لا ماء في الماء

مطر أمريكا أصبح غير صالح، مطر السعودية غير صالح، مطر غينيا الاستوائية غير صالح، كل المطر غير صالح للشرب مباشرة.

في نشرة أها! من ثمانية

قبل شهر كنت في تايلاند، وكانت مواقع السياحة قد حذرتني من السفر في موسم المطر. لكني توكلت على الله معتمدًا على تخبّط مناخ الأرض مؤخرًا وتخبّط التوقعات الجوية معه، وبالفعل توقعي لم يخب. صادفتُ أيامًا مشمسة جدًا، وصادفتُ أيامًا مطيرة. وهكذا وقفت في شوارع بانكوك فاتحًا فمي لقطرات المطر التايلندي مستحضرًا متعة طفولية قديمة. 

أرسلت الصور لواتساب العائلة، وطبعًا حذرتني أمي من ابتلاع المطر قبل غسله وغليه!

واصلت تصفّح جوّالي لتطالعني -صدفة؟- الأخبار عن دراسة علمية كارثية جديدة: ماء المطر لم يعد صالحًا للشرب.. حقيقةً.. وعلى مستوى الكوكب بأسره!

مطر أمريكا أصبح غير صالح، مطر السعودية غير صالح، مطر غينيا الاستوائية غير صالح، كل المطر غير صالح للشرب مباشرة.

والسبب؟ إنه التلويث البشري طبعًا. فالدراسة المذكورة تلقي باللائمة على جزيئات مركّبات اصطناعية تُدعى «بي إف إيه أس» (PFAS) وتْعرَف مجازًا بـ«الكيميائيات الأبدية» (Forever Chemicals) لأنها تتحلل عبر آلاف السنين. هذه المركّبات تُستخدم منذ سبعين عامًا كمواد عازلة في أواني الطبخ والملابس ورغوة إطفاء الحريق وغيرها الكثير من التطبيقات المفيدة. وبعد أن تجاوزت نسبة هذه الجزيئات في الغلاف الجوي حدَّ الخطر، أصبح من الحتمي أن تمتزج بالأمطار في أي بقعة من العالم.

يذكرنا هذا الخبر الكئيب بأزمتنا مع حضارتنا الاصطناعية التي جعلت الحياة أسهل لكنها أخلت بالتوازن الطبيعي. فالمنتجات الحديثة وأهمها البلاستيكيات تدخل في تصنيع «كُلّ» شيء يمكننا تخيله، بما في ذلك عبوات مياه الشرب. ومتى ما رمينا بمخلفات حياتنا السهلة، تنسرب «جزيئات البلاستيك الدقيقة» (microplastic particles) الناجمة عن التكسر البطيء لمليارات المنتجات والمخلفات في التراب والماء والهواء، واليوم تنسرب في أجسادنا. 

فهل تعرف أنَّ رئتيك على الأغلب تتنفسان ما يعادل كتلة بطاقة ائتمانية من ذرات البلاستيك أسبوعيًا، بل إن ذرات البلاستيك صارت تجري في عروقك؟

لكن ما العمل؟ هل نتوقف عن استخدام البلاستيك بعد فوات الأوان؟ نرجع للحديد والبرونز والخشب والورقيات؟ ومن أين لنا الشجر الكافي.. خاصة وأن الشجر بات هو الآخر يتعاطى الكيميائيات الأبدية ممزوجة بماء المطر الذي لم يعد صالحًا للشرب، ليصدق الشاعر السعودي محمد العلي حين هتف قبل سنوات: لا ماء في الماء!

الإنسانالبيئةالتلوثالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.