صوتنا يتقمص الميمز

نحن نستعير أصوات الآخرين المميزة لنعبّر عن عاطفة ما بأسلوب مُضحك يقربنا من الناس، أو حتى نهوّن على أنفسنا في مواقف صعبة أو مزعجة.

في أكتوبر 2021، شارك الأب السعودي أشرف مقطعًا لابنته ريتان، وهي تنزل من السيارة متجهةً إلى مدرستها. حماس ريتان وهي تردد «باي! باي!» اجتاح الإنترنت، وحصد المقطع أكثر من مليوني إعجاب على إنستقرام، إضافةً إلى أكثر من 12 مليون مشاهدة على يوتيوب.

تحوّل حماس ريتان إلى مادة ثرية لصناعة ميم صوتية عامة، فشاهدنا مئات من الفيديوهات بصوت ريتان في الخلفية، يقلد فيها أصحابها في مواقف مختلفة توديع ريتان لوالدها بحركات يديها وابتسامتها: «باي! باي!».

ظاهرة الميم الصوتية التي أطلقها أبو ريتان ليست جديدة، لكن ما يميّز هذه الميم تحديدًا سهولة صناعتها داخل تطبيق واحد مثل تك توك (ومن بعده إنستقرام). فرغم أن تك توك لم يؤسس مفهوم الميم الصوتية، لكنه أتاح للمستخدمين واجهة تُبرز الصوت وتسمح بإعادة استخدامه «ريمكس» (remix). لتجعل هذه الميزة من تك توك تربة خصبة لانتشار الميم الصوتية.

ويعتمد انتشار مقطع صوتي محدد دونًا عن غيره على قوة تأثيره في تحفيز فورة من العواطف والذكريات في دماغ المتلقي، وهو ما يسمّى «الاهتياج الحسّي» (brainfeel). قد يكون المحفّز نطقًا متميزًا لكلمة ما، مثل نطق ريتان لكلمة «باي!» بصوتها المرتفع. أو لأن المقطع يُبرز صوت الإنسان الداخلي بطريقة علنية مسموعة للعالم، كما في المقطع «Keep going … أيوه أيوه». إذ يبدو فعلاً مثل صوتي الداخلي حينما أُجبر نفسي على النهوض من السرير لأتّجه إلى الدوام يوم الأحد. 

ولأن الميم الصوتية تُخرج المونولوج الداخلي فينا وتظهره، فهي تشبه ما نفكّر به دون أن نتجرأ على قوله جهرًا. أنا شخصيًّا يتقمص صوتي الداخلي صوت كريس قليسون في مقطعه الشهير (Nobody’s gonna know) حينما أحاول إخفاء شيء ما عن أنظار الآخرين.

هكذا تلبَّس صوتنا قوة الميم العاطفية. فنحن نستعير أصوات الآخرين المميزة، مؤقتًا، لنعبّر عن عاطفة ما بأسلوب مُضحك يقربنا من الناس ويرسخنا في ذاكرتهم، أو لكي نهوّن على أنفسنا في مواقف صعبة أو مزعجة، وهو ما قد يعجز عن تحقيقه صوتنا الداخليّ الطبيعي.

الإنترنتالإنسانوسائل التواصل الاجتماعيالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.