رونالدو: فرصة أخيرة للبقاء على القمة

أدرك رونالدو أن صناعة كرة القدم لا تعترف إلا بالأرقام، وآمن أنَّه الوحيد القادر أن يكون أيقونة هذه الصناعة وبطلها المستحق.

تتأرجح كرة القدم طوال تاريخها بين متعة الأداء وما يدونه التاريخ من أرقام ونتائج؛ يميل البعض إلى محاولة تجسيد هذا الصراع وهنا يدب شيءٌ من الخلاف. 

من يمثل المتعة؟ ميسي مثال رائع بالطبع، لكن حضور مارادونا يظل طاغيًا في ذهن الكثيرين، والأكيد أن الاثنين لم يقدما المتعة الخالصة التي قدمها رونالدينهو. لا يمكن أبدًا الاتفاق بشأن أيقونة المتعة في كرة القدم؛ لكن في حالة الأرقام فلا مجال للأهواء لأن كريستيانو رونالدو حاضر.

لم يظهر رونالدو في البداية بصفته مطاردًا للأرقام، بل كان لاعبًا مهاريًا بشكل لافت، فعالًا بقدر ما يستطيع. هكذا كان بقميص البرتغال في كأس العالم الأولى له عام 2006 حاملًا الرقم 17 فوق ظهره، لأن القميص رقم 7 كان محجوزًا للأسطورة لويس فيقو.

يظهر رونالدو اليوم في كأس العالم الخامسة له على التوالي لكن بين ألمانيا 2006 وقطر 2022 تغيرت مسيرة رونالدو كثيرًا؛ فهو اليوم يبحث عن هدف يجعله اللاعب الوحيد في التاريخ الذي يسجل في خمسة كؤوس عالم مختلفة، هدف يمد من رحلته التي أصبح عنوانها الأرقام القياسية. لكن آفة الأرقام أنها لا تنتهي.

أدرك رونالدو أن صناعة كرة القدم لا تعترف إلا بالأرقام، وآمن أنَّه الوحيد القادر أن يكون أيقونة هذه الصناعة وبطلها المستحق. وفِي سبيل ذلك كان عليه ألا يتوقف عن تسجيل الأهداف أبدًا. تحول إلى ماكينة أهداف بشكل لا يصدق، محققًا سلسلة من النجاحات أينما حل. هكذا أصبح الهداف التاريخي للمنتخبات وثالث هدافي الأندية التاريخيين، وزمرة من الأرقام القياسية. أمَّا خارج الملعب فلم يختلف رونالدو كثيرًا.

أصبح رونالدو في حد ذاته مُنتَجًا واسمًا تجاريًا، يتطلب الظهور في أفضل شكل على الدوام. كل ظهور يطل به على متابعيه له ثمن، ولا ثمن دون تضحية. ضحى رونالدو بالكثير من أجل ذلك، نظام تدريبي وغذائي صارم رفقة متخصصين لا يتركوه أبدًا.

حقق كريستيانو كل تلك الأرقام، وغفل عن رقم وحيد كان يزيد هو الآخر؛ سنوات عمره. رونالدو الآن في السابعة والثلاثين، رغم أنه تحدى الزمن كثيرًا من أجل عمر أطول رفقة كرة القدم، لكنه في الأخير وصل إلى نهاية مسيرته الكروية. حاول أن يغادر مانشستر يونايتد خلال الانتقالات الصيفية للحفاظ على لقبه، بصفته هداف دوري الأبطال التاريخي، لكنه فزع بالحقيقة؛ لم يوافق أي نادٍ كبير على انتداب رونالدو.

لكن الدون لا يعرف اليأس أبدًا، لذا قرر أن يلعب بالورقة الأخيرة التي يملكها؛ أجرى لقاءً إعلاميًّا صاخبًا، تخلص خلاله مما يربطه بمانشستر يونايتد إلى الأبد، وانتزع بقعة الضوء من الجميع، واضعًا رهانه الأخير على كأس العالم.

الآن ينتظر الجميع ظهور رونالدو في كأس العالم؛ تلك هي الأجواء التي يعشقها، أجواء تجعله النجم الأوحد الذي يتوجه نحو جماهيره بعد إحراز الهدف ليصيح: «كالما كالما» أنا موجود. ركلة جزاء وصيحة شهيرة «سيييييي» (suiiiiii)، ستُذكر تلك الأندية الرافضة أن رونالدو هو الوجه المضمون من أجل مبيعات تذاكر وعقود رعاية وقمصان مبيعة عليها الرقم 7.

يريد رونالدو أعوامًا إضافية في أوربا، لأنه على يقين أنه خُلِق لهذا، لا للاستجمام بأجواء الدوري الأمريكي، أو يكون رمزًا للدوري السعودي. يريد رقمًا قياسيًا بقميص البرتغال ثم أرقامًا قياسية أخرى في الانتظار بعد ذلك.

لن يقف رونالدو في نهاية مشواره معترفًا أن الزمن قد هزمه. يعرف رونالدو أن البعض ينتظر ذلك، لكنه يؤمن أنه لطالما استطاع تكميم أفواههم عقب كل موجة تشكيك. ربما يقف رونالدو قبل بداية مباراة اليوم أمام المرآة محفزًا نفسه وفي ذهنه شيء وحيد؛ إما الوداع حاملًا كأس العالم، أو فرصة جديدة للبقاء على القمة.

كأس العالمكرة القدم
مقالات حرةمقالات حرة