قوم فضلاء، يكرهون العنصرية والعبيد!

القوانين تمنع الناس من المجاهرة بقناعاتهم ولا تغيّرها. فالمشكلة ليست في الغباء المعلن، بل في القناعات التي لا يعلن عنها خوفًا من القانون. 

عند الحديث عن العنصرية دعونا نتفق قبل أي شيء على أن العنصري لا يصبح عنصريًا قبل أن يجتاز قنطرة العقل ويصل ضفة الغباء. وأتذكّر في هذا السياق أنه سبق لي القول في مكان آخر إن الغباء آفة أكبر من العنصرية، فالغبي يكون عنصريًا ويكون أشياء أخرى لا تقل سوءًا. أما العنصري فهو مجرد غبي لا أكثر.

ولست هنا -معاذ الله- أقلل من شأن الأغبياء، ولا أمارس العنصرية ضدهم، فهم أكثرية يجب احترامها، ولكني أحاول وضع الأشياء في سياقها الطبيعي. 

ومع أن الشيطان الرجيم يوصف بأنه ذكي حتى إنّ الذكي من غير الشياطين يقال إنه «شيطان» للمبالغة في وصف ذكائه وفطنته ودهائه، فإن الحقيقة أنه صاحب المقولة الأشدّ غباءً منذ أن خلق الله آدم عليه السلام حتى يوم يُبعثون. الشيطان هو المؤسس الفعلي وصاحب السبق في جعل العنصرية أسلوب حياة. فكل تصرفات العنصري وكلماته وأفكاره تدور حول القاعدة الرئيسة التي أسسها إبليس «أنا خير منه».

الشعور الذي يتملك العنصري بالأفضلية لأمر لم يكن له يد في وجوده غباء يستحق التأمل طويلًا. والإنسان العنصري أشد غباءً من الشيطان نفسه، وهذا من باب تفوق التلميذ على أستاذه. لأن إبليس حين رفض السجود لآدم بحجة أنه خير منه، استحى أن يترك الأمر هكذا دون تفسير، فبرر شعوره بالأفضلية وأرجعه إلى اختلاف مكونات الخلق «خلقتني من نار وخلقته من طين». أما الكائن البشري العنصري فليس لديه حتى مثل هذا المسوغ الغبي. إنه يشعر بالأفضلية والتميز على إنسان مثله مخلوق من المكونات نفسها. وهذا باب من أبواب تفوق العنصريين على أستاذهم ومعلمهم الأكبر. إنهم عنصريون حتى دون مبررات غبية. 

وفي هذا العصر توافر للعنصرين، كما توافر لغيرهم، ما لم يتوافر للعنصريين الأوائل، فوسائل التواصل الاجتماعي أتاحت لكل أحد ولو كان تافهًا أن يتحدث إلى العالم بكل أريحية بغض النظر عن أي حسابات أخرى، المجال متاح للذكي والغبي والعاقل والمجنون والرشيد والسفيه على حد سواء، أصبح من حق أي أحد أن يفتح مساحة في «تويتر» على سبيل المثال ويتحدث بأريحية وثقة لم تكن عند «سحبان وائل» وهو يخطب في وجهاء الناس. فتجد واحدهم يفتح هذه المساحة أو يبث في العالمين في «التك توك» و«يهبد هبدًا» يستحي منه إبليس شخصيًا دون أن يرف له جفن.

Ezgif 2 Cc4a13398b
احتجاج على العنصرية أثناء إحدى مباريات الدوري البرازيلي.

أعلمُ يقينًا أن القوانين تحاصر العنصريين وتضعهم في أحجامهم الطبيعية، لكن القوانين تمنع الناس من المجاهرة بقناعاتهم ولا تغيّرها. المشكلة ليست في الغباء المعلن، بل في القناعات الراسخة التي لا يُعلَن عنها خوفًا من القانون. 

والفخر والعنصرية أمران مختلفان، فالفخر يكون بالإنجاز والعمل المحقق بعد جهد، أما العنصرية فهي التفاخر بشيء لا يمكن للبشر صنعه ولا تغييره، حين تولد ولونك وردي مثلًا فما العمل الذي اجتهدت فيه حتى تكون أفضل من الأبيض والأسود والبنفسجي والبرتقالي والبني الغامق والأصفر الفاقع؟ وما العمل الذي يجب أن يقوم به من ولد لأبوين أخضرين ليصبح ورديًا مثلك؟ 

وحين تنتمي إلى قبيلة «السلاحف المجنحة» فما العمل الذي يجب على مَن وُلد في قبيلة «البطاريق المحلقة» أن يفعله حتى يحقق ما أنجزتَه؟ 

وأعلم يقينًا أيضًا أن كثيرًا من الخلق الذين ينبذون العنصرية في وسائل التواصل هم من تلك الفئة التي «تكره العنصرية والعبيد»، لذلك فإن ما أقوله لنفسي ولكم هو إن محاربة العنصرية تبدأ بمحاربة الشيطان الصغير الذي يعيش داخلنا، أن نفهم حقيقة الخلق وما الأشياء والصفات التي يمكن أن تميز بشرًا على آخر، وحين نتفكر في البشر الذين كانوا حول معلم البشرية عليه الصلاة والسلام تجد أن قربهم وبعدهم منه على أساس الصفات المكتسبة، التي تتعلق بالإيمان أو الصدق أو العلم أو الشجاعة أو البذل والعطاء، أو أي صفة أخرى يكتسبها الإنسان ويجاهد نفسه حتى يرغمها أن تكون كما يريد. لم يكن للون ولا العرق ولا الانتماء الجغرافي أي دور في تحديد الأفضلية لمن يكون «حول الرسول». هذه بدهيات نعرفها جميعًا، حتى عتاة العنصرية يؤمنون بهذا، لكنْ «من يُقنع الدجاجة»!

الذين يسيؤون إلى الناس في العلن سيخضعون صاغرين للقانون، لكني أتمنى فقط أن نؤمن بذلك خجلًا من خالقنا قبل أن نخاف من القانون. 

في وقت السعة، نكون كلنا مثاليين، طيبين، و«يصلى على أطراف ثيابنا»، المحك الحقيقي للأخلاق يمكن مشاهدته بالعين المجردة في غير أوقات السعة، مثلما يحدث في لحظات الغضب، فحين يغضب الإنسان تقل قدرته على التحكم في تصرفاته، فتظهر أخلاقه كما هي دون إضافة لمسات تجميلية. الكلمات التي تقال في لحظات الغضب لم تستحدث من العدم، هي موجودة سلفًا وأتى الغضب ليفتح لها المجال لتعبر إلى آذان الآخرين. 

ومع هذا فالعنصرية ليست فقط في توجيه الشتائم إلى الآخرين ساعة الغضب، فالعنصري عنصري في كل وقت، حتى إنه يظن أن لهجته، على سبيل المثال، هي الأساس، وأن كل لهجات الخلق مادة للسخرية والتندر، وهذا من ضروب العنصرية غير المباشرة التي يروّج لها حتى في وسائل إعلام تدّعي الرصانة والرسمية. 

الخبر الجيد -أو السيئ- أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على مكان واحد في العالم، بل تكاد تكون من المشتركات القبيحة التي يمكن أن تجدها في كل مكان وُجد فيه الإنسان، وهو خبر جيد لأنه يعني أننا «لسنا وحدنا»، وهو خبر سيئ لأنه كذلك. 

في أوربا على سبيل المثال نشاهد أسبوعيًا تقريبًا كيف يتعامل المشجعون من بني الأحمر مع لاعبي كرة القدم من خارج قارتهم، صحيح أن القوانين تردع وتجرّم، ولكنها تردع المجاهرة فقط. 

لا أعلم ما الحل ولا أنّ هناك حلًّا من الأساس، لكني أفكر بصوت مقروء، الذي أعلمه أن اختلاف الألوان واللغات آية من آيات الخالق، وأنه خلق البشر بألوان مختلفة لنتدبر ونتأمل وليس للتفاخر والتعالي وشتم كل لون مختلف ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾.

الإنسانالعنصريةالمجتمعالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!