هل صديقك أعزُّ عليك من عشرين بابل؟

بدأنا نفقد «معزَّة الصديق» دون أن نشعر. تنهمر عليك النصائح بقطع كل علاقة تسبب لك أقلَّ انزعاج أو اضطراب في حياتك حفاظًا على طاقتك الإيجابية.

سأسرد عليك قصة. ربما مرَّت عليك في سلسلة تغريدات فضَّلتها ولم تعد إليها، أو في مقطع يوتيوب مللت منه بعد الدقيقة الأولى لخلوّه من المؤثرات البصرية التي تحثُّك على التسمُّر أمامه. أنا عرفتها بالطريقة المعتادة منذ قدم التاريخ. قرأتها في كتاب «رحلاتي مع هيرودوت» (Travels With Herodotus) للصحفي البولندي ريشارد كابوشنسكي، وطويتُ رأس الصفحة للعودة إليها.

في عام 519 قبل الميلاد، قرَّر أهل بابل الثورة على الإمبراطورية الفارسية للتحرُّر منها، ووجدوا في فترة الاضطراب المصاحبة لتنصيب ملك فارسيّ جديد (الملك داريوش) الفرصة للاستعداد بصمت لهذه الثورة. الخطة باختصار: تحصين بابل بالأسوار الشاهقة العريضة وتأمين مقوِّمات الحياة استعدادًا لحصار طويل جدًا. وعلى ذمة هيرودوت -أول مؤرخ في التاريخ- فقد قرر البابليون قبيل إعلان الثورة أن يعدم كل رجل نساء عائلته (الأم، الزوجة، الأخوات، البنات) ويبقي على واحدة فقط للخدمة والطهي، وذلك حفاظًا على كفاية الموارد الغذائية لأطول أمد ممكن. 

(هنا يتساءل كابوشنسكي إن كانت أرواح تلك النساء لا تزال تطارد أرض بابل حتى اليوم.)

ما إن عرف داريوش بالثورة فورًا أعدَّ جيشه -الأعظم في العالم حينذاك- لاستعادة بابل وتحصين حقِّه الحديث بالمُلك. أحاط الجيش الفارسي بالمدينة ووقف في حيرة أمام الأسوار، فحينذاك لم يُخترع البارود ولم تكن ثمة آليات لتحطيم الجدران. في نشوة هذا النجاح الساحق لخطتهم، راح البابليون يقفون على الأسوار ويستفزون داريوش وجيشه، هاتفين إنَّ بابل ستسقط أسوارها يوم يلد البغل. 

بعد تسعة عشر شهرًا من عجز الجيش الفارسي عن إحداث حتى أصغر انبعاج في الأسوار، وفي غمرة إحساس داريوش بالإذلال أمام هذه الإهانة التي هزَّت عرشه وقد تسقطه منه، أتى إليه صديقه زوبيرُش بالحل. ليلتها، تعمَّد زوبيرش تشويه وجهه، قَطَع أنفه وأذنيه وشفته العليا وحَلَق رأسه وجَلَد ظهره قبل ذهابه للملك الذي صُعق من مرآه. حينها أخبره زوبيرش بخطّته. سيفرُّ إلى باب حصن بابل ويلجأ إلى أهلها، وسيصدقون ادعاءه بانشقاقه عن داريوش ورغبته العارمة بالانتقام منه لأنَّ لا أحد عاقل سيشوه نفسه بيديه.

وهكذا حصل، صدَّق البابليون زوبيرش ومنحوه قيادة جيش صغير. في المقابل بعث داريوش بألفين من أضعف جنوده (كما اتفقا مسبقًا) ونجح زوبيرش بقتل كل جندي فيهم. تكرَّرت هذه المعارك الصغيرة بانتصار زوبيرش الساحق، واحتفى البابليون به قائدًا عظيمًا وسلّموه قيادة الجيش بأسره، ومعها مفاتيح بوابات المدينة الثمانية. ولا داعي هنا لأخبرك ما الذي فعله زوبيرش بمفاتيح البوابات. 

بعد استعادة داريوش سيطرته على المدينة الثائرة، كافأ زوبيرش بمنحه قيادتها لبقية حياته. وفي لحظات كثيرة لاحقة، سيردد الملك الفارسي في بلاطه أنَّ لو كان لديه الخيار، لآثر الحفاظ على وجه صديقه من الأذى على احتلال عشرين بابل عظيمة. 

لماذا علقت هذه القصة في بالي ولماذا أسردها عليك الآن؟ 

ربما لأننا بدأنا نفقد «معزَّة الصديق» دون أن نشعر. تنهمر عليك النصائح بقطع كل علاقة تسبب لك أقلَّ انزعاج أو اضطراب في حياتك حفاظًا على طاقتك الإيجابية. تطغى ثقافة بناء العلاقات «النفعيَّة» المبنيَّة على تبادل المصلحة وتنتهي باختفاء تلك المنفعة. صديقك يسارع إلى مشاركة رسائلك الشخصية في الواتساب ومنصات التواصل الاجتماعي للاستهزاء منك ما أن يزعل منك، يسهل عليك طرد صديقك من حياتك ببلوك، ولدى الالتقاء يحكم عليكما نظام «خويِّ يدفع وجبته من فلوسه». 

حمَّلتُ توًّا تطبيق «شات جي بي تي» على جوالي الآيفون وسألته، «هل أنا أعزُّ عليك من عشرين بابل؟» وأجاب، أنَّ بصفته نموذجًا لغويًّا فهو لا يحدد قيمة معينة للبشر، كل إنسان له قيمته الفريدة في هذه الحياة ومن الضروري أن نعي بصفتنا بشرًا هذا الشيء. لو أنّي سألتُ صديقًا أعزُّ عليه لأجابني فورًا بـ«نعم»، وهذا -بصفتنا بشرًا- ما سنحتاج دومًا إلى سماعه ومعرفته.

الإنسانالعلاقات الإنسانيةالمجتمعالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.