لا تدع البريجيب يؤثر في علاقات عملك الإلكترونية

جميعنا وقعنا في فخ «البريجيب»، إذ كم من مرة كتبتَ تعليقًا ثم مسحته كله بعد قراءته ثانية لأنك تخاف ألّا يفهمه الآخرون جيدًا؟

أعمل في مجال الكتابة الحرة عبر الإنترنت منذ سنوات ليست بالقليلة، مما منحني القدرة على الاحتكاك بأكثر من دائرة عمل مختلفة. وتتسم بيئة العمل عبر الإنترنت في مجال الكتابة تحديدًا بالمرونة، فمن صميم عملك أن تناقش زملاءك حول أفكار متبادلة وزوايا مختلفة للفكرة نفسها وأبعاد عديدة للموضوعات.

هذا النوع من بيئة العمل المرنة يصاحبه منطقيًّا وجود علاقات أشدُّ عمقًا بينك وبين زملائك، وهو ما ينمي داخلك مهارة خفية تتعلق بإيجاد صورة ذهنية عن هؤلاء الزملاء. هذا الزميل جادٌّ قليل الحديث؛ لذا لا داعي للتعبير مفصّلًا عن فكرة في حديثي معه. لكنّ ذاك الزميل الآخر لن يملّ حديثك؛ فهو شخص مرح ودود يتحدث معك دون حدود.

اعتقدت أنني أمتلك تلك المهارة المفترضة على مر سنوات، لكنني في كل مرة أقابل فيها أحد هؤلاء الزملاء للمرة الأولى في الواقع أجد أن تلك الصورة الذهنية خاطئة تمامًا. هذا الزميل الذي يبدو جادًا حتى السخافة أحيانًا هو شخص ودود للغاية ومرح في حديثه، وذلك الزميل الذي اعتقدت فيه المرح واللطافة هو أقرب إلى شخص «قليل الذوق» في الواقع!

ما يجعل الأمر محيرًا أن الشعور يكون متبادلًا في كل مرة، فكل الزملاء يودّعونني بالجملة نفسها: «كنا نعتقد أنك شخصٌ آخر». لماذا إذن نبدو شديدي الاختلاف في بيئة العمل الإلكترونية عن ذواتنا الحقيقية في الواقع؟

فكرت كثيرًا في الأمر، وأظن أن الإجابة تكمن فيما نسميه «بريجيب». تلك الكلمة الروسية العبقرية التي شرحها الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق في كتابه «قصاصات قابلة للحرق» بأنَّها «محاولة تقويم العصا مما يؤدي إلى ثنيها في اتجاه آخر». 

هذا تحديدًا ما يحدث في علاقات العمل عبر الإنترنت، يتعمَّد الشخص المرح ألّا تظهر عليه هذه السمة حتى لا يتساهل معه الآخرون، خصوصًا أنَّ العلاقة الأساسية التي تجمعه بهم هي العمل، فيدفعه ذلك إلى ثني العصا في الاتجاه الآخر تمامًا، فيبدو شخصًا جافًّا بإفراط. وهكذا تجري الأمور عند الجميع.

وجميعنا وقعنا في فخ «البريجيب»، إذ كم من مرة كتبتَ تعليقًا ثم مسحته كله بعد قراءته ثانية لأنك تخاف ألّا يفهمه الآخرون جيدًا. أنا شخصيًّا أخاف من الثناء على عمل بعض الزملاء حتى لا يتهمني زملاء آخرون بالتملق. لذا أمتنع غالبًا عن إبداء رأيي الإيجابي، وهذا قد يدفع آخرين إلى اتهامي بالغيرة في دائرة مغلقة من سوء التفاهم.

لكن لماذا نخاف من آراء الآخرين في بيئة العمل ما دمنا ننتج أعمالًا تتحدث عنا وتبين للآخرين من نحن؟ كونك شخصًا مرحًا لن يغنيك عن تقديم العمل المطلوب، والجدية الحقيقية لا تبدو في التعليقات والردود، بل تتضح في أمور أخرى مثل دقة مواعيد التسليم ومعاونة الفريق في أوقات الضغط.

لذا حاول ألا تثني العصا زيادة عن اللزوم في علاقات عملك الإلكترونية، ولا تقلق كثيرًا من طبيعة شخصيتك. ففي النهاية إنتاجيتك هي المحكّ في أي بيئة عمل. أمّا العلاقات، فدع الوقت يأخذ مجراه في بنائها من معرفة حقيقية ببعضنا البعض.

العمل عن بعدالمجتمعالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.