية في العالم عن انخفاض طلب البنوك المركزية على طباعة الكاش إلى أقل معدَّل له منذ عشرين عامًا. 

فمع تزايد اعتماد المستهلكين على الدفع الإلكتروني في المتاجر، والدفع أونلاين في مواقع المتاجر الإلكترونية وتطبيقاتها، وتنامي عدد شركات «الفنتك» (التقنية المالية) ومحافظها الإلكترونية، تناقصت حصة عمليات التبادل النقدي بنسبة 25% منذ عام 2011 إلى ذروة الجائحة والاعتماد على الدفع الإلكتروني في 2021. 

بعض البنوك المركزية، مثل البنوك المركزية الأوربية والمركزي البريطاني والبنوك المركزية في الهند والبرازيل، لا يخفي حماسه للتوجُّه إلى نظام بنكي رقمي بالكامل والاستغناء عن الكاش تمامًا. فالنظام الرقمي يعني مراقبة لصيقة لحركة أموالك، وقراءة تفصيلية لسلوكياتك المالية، ومكافحة لمحاولاتك التهرب الضريبي أو دفع فواتيرك للدولة. 

كما يفتح المجال أيضًا، من خلال المحافظ الإلكترونية، لضمِّ الملايين من الفقراء في دول مثل الهند -العاجزين سابقًا عن تلبية شروط فتح حساب بنكي- إلى النظام الصيرفي من خلال تطبيق ماليّ في الجوَّال. وفي دول مثل الصين قد يعني هذا التحوُّل تقليل الاعتماد على الدولار عالميًّا والتحرر من هيمنته.

تتعدَّد الأسباب والنتيجة واحدة: نحن متجهون بلا شك إلى عالم بلا «كاش». والسويد تمنحنا لمحةً عن هذا العالم، إذ نحو 92% من عمليات الدفع فيها تتم بلا كاش! 

فهل توقَّف السويديون عن الصدقة والتبرُّع بأموالهم؟ 

كلا. فالتبرُّع أيضًا رقمي بلا كاش، سواء أكان إلى تطبيقات الجمعيات الخيرية أم الكنائس أو حتى المشردين، إذ يمكن التحويل إلى المحفظة الإلكترونية في جوال المشرَّد أو من طريق مسح بطاقتك بالقارئ الإلكتروني لديه (أجل بعض المشردين لديهم الجهاز). لكن رغم سيادة التقنية المالية، تظل هناك فئة محتاجة يقصيها النظام الرقمي: اللاجئون، وبخاصة غير القانونيين. 

هذا «الإقصاء» يعني ضرورة امتلاك كل فقير ومحتاج وعابر سبيل مستقبلًا بيانات الهوية والإقامة والشروط اللازمة لفتح تطبيق دفع إلكتروني (سواء أكان تطبيقًا بنكيًا أم تطبيقًا من شركة «فنتك») حتى يتسنى له قبول التبرُّع والصدقة منك. 

وبوسعي الآن تصوُّر شروط اكتمال عملية الصدقة في عالم بلا كاش: جوَّالي وجوّاله مشحونان، خط الإنترنت لدينا فعَّال (البارحة كان الإنترنت بطيئًا جدًّا في الكويت بسبب عطل في «الكيبل» البحري)، لديه محفظة إلكترونية أو «باركود». وأخيرًا، ينبغي عليَّ تحديد سبب تحويلي نصف دينار أو دينار للبنك أو الشركة الماليَّة المطَّلعة على ما تفعله يميني بمالي سرًّا: 

«صدقة»!

الإنسانالتقنيةالمستقبلالرأي
نشرة أها!
نشرة أها!
منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+630 مشترك في آخر 7 أيام