أين البطل السعودي من شاشة السينما؟

شراكة بين الجيش الأمريكي وهوليوود وصلت إلى تجنيد كبار المخرجين في صفوفه.


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

أين البطل السعودي من شاشة السينما؟

عهود أبو خيرة

دوَّى صوت الإنذار في هاتفي محذِّرًا من تهديد صاروخي، فسارعت أنا وجميع من حولي إلى إسكاته والعودة إلى انشغالات الحياة. لكن استوقفني سؤال: من الجندي الذي يتولى التصدي للخطر بينما نمضي نحن في يومنا كالمعتاد؟ وكيف يعيش تلك الثواني التي تمر علينا بقلق عابر، في حين قد تتوقف على يقظته ودقة قراراته سلامة ملايين من الناس؟

وجدت نفسي أتخيَّل تلك اللحظات كأنها مشهد من فلم، والمفارقة أن الصورة التي تشكَّلت في ذهني كانت أمريكية بالكامل؛ فقد رسَّخت هوليوود في مخيلتنا صورة البطل الأمريكي عبر عشرات الأفلام، حتى أصبحت صورته أول ما نستحضره في مواقف كهذه. وهو ما دفعني إلى تساؤل آخر: لماذا لم تصنع السينما السعودية صورة بطلها العسكري بعد؟

كيف صنعت هوليوود أبطالها؟ 

في عام 1898، وبينما كانت الولايات المتحدة تخوض حربها ضد إسبانيا، انشغل الأمريكيون بمتابعة أخبار المعارك القادمة من كوبا عبر الصحف. وفي خضم هذا الاهتمام الشعبي، رأت شركات السينما الناشئة، وفي مقدمتها شركتا إديسون وبيوغراف، فرصةً تجاريةً للاستفادة من فضول الجمهور تجاه الحرب، فسارعت إلى تصوير الجنود والسفن الحربية والاستعدادات العسكرية، ونقل مشاهدها إلى الشاشة.

أرسلت الشركتان مصورين لتوثيق تحركات الجيش والسفن وعودة الجنود. ولأن تصوير المعارك الحقيقية كان بالغ الصعوبة، لجأ المنتجون إلى إعادة تمثيل بعضها أمام الكاميرا، مستعينين بجنود من الحرس الوطني. وتحتفظ مكتبة مجلس الشيوخ والنواب الأمريكي اليوم بمجموعة تضم ثمانية وستين فلمًا أُنتجت بين عامي 1898 و1901، تجمع بين التوثيق وإعادة تمثيل الأحداث العسكرية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسبانية وما أعقبها.

لكن سرعان ما انتقلت السينما من نقل أخبار الحرب إلى رواية حكايات أبطالها. ففي عام 1899، أنتجت شركة إديسون الفلم القصير «Love and War»، الذي يروي قصة جندي أمريكي يودِّع عائلته ويذهب إلى القتال، قبل أن يعود إلى وطنه منتصرًا. ومع أن النسخة المحفوظة من الفلم لا تتجاوز ثلاث دقائق، فإنه يقدم بناءً دراميًّا يتتبع شخصية واحدة عبر الوداع والحرب والعودة، ويمنح المشاهد لمحة عن الجانب العاطفي من حياة الجندي، بدل الاكتفاء بتوثيق ما يجري في ساحة المعركة.

كانت هذه إحدى المحاولات المبكرة لتحويل الجندي من مجرد عنصر في حدث تاريخي إلى بطل لحكاية سينمائية، له حياة وعلاقات وتجربة تتجاوز ميدان القتال. ولم يكُن الاهتمام بهذه الأفلام فنيًّا فحسب، فقد حظيت بإقبال جماهيري شجَّع شركات السينما على التنافس في إنتاجها، واستكشاف إمكاناتها التجارية والدرامية. ومع تطور الصناعة، اتسعت هذه التجارب تدريجيًّا، ومهَّدت لظهور أفلام روائية طويلة تتخذ من الحرب عالمًا لأحداثها.

وفي عشرينيات القرن الماضي، بدأت الأفلام الحربية تكتسب حضورًا أكبر بوصفها نوعًا سينمائيًّا جماهيريًّا، ومن أبرزها فلم «Wings» عام 1927، للمخرج ويليام ويلمان، الذي يتناول قصة طيارين أمريكيين خلال الحرب العالمية الأولى، تتداخل فيها المنافسة العاطفية مع المعارك الجوية. وقد تعاون الجيش الأمريكي مع صناع الفلم في إنتاجه، ليصبح لاحقًا أول فلم يفوز بجائزة أفضل فلم في تاريخ الأوسكار، خلال دورته الأولى عام 1929.

ومع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية عام 1941، انتقلت العلاقة بين السينما والمؤسسة العسكرية إلى مستوى آخر، حتى إن الجيش الأمريكي ضم عددًا من أشهر مخرجي هوليوود إلى صفوفه ومنحهم رتبًا عسكرية! فقد أدرك أهمية توظيف خبراتهم السينمائية في توثيق المعارك وتدريب الجنود وشرح أهداف الحرب، فاستقطب أسماء بارزة مثل فرانك كابرا وجون فورد وويليام وايلر، الذين انتقلوا من استوديوهات هوليوود إلى العمل داخل المؤسسة العسكرية، ليسهموا في صناعة أفلام تخدم المجهود الحربي.

ومن أبرز هذه التجارب تكليف المخرج فرانك كابرا، الذي التحق بالجيش عام 1942، بالإشراف على إنتاج سلسلة وثائقية بعنوان «Why We Fight»، هدفت إلى توضيح أسباب مشاركة الولايات المتحدة في الحرب للجنود. وتألفت السلسلة من سبعة أفلام صدرت بين عامي 1942 و1945، كان أولها «Prelude to War»، الذي فاز بجائزة الأوسكار عن أفضل فلم وثائقي عام 1943.

ومع اتساع هذا الدور، أنشأ الجيش الأمريكي قرب نهاية الحرب العالمية الثانية مكتبًا رسميًّا للتنسيق مع هوليوود يتبع سلاح الإشارة العسكرية، لتبدأ مرحلة أكثر تنظيمًا من التعاون بين المؤسستين. ومع مرور السنوات، تطورت هذه العلاقة إلى منظومة تعاون تشمل إتاحة المواقع والمعدات العسكرية، والاستعانة بخبراء متخصصين، وتنسيق مشاركة الجنود في الإنتاجات السينمائية.

ومن أبرز الأعمال التي حظيت بدعم الجيش فلم «Patton» عام 1970، الذي تناول سيرة الجنرال الأمريكي جورج باتون، وفاز بسبع جوائز أوسكار، بينها أفضل فلم وأفضل ممثل وأفضل مخرج.

وهكذا، صنعت هوليوود على مدى عقود صورةً متجذرةً للبطل الأمريكي، وقدَّمته بأوجه متعددة تعكس شجاعته وانتصاراته، كما تكشف مخاوفه وهزائمه وآثار الحرب عليه. وأسهم هذا التنوع، إلى جانب الإقبال الجماهيري والتعاون مع المؤسسة العسكرية، في ترسيخ الأفلام الحربية بوصفها نوعًا سينمائيًّا له جمهوره وتقاليده، يجمع بين الأكشن والدراما الإنسانية، ويتمتع بإمكانات تجارية كبيرة.

بطولات سعودية حضرت في الأفلام القصيرة 

خلال اليومين الماضيين، عدت إلى مشاهدة مجموعة من الأفلام القصيرة التي قدمتها وزارة الدفاع والحرس الوطني في المناسبات الوطنية، إذ أصبح من التقاليد الجميلة أن تحتفي المؤسسات بهذه المناسبات بأعمال تروي حكايات منسوبيها وبطولاتهم.

ومن الأفلام التي أدهشتني بقوةِ حضورها وتأثيرها فلم «العوجا 17:47»، الذي يتتبع طيارين سعوديين تتعطل طائرتهما، فيجدان نفسيهما وسط منطقة حرب، في مواجهة خطر يهدد حياتهما.

ورغم قصر مدته، يحافظ الفلم على التشويق من بدايته حتى نهايته، ويمنح شخصياته عمقًا عاطفيًّا بتفاصيل بسيطة وذكية. ففي مشهد مبكر، يتحدث أحد الطيارين مع والدته قبل انطلاق المهمة؛ مكالمة قصيرة تكفي لنلمح حياة تنتظره خارج ميدان القتال. ويتعمق هذا البعد الإنساني أيضًا في العلاقة بين الطيارين، فبعد إصابة كل منهما في موقع مختلف، تكشف حواراتهما عن صداقة وثيقة، وحرصِ كل منهما على الاطمئنان على الآخر وإنقاذه رغم الخطر الذي يهدد حياتهما.

ويتوازى هذا الجانب الإنساني مع تصعيد حماسي مشوِّق، حين تنطلق عملية عسكرية لإنقاذهما وسط تضاريس وعرة وتهديدات معادية، في سباق مع الزمن ينتهي بإجلائهم خلال إحدى وعشرين دقيقة فقط. وهنا تكمن قوة الفلم؛ إذ يجمع بين التشويق العسكري والدراما الإنسانية، ويجعلنا نهتم بمصير شخصيتين خلال دقائق معدودة، بفضل تفاصيل بسيطة منحت الخطر معناه، وجعلت نجاتهما أكثر تأثيرًا.

وفي فلم «عشرة واحد» (2022)، نتابع قصةً مستوحاةً من أحداث حقيقية لستة جنود سعوديين صمدوا في مواجهة قوة معادية تفوقهم عددًا، بعدما انقطع اتصالهم بالقيادة. وتكمن قوة الفلم في أنه يمنحنا فرصة للتعرف إلى الجنود قبل اشتداد المعركة؛ من خلال حواراتهم ومزاحهم وتفاصيل صغيرة تكشف اختلاف شخصياتهم، حتى يصبح لكل واحد منهم حضور يتجاوز زيه العسكري. 

ومع تصاعد المواجهة، تتحول هذه الألفة إلى مصدر للتوتر والخوف على مصيرهم، وصولًا إلى التضحية التي تمنح الحكاية وقعها الإنساني. وخلال عشر دقائق تقريبًا، ينجح الفلم في تقديم بطولة جماعية تجمع بين التشويق والدراما، وتؤكد أن أكثر ما يجعل المعركة مؤثرة هو معرفتنا بالرجال الذين يخوضونها.

أما فلم «سهم معزي» (2021)، فقد أدهشني كيف استطاع خلال خمس دقائق فقط أن يأخذني من الضحك إلى الحزن، ومن الخوف إلى الحماس. تبدأ الحكاية باستشهاد أحد الجنود برصاصة معادية، ثم تكفي لقطة واحدة لصديقه عند المقبرة لتختزل وجع الفقد، وتمنح الحكاية دافعها الأساسي: رغبة الجندي في الثأر لرفيقه، وهي رغبة تنبع من علاقة إنسانية تجعلنا نتفهم دوافعه ونتعلق بمصيره حتى يحقق غايته في نهاية الفلم.

والأجمل أن الفلم يحتفظ بروح الدعابة حتى في أشد لحظاته خطورة. ففي مشهد استوقفني تحديدًا، يؤدي أحد الجنود صلاته وسط نيران العدو، في حين يتولى رفيقه حمايته، ويصيح ساخرًا في وجه العدو: «يصلِّي! يصلِّي!»، وتظل هذه العفوية حاضرة في مشاهدهما متخفيين وسط الصحراء، حيث تكشف حواراتهما عن ألفة وخفة ظل لا تبددهما خطورة المهمة. وهنا تكمن براعة الفلم؛ فقد جعل الفقد والصداقة المحرك الأساسي للمعركة، واستثمر روح الدعابة في تعميق إنسانية شخصياته، لنرى خلف شجاعة الجنود رجالًا يحزنون ويضحكون ويقاتلون وفاءً لمن يحبون.

وما يجمع هذه الأفلام أنها تستند إلى بطولات حقيقية لجنود سعوديين واجهوا الحرب بكل ما تحمله من خطر وفقد وتضحيات. وما شاهدناه ليس سوى نماذج قليلة من حكايات لا تُحصى، تمتلك من الصراع والتشويق والعمق الإنساني ما يؤهلها لتصبح أفلامًا روائية طويلة. وقد أثبتت هذه التجارب القصيرة أن المادة الدرامية موجودة، وأنها قادرة على جذب المشاهد والتأثير فيه. ولعلها تكون بداية لتأسيس نوع سينمائي حربي سعودي، يجد في بطولات جنوده حكايات تستحق أن تُروى، وفي جمهور السينما من ينتظر مشاهدتها.

لكن لماذا يصعب إنتاج فلم حربي سعودي؟

الأفلام الحربية بطبيعتها مكلفة، وتتطلب معدات خاصة، وفرق عمل كبيرة، وخبرات تقنية متقدمة في المؤثرات البصرية وتصميم المعارك والانفجارات، فضلًا عن صعوبة التصوير في المواقع الصحراوية والجبلية، والحاجة إلى تصاريح وتنسيق مع جهات متعددة. وهي متطلبات تزيد من مخاطر الإنتاج وتثير مخاوف المستثمرين، خصوصًا في ظل غياب سوابق تجارية محلية كافية يمكن الاستناد إليها لتقدير العوائد المتوقعة.

ومع ذلك، بدأت السعودية بالفعل باستضافة إنتاجات سينمائية ضخمة وتنفيذها، من بينها فلم «Desert Warrior»، الذي يثبت أن تنفيذ أعمال تاريخية معقدة ذات متطلبات تقنية ولوجستية كبيرة أصبح ممكنًا، خصوصًا في ظل وجود جهات إنتاجية كبرى قادرة على توفير التمويل والخبرات اللازمة. ورغم اختلاف طبيعة هذه المشاريع عن أفلام الحرب المعاصرة، فإنها تقدم مؤشرًا على الإمكانات الإنتاجية التي يمكن البناء عليها.

لكن التحدي الأكثر تعقيدًا قد يسبق مرحلة الإنتاج نفسها، ويتمثل في تطوير نصوص درامية قوية، ووجود كتَّاب ومخرجين قادرين على التعامل مع خصوصية هذا النوع من الأفلام. فالمادة القصصية موجودة؛ هناك عديد من البطولات والعمليات العسكرية الحقيقية التي يمكن أن تشكِّل بذرة لأعمال سينمائية. غير أن تحويلها إلى أفلام روائية يتطلب بحثًا وتقصيًا وفهمًا عميقًا للعالم العسكري، بدءًا من تفاصيل الحياة اليومية للجنود وطبيعة العلاقات والتسلسل القيادي، وصولًا إلى الظروف الميدانية والنفسية التي تحكم قرارات الشخصيات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعاون أوسع بين الجهات العسكرية وصناع السينما، لا يقتصر على توفير المعدات والمواقع والتصاريح في أثناء التصوير، وإنما يبدأ من مراحل البحث وتطوير السيناريو، عبر إتاحة الشهادات والمعلومات القابلة للنشر، والاستعانة بمستشارين متخصصين، وتسهيل وصول الكتَّاب إلى هذه العوالم. وهو نموذج يمكن البناء عليه انطلاقًا من التجارب القصيرة التي قدمتها وزارة الدفاع والحرس الوطني، مع تطويره ليتناسب مع متطلبات الأفلام الروائية الطويلة.

الخلاصة؟ 

تطوير السينما الحربية السعودية فرصة تستحق أن يلتفت إليها صناع الأفلام والجهات الداعمة، وأن تُمنح حكاياتها ما تستحقه من بحث وكتابة واستثمار، لتنتقل من الأفلام القصيرة والمناسبات الوطنية إلى دور السينما، وتؤسس لنوع سينمائي جديد له حضوره وجمهوره. فكما صنعت هوليوود على مدى عقود صورة بطلها العسكري ورسَّختها في مخيلة العالم، تمتلك السينما السعودية اليوم فرصة لصناعة صورتها الخاصة، المستمدة من بطولات حقيقية وحكايات إنسانية تستحق أن تُروى.


كل المباريات بكل التفاصيل بجودة 4K

شاهد دوري روشن بأعلى وضوح الآن.


النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام