لماذا نحتاج إلى بعض الأوهام؟

تمسُّكنا بالأوهام شكلٌ من أشكال استحضار الصبر. نتدرب من خلاله على الإمساك بالطرق الطويلة التي توصلنا إلى نتائج غير متوقعة.

في نشرة أها! من ثمانية

يعلم القارئ الفطِن أنَّ كثيرًا من الأمور في حياتنا لم تكن لتُنجز، أو تصل بنا إلى مناطق بعيدة، لو لم نتسلح ببعض الأوهام. ولو أخبرتني في يومي الأول أنَّ تأثير مشاركة الأفكار وكتاباتها بانتظام لن يظهر تأثيره على الآخرين إلا بعد سنوات طويلة، لتوقّفت عن العمل. 

ففي البدايات، كُنت أُقنع نفسي أنَّ ما أفعله أمرٌ مهم للغاية، ولذا يجب علي الاستمرار به. وهذا الاستمرار كان استلهامًا وتأملًا لكلام الروائي القدير جون شتاينبك عندما قال:

يجب أن يؤمن الكاتب أن ما يفعله أهم شيء في العالم. وعليه أن يتمسك بهذا الوهم حتى عندما يعي أنه غير صحيح.

ما قاله شتاينبك غاية في الدقة، ليس في الكتابة فحسب، بل في أمور أخرى كثيرة. فالوعد بالحصول على ترقية قد يكون وهمًا، واعتقادنا الراسخ أننا سنكون أثرياء في المستقبل أيضًا شكلٌ من أشكال الوهم. 

هذه الأوهام تتحول إلى آمال تقودنا إلى المضي قُدُمًا في حياتنا، وهي ما تساعدنا لننمو. ومن غير هذه الأوهام، لن نجد أي نوع من الانضباط. ومن غير الانضباط، لن يكون هناك نتائج.

يعلّق النفساني المعروف إم سكوت بك: «ظننت أنه سيكون من الأسهل التعامل مع الأطفال عندما لا يعودون بحاجة إلى استخدام الحفاضات، ثم ظننت أنهم سيكونون أسهل عندما يبدؤون المدرسة. ثم ظننت أنهم سيكونون أسهل عندما يحصلون على رخص القيادة، ثم عندما ذهبوا إلى الكلية، ثم عندما تزوجوا. الآن لديّ وهم أن أبنائي سيكون من الأسهل التعامل معهم لدى بلوغهم الأربعينات من العمر. مثل هذه الأوهام تجعلنا نواصل النمو. لذا فإن الأوهام ليست سيئة تمامًا، ما لم نتمسك بها لفترة طويلة جدًا وتتجاوز فائدتها.»

لكن تمسُّكنا بالأوهام لا يعني عدم فهمنا للواقع، بل هو شكلٌ من أشكال استحضار الصبر. نتدرب من خلاله على الإمساك بالطرق الطويلة التي توصلنا إلى نتائج غير متوقعة، بدلًا من التأثر بالملل السريع. فكم مرة سألنا أنفسنا إن كان اجتهادنا سيوصلنا إلى نجاحات استثنائية. 

وإن اكتشفنا بعدها أنَّ ما أوهمنا أنفسنا به ليس حقيقيًا، فإننا نتعلم من التجربة. بعدها سيكون وهمنا أقل تأثيرًا، وستقرّبنا خبرة التجربة من تحقيق ما نود تحقيقه.

الإنسانالمستقبلعلم النفسالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.