«طالع نازل»، «نورا» على خطى «ميديا»

لكنه الغضب، ويل وثبور للبشر، هو الذي تصدر عنه كل قراراتي.
«ميديا»
منذ خمسة وعشرين قرنًا وقفت امرأةٌ على سطح قصرٍ في كورنثا، فوق عربةٍ مجنَّحة أرسلها إليها جدُّها إله الشمس، تطلُّ على رجلٍ منهار في الساحة وقد خسر عروسه وعرشه وولديه في يوم واحد، فابتسمت ابتسامة من استرد حقه كاملًا وخسر معه كل شيء. تلك هي «ميديا»، أشهر امرأة ارتبط اسمها بالانتقام في تاريخ الأدب، التي قدَّمها يوربيديس على خشبة مسرح ديونيسوس في أثينا عام 431 قبل الميلاد. امرأةٌ اكتشفت وهي في منفاها أن «ياسون»، الرجل الذي أحبته وضحَّت من أجله بوطنها وأبيها وأخيها وقطعت معه البحار، قد اقترن بابنة الملك «كريون» طمعًا في جاهٍ وسلطةٍ في المدينة التي آوته.
وفي العاشر من أكتوبر الماضي، حين بدأت منصة شاهد عرض مسلسل «طالع نازل»، الذي كتبته سماء عبدالخالق وإنجي القاسم وأخرجه هاني خليفة، وقفت «نورا» على العتبة ذاتها التي وقفت عليها «ميديا»، تتأمل زوجها الملحن «علي داوود» بذهول وهو يعترف لها بزواجه من «مي» منذ عامين، لتدرك أنه عاد إلى حبه القديم، إلى المرأة التي تخلت عنه حين كان مغمورًا، وعادت إليه حين صار اسمًا تتهافت عليه شركات الإنتاج، وباتت تحمل في أحشائها طفله. ويشتد وقع الصدمة على «نورا» حين تكتشف بعد حينٍ أن حملها أصبح مستحيلًا.
يجمع بين المرأتين أنهما صنعتا الرجل الذي خانهما، فـ«ياسون» ظفر بالجزَّة الذهبية بفضل سحر «ميديا» ومعرفتها بالأعشاب والتعاويذ، و«نورا» آمنت بموهبة «علي» فأدارت أعماله ورتبت مواعيده وجلبت إليه أقوى العقود، بل كانت ملهمته وتعرف كيف يولد اللحن في رأسه قبل أن يخطه على الورق. ولذا، يبدو الانتقام عند كلتيهما امتدادًا للمعرفة التي سخرتاها طويلًا لخدمة الرجل، فالمعرفة التي بنت المجد هي نفسها التي ستتولى هدمه. لقد ضحت كل منهما بجوهر حياتها، ضحت «ميديا» بوطنها وأهلها، و«نورا» بحلم الأمومة، وجاءت الخيانة في الحالتين لتؤكد لهما أن ما قدمتاه ذهب إلى أخرى، فابنة «كريون» استولت على المكانة التي وُعدت بها «ميديا»، و«مي» حملت الطفل الذي أجَّلته «نورا» حتى فات أوانه.

يختار يوربيديس لبطلته سلاح «الفارماكون»؛ الكلمة الإغريقية التي تعني الدواء والسم معًا، إذ ترسل «ميديا» إلى ضرتها ثوبًا وتاجًا مسمومين يلتهمان جسدها وجسد أبيها الذي سارع إلى احتضان ابنته نادبًا حظها، ثم تتجرأ على الفعل الذي جعل اسمها مرادفًا للرعب في الذاكرة الإنسانية، فتقتل ولديها من «ياسون» لتقطع نسله وتتركه رجلًا دون أثر يخلد اسمه. تلجأ «نورا» بدورها إلى الفارماكون في صيغته الحديثة، فتدس في شراب «علي» حبوبًا منومة، وتُسمِعه وهو نائم موسيقا تسعى بها إلى التأثير في عقله الباطن، حتى إذا استيقظ وجد فيها اللحن الذي كان يبحث عنه. ولأننا سنرى كثيرًا من الطحن في هذا المسلسل، ستدس له خليطًا آخر يصيبه بزغللة في العين وغثيان، وتجعله يتغيب عن برنامج تلفزيوني كان ينتظره. وأرى في هذا التفصيل ما يقرِّب «نورا» من «ميديا» أكثر مما يظهر للوهلة الأولى؛ فإذا كانت «ميديا» قد ضربت «ياسون» في ذريته، فإن «نورا» تضرب «عليًّا» في ما يقوم عنده مقام الذرية، أي في موسيقاه، فتتسلل إلى منابع إلهامه، وتجعل اللحن الذي يظنه ثمرة عبقريته يمر أولًا من يدها، كأنها تمنحه في الخفاء الطفل الذي حُرمت منه، ثم تسلبه حق الأبوة عليه. وهذا ما حدث حين اتهم بالسرقة وشوهت سمعته.
تحيلني ممارسات «نورا» تجاه «علي» إلى مسرحية أخرى الجلاد فيها هذه المرة الزوج، وهي «ضوء الغاز» للكاتب الإنجليزي باتريك هاملتون، التي اشتُق منها مصطلح «الغازلايتينج» (Gaslighting)؛ وهو أسلوب تلاعبٍ نفسي يهدف إلى زعزعة ثقة الضحية بإدراكها وذاكرتها وسلامة عقلها، حتى تغدو عاجزة عن تصديق حواسها، ومعتمدة كليًّا على المتلاعب ليُملي عليها حقيقة ما حدث. فـ«نورا» لا تنفك تستغل المواقف للتلاعب بعقل زوجها، مثل الليلة التي باغتته فيها وهو بين اليقظة والنوم لتسأله عن رغبته في تأجيل موعدٍ ما، فيجيبها بالإيجاب، ثم توقظه صباحًا بصراخها وتوبيخه على عدم تأجيل الموعد أو تجاهله الاتصالات التي تعمَّدت هي كتم صوت هاتفه عنها. يقف «علي» حائرًا، لا يدري أكان حوار الليل حقيقةً أم أضغاث أحلام، ومن هذه الثغرة تبدأ «نورا» نسج شباكها، فالرجل الذي يهتز يقينه بذاكرة ليلة واحدة، سيسهل عليه الشك في اتزانه وقراراته، وسيصبح أكثر استعدادًا لتصديق ادعاءاتها بأن تعاطيه المخدرات هو سبب تدهوره، ليتحول بيتهما العصري المفتوح إلى مساحة مظلمة لا تملك مفاتيح ضوئها سوى «نورا».

منذ عرض المسلسل، ضجَّت منصات التواصل الاجتماعي بتعليقاتٍ تُتوج «نورا» «ملكةً»، إذ ترى فيها كثيرات نموذجًا للمرأة التي استردَّت حقَّها، وأن خيانة الزوج مبررٌ كافٍ لردِّ الأذى بأضعافه. يدفعني هذا الاحتفاء المبالغ فيه إلى طرح سؤال ربما يغيب عن المدافعات وتتناوله هذه الحكايات: هل يمنح الانتقامُ السعادةَ لمرتكبه؟ في مسرحية يوربيديس، تُحقق «ميديا» انتقامها بانهيار «ياسون» وتداعي آماله، لكنها تخرج من التجربة وقد فقدت الرابط الأخير الذي يشدُّها إلى الحياة. تصدق على «ميديا» مقولة فرانسيس بيكون بأن الانتقام «ضربٌ من العدالة المتوحشة»، فهو عدالةٌ لأنه يردُّ مظلمةً لا ننكرها، فقد ظُلمت «ميديا» و«نورا» ظلمًا شديدًا، لكنه متوحش لأنه يتجاوز حدود الحق ويجعل المظلوم قاضيًا وجلادًا في الوقت نفسه. وهذا هو البعد الغائب عن تلك التعليقات التي تُنصِّب «نورا» بطلةً، بينما هي تمضي في المسار المأساوي ذاته الذي سلكته «ميديا»، فنحن كثيرًا ما نتلذذ بما يفعله الآخرون طالما بقي في حيز الخيال أو بعيدًا عن واقعنا.
في «طالع نازل»، يبدو الانتقام أقل دموية وأشد ارتباطًا بتفاصيل الحياة اليومية، إذ تتجلى محاولات «نورا» لتدمير «علي» في انشغالها المفرط بتفاصيل حياته، بدءًا من اختراق هاتفه وتتبع رسائله، وصولًا إلى افتعال المواقف لضمان بقائه في المنزل، ككسر إناء الزرع لاستدعاء عاملة النظافة، ثم مراسلة «مي» من هاتفه لتوهمها بوجوده معها. هذه الحيل جعلت من «علي» محور يوم «نورا»، فباتت، وهي تسعى إلى استرداد كرامتها، أسيرةً لحراسة الرجل الذي جرحها، ليتحول البيت الذي أرادته سجنًا له إلى سجنٍ لها هي الأخرى.
ترى حنة أرندت في كتابها «الوضع البشري» أن الانتقام استجابة آلية للإساءة، يُبقي الطرفين مشدودين إليها فيعيدان إنتاجها في سلسلة لا تنتهي، وتؤكد أن الصفح والعقاب وحدهما القادران على وضع حدٍّ لهذه السلسلة، مشيرةً إلى أن البشر عاجزون عن الصفح عما لا يستطيعون معاقبته. تضيق اختيارات «نورا» لأنها تدرك أن «علي» سيفلت من العقاب، ولذا عجزت عن الصفح عنه، وما تعيشه منذ ذلك الحين هو تجسيدٌ يومي لفكرة أرندت، فكل حيلةٍ تدبرها تشدها إلى «علي» أكثر، وكل يومٍ تقضيه في مراقبته يعيدها إلى لحظة الانكسار الأولى التي سعت إلى الخلاص منها.
تمنح المأساة الإغريقية بطلتها خروجًا أسطوريًّا على عربة إلهية، بينما تنتهي طرق «نورا» في القاهرة المعاصرة عند أبواب المحاكم. لذا، أجدني بصفتي قانونية ملزمةً بتنحية الدراما والأدب جانبًا، والنظر إلى أفعال «نورا» من زاوية قانونية بحتة؛ فأغلبها أفعال تقع تحت طائلة قانون العقوبات، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون المخدرات. بل إن بعض هذه الأفعال، كإعطاء المواد الضارة، قد يرقى إلى مرتبة الجنايات التي تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد إن ثبت قصدها الإيذاء حتى الموت. في المقابل، يقف خطأ «علي» عند حدود الجنحة، متمثلًا في إدلائه ببيانات مضللة أمام الموثِّق ليتزوج بأخرى دون إخطار «نورا»، وهو خطأ كان يمنحها الحق في طلب الطلاق وحفظ حقوقها، وهو المسار الذي فكرت فيه «نورا» قبل أن تتخذ قرار الانتقام.
قد لا يُعد الزواج بأخرى خيانة في الشرع أو القانون، غير أن ما فعله «علي» يُقرأ في ميزان الأخلاق قبل أن يُقرأ في ميزان النصوص، لأنه نقض اتفاقًا عرفيًّا جمعه بـ«نورا» منذ البداية، اتفاقًا لم يُكتب في وثيقة ولم يشهد عليه موثِّق، عقدَه معها والتزم بحيثياته حين كان في أضعف حالاته، يوم آمنت به، ودافعت عن موهبته، وأرجأت حلم الأمومة لترضيه. فلما بلغ المكانة التي حلم بها نسي اليد التي حملته إليها. «علي» مثل «ياسون» يبرران ما حدث بالمصلحة والحاجة والضعف، وكأن الوفاء لمن صنعهما دَين يسقط بالنجاح، وقف «ياسون» محميًّا بعقد ملكي بينما كانت «ميديا» غريبة يتهددها النفي، كما يقف «علي» اليوم محميًّا بحقه في التعدد ضاربًا عرض الحائط بالتزام معنوي وكلمة شرف سقطت مع أول اختبار.
لست في مكان «ميديا» أو «نورا»، ولا أتخيل فعلي في مكانهما، لكني أميل إلى أن الانتقام في هذه الحكايات يمنح المنتقمة لحظة خاطفة من الرضا، تشبه الابتسامة التي ارتسمت على وجه «نورا» في ختام الحلقة الخامسة حين رأت «عليًّا» يعثر على اللحن الذي زرعته في نومه، ثم يأخذ منها بعد ذلك ما تبقى.
قد يُعترض على مفهوم الصفح الذي دعت إليه أرندت بأن ما ارتكبه «علي» يتجاوز حدود الغفران، لكننا قد نكون أحوج إلى الغفران من الآخر، وهو لا يكتسب حقيقته، كما يرى جاك دريدا، إلا حين ينصبُّ على ما لا يُغتفر. فالعفو عن الهفوة الصغيرة ليس سوى مقايضة، أما الغفران الحقيقي فيتحرر من الحسابات، ولا يشترط ندم المسيء، ولا يُلزم المُساء إليه بالمصالحة أو البقاء. وبهذا المعنى، كان القانون، على نقصه، قادرًا على منح «نورا» مخرجًا أقل كلفة، مخرجًا يضاهي الباب الذي صفقته بطلة إبسن في مسرحية «بيت دمية» خلفها، تلك التي تحمل بطلة «طالع نازل» اسمها، وتسير في الاتجاه المعاكس لها. كان على «نورا» القرن الحادي والعشرين أن تنقذ ما تبقى من عمرها لتعيش بعيدًا عن ذلك الانتقام الذي أكلته «ميديا» باردًا، فسمَّمها هي أيضًا.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.