«في هندسة المعنى»، الاستعارات التي نحيا بها
.png)
حين بلغني خبر وفاة ابن أخي عمر، كانت أمي لا تزال على سجادة صلاتها، تتضرع إلى الله أن ينقذ حفيدها الذي أُدخل العناية المركزة إثر حادثٍ تعرَّض له. وقفتُ أنتظرها، أبحث عن كلماتٍ تخفف عنها وطأة الصدمة، وحين التفتت إليّ، لم أجد ما أقوله سوى: «مشى عمر». كلمتان فقط؛ لم أنطق بكلمة «مات» رغم وضوحها في مثل هذه المواقف، اختار لساني ما يقوله نيابةً عني، ليمهد السبيل الوحيد الذي يمكن لخبرٍ كهذا أن يعبر به إلى قلب جدة.
الموت
إذا تأملنا لغتنا اليومية، سنكتشف حجم الاستعارات التي نلجأ إليها لتخفيف ثقل بعض الكلمات، وهذا ما يحلله عبدالمجيد جحفة في كتابه الصادر حديثًا عن دار توبقال المغربية: «في هندسة المعنى: أبحاث في ألفاظ الموت والأكل والشرب واللون والضرب». وجحفة هو مترجم كتاب لايكوف وجونسون «الاستعارات التي نحيا بها»، العمل الذي نزع عن الاستعارة صبغة الزينة وأعادها إلى بنية التفكير؛ فحين نقول إن «الوقت من ذهب»، فنحن نفكر فيه تفكيرنا بالمال؛ ننفقه، وندخره، ونهدره.
يفتتح جحفة أبحاثه بالموت، مختبرًا هذه الأطروحة في تجربة تبدو بواقعيتها أبعد ما تكون عن المجاز. وقد سبقه إلى ذلك اللساني بولتينك في دراسة يحيل إليها الكاتب، قلب فيها عنوان كتاب لايكوف وجونسون فسمَّاها «الاستعارات التي نموت بها». غير أن قراءة المتن العربي توحي بما هو أجمل، فهذه ليست الاستعارات التي نموت بها، فالميت لا يحتاج إلى استعارة، إنها الاستعارات التي نحيا بها بعد موت من نحب.
يدرس جحفة أفعال الموت في المتون العربية، فيجدها متونًا تتجنب لفظ الموت وتعمل على «تدجينه»، أي ترويض ما هو وحشي وإدخاله إلى حيز الألفة. وأداة التدجين الأولى هي السرد؛ فالعربية لا تكتفي بإخفاء الموت، بل تصنع منه حكاية ذات شخصيات وأحداث تنتظم وفق ترتيب زمني وسببي. فالموت فيها شخص يأتي ويحضر ويدرك، كما في عبارات: «حضره الموت»، و«أدركه الموت». وفي مقابل الموت الذي يتحرك، ثمة الميت الذي يتحرك أيضًا، إذ «يلبي داعي ربه»، و«يلتحق بالرفيق الأعلى»، و«يرحل»، وتُعاد روحه «أمانةً» إلى صاحبها، أو كقول أهل عسير: «سرحت فلانة»، أو قول المغاربة: «دا مول الأمانة أمانتو» أي استرد صاحب الأمانة أمانته. وقد يهوي الميت إلى الأسفل كما في «خرّ» و«وجب وجوبًا»، أو «يرتقي إلى الأعلى» إن كان شهيدًا.
أما الأداة الثانية فهي الكيفيات، التي تنزع عن الموت قناعه المُهذَّب، إذ نراه يحصد، ويفترس، ويختطف، وينشب أظفاره. وتُسمِّيه العامية المغربية «لْعْدُوّة» و«لْكافْرَة» لتأنيثه في دلالتها. كما يُصوَّر الموت مُطفِئًا للحياة تمامًا كشمعة تنطفئ، وهي صورةٌ تتقاطع فيها العامية مع اللغة الفرنسية في تعبيرها عن الميت بـ«انطفأ» (il s'est éteint).
الأكل
إذا كان الموت هدفًا تتزاحم عليه مجالاتٌ شتَّى، فإنَّ للأكل شأنًا يشبهه ويتجاوزه، إذ يمدُّ استعاراته لتشمل الفكر والعاطفة والرغبة والسلطة. يرى جحفة أن استعارة «الأفكار أغذية» عند لايكوف وجونسون ليست سوى «جزيرة وسط أرخبيل». والأهمُّ في رأيه أن الاستعارة لا تستوعب المجال المصدريَّ بكامله، بل تنتقي منه عنصرًا وتغفل ما سواه. لذا يُحلِّل فعل الأكل حسب مراحله: الجوع، والمضغ، والبلع، والهضم، والتذوق، والشبع، مبيِّنًا أن كل استعارة تختار مرحلةً بعينها، فالحاجة ظمأٌ إلى المعرفة، والفهم هضمٌ، والتجربة تذوُّقٌ، والقراءة نَهَمٌ والتهام.
يمكن النظر إلى فعل الأكل من زاويتين: الآكل والمأكول. من جهة الآكل، هو عملية إدخال واستيعاب، أي تحويل الشيء الخارجي إلى جزء منا، كما نقول «التهمنا الكتب». أما من جهة المأكول، فالصورة تختلف؛ إذ يخضع المأكول، كما يرى جحفة، للمضغ واللوك والقضم، لذا فإن فعل الأكل يُعدُّ الأنسب للتعبير عن صور التدمير، فحين نقول «المهنة تأكل أبناءها» أو «الندم يأكل صاحبه»، فإننا ننظر إلى المأكول بوصفه ضحيةً تُستهلك وتفنى. وقد يتبدل موقع الضحية في الفعل الواحد، ففي عبارة «ابتلع الرواية الرسمية»، الضحية هو الآكل نفسه لأنه صدَّق دون تمحيص، بينما في عبارة «ابتلعت الشركة منافسيها»، الضحية هم المأكولون. ويختصر المثل المغربي «خاصك تتغدى بيه قبل ما يتعشى بيك» هذا المنطق في نصيحة واحدة: إما أن تكون آكلًا أو مأكولًا.
.jpg)
اللون
حين ينتقل جحفة إلى الألوان، يستدعي آلية أخرى من آليات هندسة المعنى، وهي الكناية التي يراها «مفهومًا أساسيًّا في دلالة الألوان». ويطرح فرضية مفادها أن أسماء الألوان مشتقة في أصلها من أسماء الأشياء، فحين نقول «برتقالي» أو «رمادي»، نحن نستعير اللون وحده من البرتقال والرماد، ونتجاوز الشكل والطعم والرائحة. فالسيارة الرمادية لا تمت للرماد بصلة سوى في لونه. نحن إذن، كما يرى، «بإزاء كناية الكل عن الجزء»، حيث يُذكر الشيء بتمامه ويُراد منه لونه فحسب. ويُسمي جحفة هذه العملية «الإفقار الدلالي»، أي إلغاء جميع سمات الشيء ما عدا لونه، واصفًا إياها بأنها «آلية كنائية بامتياز». وتتميز صيغة النسبة هذه بأنها شفافة ومفتوحة، تلد لونًا جديدًا بنسبه إلى شيء جديد، في حين تظل الصيغة القديمة «أفعل»، كأحمر وأخضر وأسود، مغلقة، إذ نُسيت أصولها حتى باتت ألوانًا خالصة.
وهذا يُحيلنا إلى دور البحث في أصول الكلمات، الذي يقول عنه جحفة إن «من شأنه أن يرسم صورة ما اندثر»، فهو يربط الأحمر بـ«الحَمْر» أي القِشر، كأنَّ البشرة شديدة الحُمرة هي بشرةٌ مُقشَّرة. ويجد في «الأخضر» ما هو أعجب؛ إذ تقول العرب «اختُضِر الشاب» إذا مات فتيًّا، وأصل ذلك النبات الغضُّ، ومنه تسميتنا للبقول بـ«الخضراء» لأنها مختضرة، أي جُزَّت قبل أن تبلغ تمام طولها.
يستعرض جحفة الانتقادات التي وُجِّهت إلى برلين وكاي، اللذين افترضا وجود أحد عشر لونًا كليًّا تظهر في اللغات بترتيب ثابت، إذ ردت ماكنيل بأن ألوان لغة «النافاهو» كانت في الأصل أسماء معادن تُستخدم في طقوسهم، بينما ذهبت فيرزبيكا إلى أن الكلية تكمن في الإبصار لا في اللون. ومع أن المؤلف لا يخوض في هذا السجال، فإنه يختم دراسته بأن فرضيته القائمة على اشتقاق أسماء الألوان من أسماء الأشياء «تنسجم مع النسبية البيئية والثقافية»، وهو ما يعده «انتقادًا جديًّا لنظرية الكلية».
غير أن فرضية جحفة، في اعتقادي، تنطوي على معضلة؛ فكلما تقادم اللون توارى دليله، إذ تفتقر أمثلتها الحاسمة إلى معاجم قديمة يختلط فيها التأثيل بالتأويل. فهل سمي القَشر حَمرًا لأنه يفضي إلى الحمرة؟ أم استمدّ لفظ الأحمر من القَشر؟
الضرب
في فصل الضرب نجد المفتاح الذي يفسر عنوان الكتاب «هندسة المعنى»؛ إذ يفتح جحفة باب «لسان العرب» على مادة «ضرب»، فيجد معاني متباعدة في الظاهر: فضربُ الدرهم سَكُّه، وضربُ العقرب لَدْغُها، وضربُ العِرق نَبْضُه، والضربُ في الأرض الخروجُ للتجارة أو الغزو. بل يبدو الفعل متضمنًا الشيء ونقيضه؛ فمن ضرب في الأرض سار، ومن أضرب في البيت أقام، ومن أضرب عن الأمر كفَّ. ويرى الكاتب أن المعاجم «تكتفي بتعداد المعاني وإدراجها في بنيات مستقرة وثابتة: لا دينامية فيها تفسر هذا التعدد».
يعود الكاتب إلى السؤال: ما الضرب؟ ليخلص إلى أنه «حركة تتجه من كيان إلى كيان»، تتضمن ضاربًا ومضروبًا وأداةً وغايات وأحداثًا فرعية. وهذا هو «المعنى الطرازي» الذي تُشتق منه المعاني الأخرى. لذا، يُرجع جحفة هذه المعاني المتنافرة إلى تلك النواة؛ فالإقامة «أضرب» مستمدة من ضرب الوتد بوصفه من لوازمها، والكف عن الأمر «أضرب» مستمد من فعل الراكب الذي يضرب دابته ليصرفها عن وجهتها، فيُوضع الضرب موضع الصرف والعدول. أما ضرب الدهر بيننا، فيعني التباعد، حيث يُستعار الزمن من المكان، فيمسي الزمن شخصًا يبتعد.
يستخلص جحفة من هذه النواة فرضيته، السياق «يُكرِه الكلمة على معنى معين، لكن الإكراه يكون في حدود الممكن»، لأن «هناك هندسة للمعنى تتحقق في كل هذه الاحتمالات». وأداته هنا ليست لايكوف، بل بوستيفسكي ونظريته في «المعجم المولد». بها نفهم من «أنهى الشاي» أنه شربه، ومن «أكمل الدجاجة» أنه أكلها، في «قسر وإكراه فرضه السياق».
أخرج جحفة الاستعارة من بطون كتب البلاغة إلى رحاب الحياة اليومية، جاعلًا من كلماتنا العابرة شاهدًا على طرائق تفكيرنا. ولم يكتفِ بالتنظير، بل جادل لايكوف، وانحاز إلى النقد النسبي في دلالات الألوان، كما اختبر في «الضرب» أدواتٍ تتجاوز الاستعارة. ومع ذلك، يظل الكتاب معتمدًا في جُلِّه على المعاجم و«لسان العرب» أكثر من اعتماده على ألسنة الناس، وهو ما يطرح تساؤلًا يستوجب بدوره فصلًا مستقلًّا: أيُّ هذه الاستعارات لا نزال نحيا بها؟ وأيها مات ولم يبقَ منه سوى أثرٍ في المعجم؟ وأي الاستعارات يحيا بها جيل زد؟
قراءة هذا الكتاب ممتعة، أو لعلي أقول إنه كتابٌ لا يُبتلع دفعةً واحدة، فمن يبتلعه يفوته طعمه. إنه يُستساغ على مهل، فصلًا بعد فصل، وكلُّ فصل يترك في الفم مذاقًا يجمع بين مرارة الموت وحلاوة الأمثال، ويطبع في العين ألوانًا لم نكن نعرف كنهها. أما أنا، فلن أسمع بعد اليوم كلمة «مشى» دون أن أرى خلفها طريقًا وصعودًا، وجدَّة تقف منتظرة عند نقطة الانطلاق.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.