كيف نقرأ «باتمان حلوان» لطارق إمام


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

خلال قراءتي رواية «باتمان حلوان» للكاتب المصري طارق إمام، الصادرة عن منشورات تكوين الكويتية بالتزامن مع طبعة مصرية عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، وجدتني أتساءل عن المدخل الأكثر ملاءمة لقراءة هذا النص وفهم عالمه الروائي.

وما فرض هذا السؤال هو البناء المدهش للرواية، التي تنتمي إلى ما يمكن تسميته «الرواية الهجينة»، إذ تجمع بين السرد الأدبي وفن الكوميكس من جهة، وتنفتح، من حيث المضمون، على الواقعية السحرية أو فانتازيا المدينة من جهة أخرى. يقوم هذا البناء المركب على ثنائية تتكرر في عدد من الشخصيات والعوالم، وتمتد من مستويات الحكاية إلى بنية النص نفسه. فالخيال يقابل الواقع، والسرد الأدبي يجاور الصورة، وتتحول الازدواجية من سمة في عالم الرواية إلى مبدأ بنائي يحكم طرائق تشكلها وتلقيها. كأن الرواية تقترح، من خلال هذا التعدد، طريقة خاصة لقراءتها، تستدعي الانتباه إلى ما يقع بين السرد والصورة، بين الواقعي والمتخيَّل.

يوحي عنوان النص برواية مصورة مستوحاة من عوالم الكوميكس، غير أن القارئ يفاجأ بسردٍ مكثف يُبطئ الإيقاع الحكائي، ويُحوِّل الحركة والأشياء إلى علامات تتجاوز وظيفتها المباشرة لتنفتح على دلالات أوسع. لا يهدف هذا التباطؤ إلى تعطيل السرد بقدر ما يبدو محاولةً لمقاومة القراءة الاستهلاكية، ومنح القارئ فرصةً للتمهُّل والمشاركة في إنتاج المعنى.

غلاف «باتمان حلوان»
غلاف «باتمان حلوان»

يأتي السرد محاولةً لتأمل تفاصيل الفوضى التي تعيشها مدينة حلوان الافتراضية في زمن مستقبلي عام 2031، حين ينفلت النظام ويعمُّ النهب. وفي هذا الاضطراب، تأتي عبارة «ارتبك العالم فازدوج»، على لسان إحدى شخصيات الرواية، لتقدم مفتاحًا أساسيًّا لفهم منطق النص. من بين هذه الشخصيات «جو»، غريب الأطوار الذي يمتلك مفتاحًا يتيح له فتح باب أي شقة في المدينة، غير أن غايته تقتصر على تأمل ما تحتويه، قبل أن ينبثق منه «باتمان حلوان». وهناك «سيلينا» التي تعيش مع والدها ضابط أمن الدولة الملقَّب بـ«الكُلّ»، وقد وُلدت، وفق السرد، من أمٍّ ميتة، فوجدت تعويضًا عن ذلك في لغة غريبة تعلَّمتها قبل أن تتعلم الكلام. وتعيش معهما أيضًا «سناء»، زوجة الأب المصابة بالسرطان، تزوجها الضابط بعد أن التقاها في محل لبيع الباروكات، إذ كان يرتدي باروكة تخفي صلعه، ما يجعله كثير التردد على تلك المحلات.

ويقيم «الكُلّ» مع أسرته في منزل متاخم لمقبرة للسيارات، في منطقة نائية، وفي جانب المقبرة رضيع ميت في حفرة، يواصل النمو مع أن حياته لا تتجاوز صورة رضيع مدفون فيها؛ يرعاه الضابط المتنفذ، وتراقبه «سيلينا»، ويعتني به «جو» أو «باتمان».

الخيال الباطن - الظاهر

وُجد «باتمان» وعاش زمنًا في باطن «جو» وفي خياله، حيث شيَّد لنفسه حياة مكتملة داخل كهف للخفافيش، يقود سيارته الشهيرة «باتومبيل»، ويقيم علاقات مضطربة مع شخصيات عالمه، في مقدمتها «الجوكر». يذهب «جو» إلى مصنع «كيما حلوان»، حيث يعمل، مع أن اليوم يصادف يوم إجازته، فيمنعه الحارس من الدخول، لكنه ينجح بعد عدة محاولات في مراوغته للوصول إلى المعمل. وهناك، في مفارقة تعيد إنتاج منطق الكوميكس، يسقط في حوض للنفايات الكيميائية، غير أن جسده لا يذوب في الأحماض، وإنما يخرج منه «جوكر».

أغلفة كومكيس «باتمان»
أغلفة كومكيس «باتمان»

يستثمر الكاتب هنا أصل شخصية «الجوكر» كما تشكلت في قصص «دي سي»، عندما يفشل مهندس كيميائي في تحقيق حلمه بأن يصبح مؤديًا كوميديًّا، ثم يفقد زوجته الحامل في حادث مأساوي، وينتهي به الأمر إلى محاولة سرقة فاشلة لمكان عمله السابق، قبل سقوطه في أثناء فراره في حاوية للمواد الكيميائية السامة، فيخرج منها بشعرٍ أخضر وجلدٍ شاحب وقد أصابه الجنون.

يستكمل الكاتب هذا التداخل بين «جو» وشخصية «الجوكر» من خلال الكشف عن الجانب الفني في شخصية «جو»، الذي يظهر في ممارسته فن «البانتومايم» أو التمثيل الصامت، لتتداخل بذلك صورة العامل العادي مع شخصية الكوميكس والشخصية المؤدية، وتتسع لعبة الازدواج التي تقوم عليها الرواية.

لغتان... هويتان

أمَّا «سيلينا»، فبفضل اللغة الغامضة، تتحول إلى كائن مزدوج يستقبل العالم وفق اللغة التي تتكلم بها؛ فإذا استخدمت لغتها اليومية كانت «سيلينا»، أما إذا تحدثت بلغتها الغامضة فإنها تصبح «سيليني». يتغير العالم من حولها بتغير الاسم واللغة، لا ترى «سيلينا» في زوجة أبيها «سناء» سوى امرأة مسكينة أنهكها السرطان، عملت سابقًا ماكييرة ثم تقاعدت، ولا تستحق في نظرها سوى الشفقة، في حين تراها «سيليني» عاهرة سليطة اللسان تخون أباها، فتسميها «ثناء».

تتكرر على امتداد النص مظاهر أخرى للغة المزدوجة، بين الفصحى والعامية؛ على ألسنة «باتمان» و«جو» و«بطريق»، وأحيانًا في المزج بين المستويين، بما يجعل اللغة جزءًا من بناء الهوية نفسها. فاختلاف اللغة هنا ينتج اختلافًا في الرؤية وفي صورة الذات والآخر، فيما يكشف انسجامها عن إمكانية استعادة الشخصية المزدوجة وحدتها الداخلية، وتأسيس علاقة أكثر تكاملًا وصدقًا مع الآخر، بعيدًا عن العلاقات التي تقوم على الانقسام والزيف.

رواية المجاز

السبب الثاني الذي يدفعني إلى التساؤل عن كيفية قراءة هذا النص ينطلق من كثافة السرد، ومن كبح تدفقه لصالح تأمل كل سلوك يصدر عن الأبطال، بما يحقق شكلًا من التأويل المضاعف يوظفه الراوي في وصف سلوكيات الشخصيات وصياغة المجازات، فيبدو الأمر في النهاية محاولة لإنتاج «معنى» لعالم تتسرب منه القيم والمعاني معًا.

يستخدم المجاز، بالإضافة إلى تجميل اللغة، في بناء رؤية للعالم؛ فالمدينة والزي والحركة، وحتى الأشياء اليومية، تدخل في شبكة من الدلالات المتصلة بالهوية والسلطة والعنف والاغتراب والموت.

وينتقل الفعل من كونه أداة لتحريك الحبكة إلى نافذة تطل على وعي الشخصية وأسئلتها الوجودية، فيصبح وجود قفل على باب، أو ضحكة أو بكاء، أو ارتداء ثوب أو قناع أو شعر مستعار، أو قراءة كتاب أو مصادرته، أو تلصص الضابط على ابنته، «فعلًا» قابلًا لتأويل خاص ينفتح على فلسفة ما.

وإلى جانب تأمل الحدث الواحد من أكثر من منظور، وهو ما قد يُشعر القارئ بالملل أحيانًا، يتضاعف الإحساس باختلاف ردود الفعل والرؤى تجاه الحدث نفسه. وليس شرطًا أن يتعلق الأمر بشخصيتين مختلفتين؛ فقد يحدث لشخصيتين لهما هوية واحدة مزدوجة، مثل «سيلينا / سيليني»، أو لشخص منشطر من آخر، مثل «باتمان / جو»، أو لغيرهما.

ويختلط هذا المجاز بدلالاته مع تعدد الشخصيات، سواء من شخصيات الكوميكس الشهيرة أو من الشخصيات الواقعية. ولن تتيح مساحة هذه القراءة التوقف عندها جميعًا، فالمهم هنا أن تتبُّع الشخصيات، مهما طال، لن يقود إلى «حكاية» متسلسلة أمام القارئ، لأن النص لا يطرح سؤال «ماذا حدث؟»، وإنما يتتبع المصاير بحيث نجد أنفسنا أمام سؤال آخر تمامًا: «ما الذي يحدث ولماذا؟».

لذلك يواجه القارئ أسئلة من قبيل: كيف نتعامل مع كيان سردي تنبثق منه أكثر من شخصية؟ وكيف نتابع كل شخصية منها دون أن نفقد البوصلة، ونؤول هذا كله بما يتضمنه من دلالات رمزية، ونفككها عبر قراءة الأسئلة الفلسفية والوجودية، بل والجمالية، حول علاقة الفن بالواقع؟

سيولة الواقع - الخيال

يحقق استناد النص إلى الكوميكس سيولةً تتيح تمرير سلوكيات أو خواطر تنطلق من الواقع والخيال في الوقت نفسه. ففي بعض الفصول يتراجع السرد النثري لصالح القصص المصورة، لتروي جانبًا من السرد، إما بإضافة بعد جديد إليه، وإما بمنحه طابعًا بصريًّا أو تفسيريًّا. وقد نفذها الفنان مازن محمد، وأضفى عليها لمسة خاصة منحت الشخصيات طابعًا «حِلوانيًّا أو محليًّا»، تنفيذًا لسيناريوهات المؤلف التي كانت جزءًا من المخطوط الرئيس قبل الرسم والنشر. 

يكثِّف النص ملامح القبح عبر رصد الإفرازات البشرية والدماء والروائح وصولًا إلى القتل، ربما تأكيدًا لقبح الواقع، ما يدفع القارئ إلى التساؤل عن الرمزية المقصودة. فهل ننظر إلى «الكيانات المزدوجة» في عالم الفانتازيا المدنية والكوميكس بوصفها حالة من الانفصام؟ أم آلية دفاعية تكشف تشوهًا أعمق في بنية المجتمع؟ ففي مجتمعات القمع والأبوية المتنفذة، حيث تمتد سلطة الأب الضابط إلى مراقبة الفرد على اتساع المدينة، يصبح القناع أحيانًا أقرب إلى الحقيقة من الوجه. ومن هنا ينبثق «الوجه الآخر» بوصفه متنفسًا للرغبات المكبوتة؛ فيتخذ هيئة «باتمان» حين تتحول الرغبة في العدالة إلى نزوع انتقامي، وهيئة «الجوكر» حين تنقلب الرغبة في التحرر إلى تدمير وعدمية.

ويمكن القول إن الرواية تستثمر الازدواجية في عالم الكوميكس، وتنقلها إلى مستوى البنية الاجتماعية والسردية، فيغدو الانشطار وسيلة للعيش داخل عالم لا يسمح للذات بأن تظهر في صورة واحدة.

ومما يعزز هذه الازدواجية أن النص ينطلق من واقعة تعود إلى صيف 2022، حين بدأت مزحة على مواقع التواصل بدعوة كل من يدَّعي أنه «باتمان» إلى معركة فاصلة أمام مترو حلوان، ليلة الثالث عشر من أغسطس. سرعان ما تحولت الدعوة إلى «تريند» شارك فيه فنانون معروفون بصور يرتدون فيها قناع «الرجل الوطواط»، قبل أن تعلن وزارة الداخلية القبض على أصحابها مطلع يوليو. هكذا لم تُعقد المعركة قط، وبقي «باتمان حلوان الحقيقي» بلا وجه. ومن هذا الفراغ ينطلق طارق إمام، ليمنح الواقعة المجهَضة الحياة التي حُرمت منها. ولعلها مفارقة دالة أن تصدر الرواية في أغسطس 2026، في الشهر نفسه الذي ضُرب موعدًا لتلك المعركة قبل أربع سنوات. 

تفكيك الرموز السياسية والاجتماعية

في هذا السياق، يبدو «الكُلّ» تجسيدًا مصغرًا لسلطة أبوية ذات طابع بوليسي، تراقب من يخضعون لنفوذها وتعيد تشكيلهم، لكنها في الوقت نفسه تنتج التشوهات التي تسعى إلى السيطرة عليها. وينسحب هذا المنطق على شخصية «ثناء / سناء»، التي يعكس انقسامها وجهين متناقضين للمجتمع: وداعةً تخفي قدرًا من النفاق، وابتذالًا يخفي سخطًا مكتومًا.

أما الرضيع الميت الذي يكبر في الحفرة، فيمثِّل أحد أكثر الرموز كثافة في النص. فكونه ميتًا ويواصل النمو يمنحه دلالة تتجاوز غرابة وجوده، إذ يمكن قراءته بوصفه صورة لمستقبل أُجهض قبل أن يولد، أو لجيل وُلد في ظل شروط تجعل موته محققًا، ومع ذلك يواصل النمو.

حتى الكائنات الغرائبية، كالبطاريق والوطاويط والزومبي، تستحضر صورًا مشوهة للجماعة والوعي الجمعي. فخروجها من تحت الأرض وهجومها على الرؤوس يوحيان بمجتمع تتراكم داخله المخاوف والأفكار قبل أن تنفجر في صورة جماعية. ويأتي «حلوانتيوب» محاكاة ساخرة لعالم المنصات الرقمية وسيولة الأخبار، حيث تختلط الحقيقة بالشائعة، ويتحول متلقيها إلى جزء من آلة إنتاج الوعي وتزييفه، فاقدًا القدرة على الفعل الفردي والوعي المستقل.

هنا تكمن خصوصية سرد طارق إمام، فالمجاز لا يصف الواقع، وإنما يعيد تشكيله، بحيث تتحول المدينة والبطولة والسلطة والجسد والتفاصيل اليومية إلى صور تكشف واقعًا مضطربًا يتجاوز حدود الحكاية. «باتمان حلوان» مغامرة سردية تبحث عن المعنى والاختلاف والتفرد، وخلق أدبي، وتأكيد لدور الفن في فهم الواقع وأثر الواقع في الفن.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+20 متابع في آخر 7 أيام