تحجيم الذكاء الاصطناعي، «إما ذلك أو الموت»
.png)
هذه الفكرة التي أعانتني في بداية عملي ليست إلا ما يجعلني مغمورًا بالتراب الآن...
وكالملاك الذي طمع في الحصول على القدرة الكليَّة ها أنذا محكومٌ عليَّ بجحيم أبدي.
«فرانكنشتاين»
ماري شِلي
أعترف بأنني انخدعت. وأقرُّ بذلك منذ البداية على عكس من ادَّعوا الفطنة في نهاية القصة. ولكن هل انتهت القصة حقًّا؟ وهل خمدت توابع الزلزال الأدبي الذي صنعته قضية تيليسون أورليان وروايته الفذة المتهمة، بل المدانة، بأنها ثمرة الذكاء الاصطناعي؟ لقد كانت «إما ذلك أو الموت» الرواية التي أجمع كل من قرأها على أنها رواية الموسم، وأنها تحمل قيمةً أدبية وإنسانية لا نظير لها في كل المعروض على الساحة الفرانكفونية، فإذا بها بين ليلة وضحاها تصبح في لب جدال محموم ينسبها إلى الآلة، وينزع عن صاحبها كل مصداقية أدبية.
تابعتُ النقاش الدائر حول الرواية وكاتبها المُدان بالسرقة الأدبية أيضًا، وما استتبعه من سجالٍ سياقي حول خطورة الذكاء الاصطناعي على حرفة الكتابة، وتابعت كيف تحولت القضية إلى دفاعٍ مؤدلج ضد العنصرية… ثم قرأت الرواية. قرأتها على مهل، كمن يبحث عن أدلة للإدانة. وحين أتممتها، ساورني شعورٌ بالرعب، فلو كان هذا النص الفريد من إبداع آلة، فإن الإنسانية تكون قد جاوزت مرحلة اللاعودة.
قاومتُ كل الشكوك وعارضت كل الادعاءات، لأن النَّص عظيم ومؤثر ومربك، ولأنه يحكي تجربة حياتية كُتبت بالدموع وبالدماء وبالكرامة المهدرة. إنها قصة «جونا دورليان» النازح من هايتي، الذي خاض رحلة هجرة شاقة عبر أمريكا الجنوبية وصولًا إلى الولايات المتحدة، ومنها إلى ملاذه الآمن في كندا. رواية أهوال تقطر بالإنسانية، تتأرجح بين آلام الرحلة واندفاع المغامرة الهزلية. فإذا بوجه الآلة يسفر من وراء القناع، لتنتهي القصة باعتراف المتهم.
القصة من البداية
بدأ الأمر كفلم سينمائي، بطلُه كاتب كندي من أصل هايتي، حازت روايته الأولى نجاحًا كبيرًا في كندا، لتعيد دار غراسيه الفرنسية نشرها، فتتصدر الواجهات وتحقق أعلى المبيعات، حتى جرى التعاقد على ترجمتها لأكثر من عشرين لغة، وترشحت لكبرى الجوائز الأدبية وفي مقدمتها جائزة الغونكور المرموقة. وفي غمرة هذا الاحتفاء، يحل الكاتب ضيفًا على أهم البرامج، ويُكال له المديح من أهم الوجوه الأدبية المعروفة التي تتصدر المشهد. قيل إن لغته سامقة تخطف الأنفاس، وإن روايته ليست بأقل من «أوديسة» جديدة ترسم ملامح اللاجئ وتعرض صروف المشقة التي يكابدها على طريق خلاصه، وقيل إن كتابه مفعم بروح السخرية الموجعة، وإن بعض مقاطعه تستحضر أمجاد فيكتور هوغو، شاعر فرنسا الأكبر. هذا الإجماع على التمجيد أربك الكاتب، الذي لم يجد في تعليقاته القليلة والبسيطة سوى كلمات مفعمة بالامتنان، يكسوها شيء من عدم التصديق.
وفي اليوم الذي يُمنح فيه أوريليان جائزة فناك الكبرى لعام 2026، التي يقررها 400 قارئ و400 صاحب مكتبة، ينشر حساب مجهول على إكس تغريدةً تفيد بأن فحصًا للرواية ببرنامج بنغرام يشير إلى أنها «كُتبت بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي». سرعان ما تلقفت كبرى الصحف التغريدة ونشرتها على نطاق واسع، وتزامنت معها شواهد تؤكد تورط الكاتب في انتحال مقالات سابقة ونِسبتها إلى نفسه، مع ثبوت سرقات أدبية أخرى في كندا وفرنسا. ومع تصاعد الهجوم عليه، قررت أكاديمية الغونكور شطب الرواية من قائمة أعمالها المرشحة للجائزة بمختلف فروعها.
بعد أن كان الحديث الذي تستدعيه الرواية يهمُّ سردية المنفى وعذابات اللاجئين، بات ذكرها اليوم يثير تساؤلات حول ماهية الكتابة في عصر تسوده الضبابية وتتوه فيه ملامح الإبداع الإنساني لصالح الآلة. تاه موضوع الكتاب بعدما وُصم الكاتب بالسرقة الأدبية وبشبهة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. لكن العجيب أن مبيعات الرواية قد تضاعفت، وأن أعضاء من لجنة تحكيم جائزة الغونكور ظلوا يدافعون عن الرواية، منهم الروائي إريك إيمانويل شميت الذي صرح بانقسام اللجنة حول قرار الاستبعاد، وأضاف مازحًا: «لو أن هذه الرواية البديعة مكتوبة بالذكاء الاصطناعي فلنستعن به جميعًا في تأليف رواياتنا!».
كما دافع عنها باسكال بروكنير، عضو آخر بلجنة الغونكور، قائلًا إنه ما من رواية تضاهيها إبداعًا بين كل ما قرأه مؤخرًا، مؤكدًا أنها لو بقيت في السباق لنالت الجائزة، وعلَّل رأيه بأن الآلة هي التي تسرق إبداعات البشر، وأنها غير قادرة حتى الآن على إثبات ادعاءاتها بصورة قطعية. ولإثبات عدم قطعية نتائج برنامج بنغرام 4، استخدمه بعضهم لفحص مقاطع من الكتاب المقدس والدستور الأمريكي، فكانت النتيجة في الحالتين أنهما من إنتاج الذكاء الاصطناعي!
وفي خضم هذا الجدل، ساهم الاستقطاب السياسي والأيديولوجي في فرنسا في تحويل المسألة إلى معركة إعلامية تؤجج الحساسيات العنصرية، إذ تراشق اليمين واليسار بالاتهامات. فبينما اتهم اليمينُ اليساريين بالانحياز إلى الكاتب بدوافع مناهضة للعنصرية، زعم اليسار أن استبعاد الرواية جاء بإيعاز من اليمين المتطرف، خشية أن تروِّج للتعاطف مع اللاجئين عشية الانتخابات الرئاسية المرتقبة. ودارت على وسائل التواصل والمنابر الإعلامية معارك لم تنجُ من الشخصنة والتشهير بأوريليان، مما أدى إلى تجييش مشاعر مواطنيه في هايتي والمتعاطفين معه. وإذ لاذ المتهم بالصمت المطبق، ذهبتُ أتلمَّسُ بعض اليقين في قراءة الرواية.

في حضرة الجوكندا
بدا لي التماس اليقين بين سطور الرواية أشبه بمن يطالع ابتسامة الموناليزا. أين هي الحقيقة؟ أهي في السرد الممتع الذي ينسجه الكاتب حول شخصية الراوي «جونا دورليان» صنوه وشبيهه في تجربته الخاصة في المنفى، التي نشعر عبرها بروح المؤلف في كل كلمة؟ أتكون تلك الروح هي روح الآلة؟ أم أن الحقيقة واضحة عبر العلامات الأسلوبية المعتادة في النصوص المولدة عبر«تشات جي بي تي» وأشباهه، التي تطل برأسها بوضوح من النص؟ يرتكز النص بنيويًّا على نسقٍ متكرر، تغلب عليه الجملة ثلاثية الأجزاء، وتكثر فيه الصيغ القائمة على تركيبة «هذا ليس س بل هو ص»، فضلًا عن وفرة التشبيهات داخل السرد. كما يميل النص عند التعداد إلى عطف المعنوي على المادي، كقوله: «راتب يكفيني لشراء بعض الأرز والصابون وثلاثة كوابيس».
يُضاف إلى تلك العلامات تفضيل الجمل المكتنزة بالحكمة التي تبدو كأنها جمل يمكن اقتطاعها من السرد لتسدَّ مسد حقيقة مطلقة، من قبيل «يجدر بالمرء أن يتحلى بشيء من الجبن لكي يبقى على قيد الحياة في بلد مأهول بالشجعان الأموات.» وهذا، للمفارقة، من أكثر ما أشاد به القراء الذين سحرهم النص. لكن تلك العلامات كلها نجدها، وإن بوتيرة أقل، في نتاج كثير من الأدباء الكلاسيكيين. فهل أُلقمت الآلة أعمال فيكتور هوغو ليصبح هذا نتاجها؟ لقد باتت بعض هيئات التحرير في صحف فرنسية تفرض على كتَّابها تجنب تلك الأساليب اتقاءً لتصنيف كتاباتهم بأنها مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، لا سيما في ظل اعتماد كثير من تلك الصحف على برامج لكشف الكتابات المولدة آليًّا. فهل صارت الآلة تملي علينا كيف نكتب، فتسلبنا أساليبنا وتحرَّمها علينا؟
أين هي الحقيقة؟ هذا النَّص مكتوب بإيقاع مدروس، كأنه مكتوب بمداد الروح، بمحتويات الحقيبة البلاستيكية الممزقة المؤنسنة: الصابونة التي لم تفلح في غسل مهانة المنفي، صورة الأم التي بقيت تشده إلى جذوره المتلاشية، فرشاة الأسنان المستهلكة التي تمسح من فمه مرارة الإهانة وتفرك عنه قبضة الجوع، وكتاب الشعر الذي يعيد إلى تلك الروح أجنحتها المسلوبة في رحلة الخوض بين الأوحال. صفحات من الرعب الدامي في أدغال داريان في بنما، وأحزان الذين سقطوا في الطريق من الدومينيكان إلى المكسيك، تجاورها صفحات من الضحك المجنون داخل الميكروباص الصغير الذي انحشر بداخله الراوي مع سبع وأربعين نفسًا طوال أربع عشرة ساعة، وقهقهات تتفجر حين يزوره طيف جدته المتوفاة وقد ارتدت سروالًا داخليًّا لتضربه بعصا كي يقوم من فراش الاحتضار ويواصل طريق الخلاص بكرامة.
وثمة أيضًا قصة الحب العذب العابر مع «لوزميلا» التي تنبعث منها رائحة الصابون والعسل وسط مخيمات الإيواء وعلب السردين المكتظة بطالبي اللجوء. وهناك الأعمى الذي اشترى جورب البطل، الجورب الذي حين باعه صاحبنا شعر بأنه باع جزءًا من هويته الضائعة لأنه كان هدية من قريبةٍ في بلدته. وهناك الرجل الذي التفت إليه فوق الطوف الذي يصارع الأمواج وتمنى أن يعيش «دورليان» من بعده ليحكي حكايته. ثم الوقوف المهين على حدود أمريكا ترمب شهورًا في انتظار موعد على تطبيق «CBP One» الذي يفتح بوابة كاذبة، وصلف أفراد شرطة الهجرة (ICE) ووحشيتهم. ثم صفحات لجوئه إلى كندا، ومعطف السوري «محمود» المتوفى المُهدى إلى صاحبنا ليقيه برد الكيبيك الضاري، وعلاقة الأخوة التي نمت بينه وبين سكان الشقة المشتركة، وفلسفة الطقس في كندا الذي يشبه شتاؤه مواسم الانتظار وصيفه موسم الوصول. كلها صور تنضح بمشاعر إنسانية وتفاصيل محض بشرية. هل الآلة هي التي ولَّدتها؟ هل صارت الآلة قادرة على توليد كل هذا الجمال؟ هل سلبتنا الآلة حرفة صناعة الجمال؟ هل أنشأ الإنسان ما من شأنه تدميره مثلما خلق الدكتور «فيكتور فرانكنشتاين» المسخ الذي قتله؟
آفة حارتنا الأدبية
من هو الكاتب؟ ومتى تتجاوز الأداة المساعدة دورها لتحتل مكانة المؤلف؟ تضع بعض المطبوعات البحثية ضوابط معلنة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأبحاث لا تتعدى التنظيم والترجمة، في حين حُسم الجدل في مجال الموسيقا منذ أكثر من خمسين عامًا، إذ أُدمجت التقنيات الإلكترونية على نطاق واسع من دون أن يوصم الموسيقيُّ بأنه ليس مؤلف العمل الفني. لكن ما هو الحال في الأدب، حيث يرتبط العمل بخيال الكاتب وأدوات تعبيره عن ذلك الخيال؟ لقد تدخلت الآلة مبدئيًّا منذ استُبدل الحاسوب بالقلم لتختفي معه المسودات الأدبية التي كانت ترسم ملامح تَخَلُّق العمل الأدبي عبر الحذف والإضافة وإعادة الكتابة، وتُظهر من قبل ذلك مصداقية امتلاك المؤلف زمام عمله الأدبي. ومع اجتياح «الذكاء الفائق» مجال الأدب، بات من الضروري إعادة تنظيم العلاقة بين الناشر والكاتب، واستعادة الثقة بين الكاتب والقارئ، وتحجيم الاستعانة بأي أدوات غير بشرية عبر قوانين لا يسهل اختراقها ولا تعتمد على نصاعة الضمائر، إما ذلك أو الموت!
لقد قطعت دار النشر الكندية علاقتها بتيليسون أوريليان، وأوقفت إعادة طبع روايته البديعة. أما هو فقد اعترف بأنه التجأ إلى الذكاء الاصطناعي لعمل «بعض الأبحاث» اللازمة لروايته دون توضيح طبيعتها. وبقيت أكاذيبه وسرقاته في الميتا نص تشوه صورته وتهدم بناءه السردي السحري، لتغرق الحقيقة في بحرٍ من اللايقين. أما آفة الحارة الأدبية فليست النسيان، بل هي إصرارها حال ما سرق ميشيل ويلبيك من ويكيبيديا أفلت بالجرم المشهود، بل ومُنِح الغونكور على الرواية المنتحلة «الخارطة والأرض»، أما إذا سرق تيليسون أوريليان وأشباهه من صغار السُّراق فضحوه في ميدان عام! ذلك أن آفة حارتنا الأدبية هي الرياء.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.