ميسي: رقصة التانقو الأولى والأخيرة

سينتظر العالم كله رقصة ميسي الأخيرة في قطر، أما جمهور الأرجنتين فسينتظر نسخة مغايرة لليو، سينتظر رجلًا يلعب من قلبه وروحه قبل قدميه.

يؤمن الأديب «إرنستو ساباتو» أن رقصة التانقو تعبّر عن الصفات الأساسية لشخصية الأرجنتيني: النوستالجيا، النزوع إلى التأمل، خيبة الأمل. 

هذا الربط الفلسفي الذي ذكره ساباتو دائمًا ما يبرهنه الأرجنتينيون أنفسهم بانفعالاتهم وصخبهم وعشقهم المتطرف للجمال. يحبون التانقو لأنها رقصة نبعت من الأزقة والحواري الفقيرة، تمامًا مثل كرة القدم التي تميز بها منتخب الأرجنتين عبر الأجيال؛ حيث فن التحكم في أضيق حيز متاح، والمراوغة والمرونة والإبهار.

اليوم، تمتلك الأرجنتين أفضل مَن لمس كرة القدم عبر التاريخ في نظر الكثيرين، لكنه  في عيون مواطنيه لا يستطيع أن يرقص التانقو! هذا هو حال ميسي مع منتخب الأرجنتين، رجل نثر سحره فوق ملاعب أوربا جميعها، وترك وراءه الملايين فاغرينَ الأفواه لا يصدقون أن الكمال تجسّد أخيرًا في كرة القدم، لكنه في النهاية لم يعد للوطن بكأس العالم.

ربما لأن قصة ميسي الحقيقية بدأت بمدينة برشلونة في ديسمبر 2000 عندما قرر النادي الكتالوني أن يستثمر في هذا الصبي صاحب الثلاثة عشر عامًا، على الرغم من مخاوف تتعلق بقصر قامته وتشخيصه باضطراب هرمون النمو. قصة أسطورية كُتب فيها عقد ميسي الأول على منديل ورقي، وحصد خلالها ميسي كل البطولات المتاحة.

هذا الكمال الذي وصل إليه ميسي بصفته لاعب كرة قدم، لم يكن ليحدث أبدًا لولا أنه غادر الأرجنتين صغيرًا. كان لذلك أثر كبير في أن يتخلص من الثقافة اللاتينية التي عطلت الكثير من اللاعبين أصحاب المهارات الفذة. 

أسماء مثل روبينيو الذي كان يراوغ عشب الأرض إذا ما أراد لكنه عاد للبرازيل في عامه السادس والعشرين، ريكيلمي الذي تحدث صراحةً أنه لا يؤمن بالتكتيك في كرة القدم وآثر أن يكون أيقونة البوكا جونيورز وفتاها المدلل. حتى رونالدينهو الذي لم يتفادى سحره أحد لم يستطع أبدًا أن يحافظ على مستوى ثابت يُمكنه من صنع مسيرة في ملاعب أوربا.

لكن ميسي استطاع ومع الوقت صنع أسطورته الخاصة، لكن سبب تفوقه هذا أصبح لعنته فيما بعد.

مثلما استثمر برشلونة في ميسي، فالأرجنتيني في المقابل أفنى عمره داخل جدران النادي الكتالوني، ومع كل إخفاق دولي كان جمهور الأرجنتين يشعر أنه ليس على قمة أولويات ميسي أبدًا. أربع كؤوس عالم على التوالي يذهب ميسي حاملًا آمال البيسيليستي ويعود خالي الوفاض.

يظهر المحللون عقب كل إخفاق للتأكيد أن المشكلة ليست في ميسي أبدًا، فهذا الرجل الذي يمتلك مهارات استثنائية ووعيًا تكتيكيًّا كبيرًا لا يجد الدعم اللازم من بقية أفراد الفريق، لكن جمهور الأرجنتين لا يهتم بتلك الأحاديث؛ فقد فعلها مارادونا من قبل تحت شمس المكسيك الحارقة وحده، راوغ الجميع وانتزع الكأس الأغلى في العالم عائدًا به إلى الوطن بقميص متسخ وقدم من مجد.

لكنَّ هناك جديدًا يترقبه العالم كله خلال نسخة كأس العالم قطر 2022 التي ستنطلق بعد أيام، لقد انتهت قصة ميسي مع برشلونة. ربما أدرك ميسي أخيرًا أن الفراق مصير حتمي لكل العلاقات إلا علاقة الرجل بوطنه.

أعلن ميسي أن كأس العالم قطر هي الكأس الأخيرة له، وسط تأكيدات من جميع المحيطين به أنه لا يشغله الآن سوى تحقيق البطولة الوحيدة التي فشل في تحقيقها طوال ستة عشر عامًا.

إنها الرقصة الأخيرة دون شك مثلما عنونت شبكات «إي إس بي إن» (ESPN) ونتفلكس الفيلم الوثائقي الذي تناول البطولة الأخيرة لمايكل جوردون رفقة شيكاغو بولز. سينتظر العالم كله شغوفًا رقصة ميسي الأخيرة في قطر، أما جمهور الأرجنتين فسينتظر نسخة مغايرة لليو، سينتظر رجلًا يلعب من قلبه وروحه قبل قدميه، سينتظر ميسي في رقصة التانقو الأولى له والأخيرة.

كأس العالمكرة القدم
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية