«الصندوق دا طاهر وهيفضل طول عمره طاهر»

توصيات الصندوق تصلح لدول ليس فيها شعوب؛ لأن الناس لا وزن لهم في معادلاته ولا توصياته. وفكرته الأساسية هي أن تصبح الدول قوية اقتصاديًا.

أعترف بالتقصير في إثراء المحتوى المتعلق بالاقتصاد والمال والأسواق، بخاصة أني أملك خبرة لا بأس بها في عدم فهم هذه الأمور. ولذلك وجدت أن من واجبي الحديث عن توصيات صندوق النقد الدولي التي تتمحور حول الإبقاء على قيمة الضريبة المضافة ورفع أسعار الوقود والكهرباء. وما سبقها وما سيليها من توصيات تهدف في المقام الأول إلى القضاء على «فئة المواطنين» من الجنس البشري. ولا أخفيكم أني منذ سنوات أسمع عن صندق النقد الدولي وعن البنك الدولي، وكنت أظنهما شيئًا واحدًا، ثم عرفت في مرحلة لاحقة أنهما ليسا كذلك، ولكني ما زلت لا أفهم الفرق بينهما. ولم يدفعني الفضول طوال تلك السنوات إلى البحث عن ذلك الفرق لأني كنت مقتنعًا قناعة لا أعلم منبعها بأن الفروق إن وُجدت فهي شكلية، مثل الفروق بين «فردتي حذاء» متشابهتين لكن إحداهما تُنتعل في القدم اليمنى والأخرى في اليسرى. 

ثم إني بعد التوصيات الأخيرة قررت أن أتخلى عن جهلي وأعرف فيم يختلفان وماذا يفعل كل منهما، وبحثت في الأمر ووجدت أن المنظمتين متكاملتان، وكل منهما تدعم الأخرى، فالبنك الدولي يهتم بمحاربة الفقر في الدول التي ترتفع فيها معدلات الفقر، أما صندوق النقد الدولي فهو مهتم بصناعة الفقر في الدول التي لديها معدلات فقر منخفضة. أي أن الصندوق يوجِد البيئة الملائمة لعمل البنك. والبنك يصنع المسوغات لفرض توصيات الصندوق على الدول التي تعاني اقتصاديًا.

وبعد أن تمعنت في البحث قليلًا ما وجدت دولة تحسّن اقتصادها بفضل الصندوق، ولا أخرى قضى البنك على الفقر فيها، وأن المستفيدين الوحيدين من عمل البنك والصندوق هم موظفوهما. ولو توقفا عن العمل فلن يتضرر سوى أولئك الموظفين. أما بقية العالم فلن يتغير فيه شيء لو خسفت الأرض بالبنك والصندوق. 

توصيات الصندوق تصلح لدول ليس فيها شعوب؛ لأن الناس لا وزن لهم في معادلاته ولا توصياته. وفكرته الأساسية، في الظاهر، هي أن تصبح الدول قوية اقتصاديًا، أما الشعب والناس فهم بشر يأتون ويذهبون، ويوجد منهم الكثير. 

Giphy 79 1
فتى البهو / Giphy

المواطن في الدول التي تطبق توصيات الصندوق يشبه عامل نقل الحقائب في فندق فخم مرصعة جدرانه بالذهب. إنْ سألته أين يعمل فسيخبرك باسم الفندق الفخم الذي لا يسكنه إلا من أوتي سعة من الثراء. لكنه في نهاية المطاف ليس سوى عامل لا يكاد يكفيه مرتبه إلى آخر الأسبوع الأول من الشهر. والصندوق يهدف إلى أن تكون الدول قوية اقتصاديًا من حيث المظهر العام، أما الناس فلا أهمية لهم، فهم مجرد أرقام في جداول البيانات، ولا أهمية للتأثير الذي يطاولهم من توصيات القتل الرحيم التي يوزعها الصندوق على المستفيدين من خدماته. 

ومن زاوية أخرى أيها الناس العاديون الذين لا يفقهون في الاقتصاد ويتحسسون من المنظمات الدولية، إن توصيات صندوق النقد أقل من المتوقع وفيها كثير من الشفقة غير المبررة، فهو لم يوص مثلًا بأن يعمل الناس بالمجان ولم يقدم اقتراحاته بتحويل أنظمة العمل إلى السخرة والتخلي عن فكرة دفع الرواتب التي ترهق ميزانيات الدول، مع أن هذا أمر منطقي وبدهي، فالدول إذا لم تصرف الرواتب فإنها تستطيع أن تلبي متطلبات الصندوق بسهولة، ولكنه مع هذا تغاضى عن هذه الفكرة الجميلة المريحة. ومن المعلوم بالضرورة أن الشعوب المستقرة الآمنة التي لا تعاني من الأسعار والرسوم والضرائب هي أبغض ما يمكن أن يشاهده الصندوق و«مناديبه» ومبعوثوه في أي دولة. 

ثم إنه لم يوصِ بتقليص أعداد المواطنين واستخدامهم كـ«مطبات» صناعية، أو بلحوم الفقراء بديلًا جيدًا للحوم الحيوانية من باب إعادة التدوير والاستفادة القصوى من الموارد. 

وقد يحاول أحد الحاقدين على الصندوق أن يقول إن تاريخ الصندوق يثبت أنه لم يستطع حل المشكلات المالية التي واجهها، وإنه لجأ يومًا إلى تسريح أعداد كبيرة من موظفيه ليتجاوز فترات اقتصادية صعبة، وإن «باب الصندوق مخّلع»؛ لأنه أفشل حتى من أن يضبط ميزانيته أو يستثمرها، وإنه مجرد عالة على غيره يعيش على منح الدول التي تملي عليه سياساته، وهذا قول لا يخلو من حقد على عمله الشريف المستقل. وكل العقلاء يعلمون يقينًا أن «الصندوق دا طاهر وهيفضل طول عمره طاهر».

والعلة تكمن في عقلية الحاقد الذي لا يعرف أهداف الصندوق البعيدة المدى التي لا يراها إلا من كُشفت له الأستار ورُفعت عنه الحجب. فالمعلوم أن الشعوب المترفة قليلة الإنتاج، وتنعّم الشعوب بثروات أوطانها يعني أنها ستصبح كسولة غير منتجة. ولذلك فإن إفقار الناس هو الخطوة الأولى لتحويلهم إلى منتجين، أما الذي لا يستطيع الإنتاج فإن الفقر هو طريقه إلى الموت ومغادرة هذا الكوكب الذي يفترض ألّا يستمر في السعي في مناكبه إلا القادرون الأقوياء. 

ثم إن الصندوق والبنك الدوليين لم يبدآ حتى الآن، حسب علمي، فرض قوانين تتعلق بالشواذ ومخنثي الفطرة السوية من أجل الحصول على دعمهما، وتأجيلهما هذا الأمر إلى فترة لاحقة يستحق الشكر، لكنكم قوم تحبون الامتعاض. 

الاقتصادالشعوبصندوق النقد الدوليالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!