باسكاه مونغويني، هل أنتجَ الأفارقة فلسفةً أصيلة؟

لا نبالغ حين ندَّعي وجود فلسفات لا حصر لها منتشرة في مختلف الأقطار. وعليه، فإنَّ القول بأنَّ الفلسفة الأوربية التي تبلورت في بلاد الإغريق هي المنبع الوحيد للتفكير وجوهر النقد هو زعمٌ قاصر. ولعلَّ هذا الزعم ما دفع مارتن هايدغر إلى تبنِّي مركزية أوربية فجَّة حين قال: «عند اليونان كان البدء العظيم»، متغافلًا عن الإسهامات الجليلة التي قدَّمتها الفلسفات الأخرى، الآسيوية والإفريقية والأمريكية الجنوبية، للبشرية.
تسللت هذه النَّزعة إلى المستشرقين، أمثال إرنست رينان وليون غوتيه، الذين اشتبكوا مع التراث الديني والثقافي للمجتمعات العربية أو الشرقية، وانتهوا إلى أنَّ الفلسفة الإسلامية، على سبيل المثال، هي فلسفةٌ يونانية في الجوهر دُبِّجت بحروفٍ عربية. متذرِّعين بهيمنة المنطق الأرسطي والمتن الأفلاطوني على المصنَّفات العربية، إذ عدُّوها مصنَّفات لم تبتكر أفكارًا ورؤًى جديدة، وإنَّما اكتفت بالخوض فيهما وشرحهما بعناية، ليخلصوا إلى أنَّ المتون الفلسفية ببلاد المسلمين هي حارسةٌ لإرث اليونان الفلسفي.
وعليه، تصدى عددٌ من المثقفين والفلاسفة العرب المتأخرين لهذه الادِّعاءات، محاولين تفكيك النزعة الأوربية التي تُلغي الهامش، وتقصي الآخر عن دائرتها، ومنها ردود مصطفى عبدالرازق في كتابه: «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية»، وماجد فخري في مؤلَّفه المرجعي: «تاريخ الفلسفة الإسلامية».
اتسع هذا الإقصاء بسبب انبهارنا بإنتاجات الغرب وما حققه من تقدم، وهو ما تُزكِّيه المكتبات وشبكة الإنترنت بما تزخر به من مؤلفات ودراسات أولت عنايةً للمتون الغربية، وهمَّشت متونًا فكرية رزينة تقبع على مقربة منا. فلا نكاد نعثر على مشروع فكري عكف على دراسة الفلسفة الإفريقية، إلا في حدود بعض المقالات والترجمات المعدودة، رغم أنها تشاركنا الجغرافيا، وعانت الآفات ذاتها التي كابدتْها البلدان العربية من استعمار ومحنٍ وحروب مدمرة.
في سياق الردِّ على المركزية الغربية والالتفات إلى إسهامات الفلسفات المهمَّشة، أصدرت جمعية الفلسفة بالرياض نهاية عام 2025 ترجمةً لكتاب «الفلسفة الإفريقية: التحرر والممارسة»، والكتاب في أصله بحث للبروفيسور باسكاه مونغويني، الأكاديمي الزيمبابوي بجامعة جنوب إفريقيا. غير أن الترجمة لم تُوفَّق في نقل الكتاب على النحو الذي يليق بأطروحته، إذ شابتها هنات لغوية ونحوية، وأثَّرت اختياراتها الترجمية في وضوح جملة من المفاهيم والأفكار التي تضمنها الكتاب، وهو الأمر الذي أرجو أن ينتبه إليه المترجم والناشر فينقحانه في الطبعات اللاحقة.

يهدف الكتاب إلى تحرير الفلسفة الإفريقية من الهيمنة الغربية، وإفساح المجال أمامها لتنطلق نحو الإبداع وتتفاعل مع الفكر الكوني وتُسهم فيه، فتستعيد مكانتها المستحقة بين أمم العالم. يولي مونغويني عنايةً خاصةً بالتراث الثقافي الإفريقي، ويؤمن بأن على الأفارقة الشغوفين بالفلسفة الانكبابَ على إرثهم، والوعي بذواتهم، والنبش في جذورهم، ومعالجة مشكلات القارة وهمومها، فذلك هو السبيل الوحيد للارتقاء بالفلسفة الإفريقية، ومن هنا نبعت دعوته الشهيرة: «اعرف نفسك أيها الإفريقي».
في تقدير مونغويني، يقترن ذلك بضرورة التحرر من التبعية الفكرية «لنماذج ومفاهيم أجنبية»، مما يُمكِّن الفلسفة الإفريقية من ترسيخ حقيقة أن التعددية والاختلاف هما جوهر الفكر الإنساني. وهي فكرةٌ تنكَّر لها الفلاسفة الأوربيون أنفسهم، على الرغم من ادعائهم الدفاع عن العقل والحرية والاستقلالية والكرامة، إذ ظلت هذه الشعارات حبيسة الورق. فقد وضع كانط، رائد التنوير والنزعة النقدية في أوربا، هرمًا تراتبيًّا للبشر، جعل فيه الإنسان الأسود في القاعدة، لاعتقاده بأن قدرته على التفكير متدنية مقارنة بالأبيض، متوهمًا عجزه عن إدراك الجمال أو تقدير الأشياء المبهجة، وهو ما شجّع -بمنطقه هذا- على الاستعمار واستمرار تجارة الرقيق.
استعرض مونغويني مسار تطور الفلسفة الإفريقية مستندًا إلى تقسيم الفيلسوف الكيني أوديرا أوروكا، إذ شهدت ظهور أربع مدارس رئيسة، ومنهجين فلسفيين: أولًا، الفلسفة الإثنيَّة (دراسة المعتقدات والممارسات الثقافية للأفارقة). ثانيًا، الحكمة الفلسفية التي تستقي العِبر من الأمثال الدارجة. ثالثًا، الفلسفة القومية (العناية بقضايا الاستعمار والتحرُّر والوحدة). ورابعًا، الفلسفة الاحترافية (تحليل النظريات الفلسفية الأجنبية من منظور إفريقي). وينضاف إلى ذلك المنهجان: التأويلي والأدبي - الفنِّي. وهذا التنوع يعكس ثراءً معرفيًّا وتعدُّدًا فكريًّا، ولذا فلا عجب أن تكون لها إسهاماتٌ في الفكر العالمي وتحظى بمكانة تليق بها بجانب الفلسفة الغربية المركزية؛ لأنَّها «مخلصةٌ للإنسانية»، مادامت تعتني بقضايا المهمَّشين.
يُبيِّن الكاتب أن إحياء الفلسفة الإفريقية يمكن أن يتكامل مع الفلسفات الأخرى لصياغة رؤية فلسفية متكاملة، وذلك من خلال بناء جسور للتواصل عبر الحوار والمناظرة والنقاش الهادف. ولا يُخفي المؤلف انشغاله بإنهاء التهميش وإعادة الاعتبار إلى إفريقيا التي طالما نُظر إليها بوصفها مجرد مخزن للثروات، أو أرضًا للاستغلال الزراعي، أو موردًا للأيدي العاملة الشاقة، ليخلص إلى ضرورة «مركزتها» تحقيقًا لـ«عدالة معرفية». ويعزو المؤلف ذلك إلى أن القارة الإفريقية كانت رائدة في عصور خلت، قبل أن تتحول موازين القوى العالمية وتنتقل إلى بيئات أخرى وظفت تلك القوة توظيفًا خاطئًا ومتعسفًا.
يتكئ مونغويني في دعواه على «الأوبونتو» بوصفه مفهومًا تفرَّع عن الفلسفة الإفريقية وغدا ملازمًا لها. وقد ميز مونغويني بين مستويين في هذا المفهوم: أولًا، المستوى الأخلاقي الذي يدرب الإنسان على الإنسانية، ويُعرِّفه بمسالكها، ويؤكِّد ضرورة أن يحظى المرء بعيشٍ كريم، ويلحُّ، في الآن نفسه، على «اجتماعية الوجود الإنساني». ومن هنا تحوَّل الأوبونتو إلى نظرية أخلاقية أصيلة تهتم بالإنسان، وتمجد قيمه المحمودة؛ إذ يستند إلى الأخلاق الكلاسيكية المتبلورة في المجتمع الإفريقي التقليدي، والجامعة للقيم النبيلة المعتنية بإنسانية الفرد، والمهتمة بمصلحته، التي تبتغي أساسًا إحراز الخير له (الكرامة والرضا والازدهار). وثانيًا، المستوى الأيديولوجي - السياسي؛ حيث أنار بصيرة الزعماء، كوامي نكروما في غانا وأحمد سيكو توريه في غينيا وكينيث كاوندا في زامبيا، الذين قادوا الثورات والنضالات في بلدان إفريقيا مُطالِبين بالعدالة، وكرامة العيش، وصون الحريات، وتقدير الحقوق، لينالوا لقب: «فلاسفة إفريقيا الملوك».
ولعل هذا ما دفع مونغويني إلى الاعتقاد بأنَّه لا مناص لفلاسفة إفريقيا من التعلُّم من الحركات التحررية والنضالية، ودراسة تكتيكاتها، لتوظيفها في إثراء ممارساتهم الفلسفية. ومن هنا، ارتقى المفهوم إلى مستوى جديد، فأضحى فلسفةً تحرريةً تسعى إلى استعادة كرامة الشعوب المستضعفة والمهمَّشة تاريخيًّا، وتقليدًا فكريًّا إفريقيًّا يستلهم مفاهيمه من واقع القارة، ويُسلط الضوء على قضايا شعوبها أسوةً بمن يعانون ظروفًا مشابهة، حتى صار يُعدُّ الركيزة الأساسية للفلسفة الإفريقية برمتها.
لقد درَّبتني الفلسفة على الاشتباك مع الأفكار، ولذا أرى أنَّ أطروحة مونغويني تحتاج إلى ضبطٍ على المستويين المفهومي والمنهجي. فمع أهمية الأهداف التي يرسمها الكتاب، يواجه المشروع إشكاليةً في تحديد مفهوم «الفلسفة الإفريقية» ورسم حدوده؛ إذ أشار الباحث الزيمبابوي موناماتو تشيمهورو إلى أنَّ مونغويني يستخدم أحيانًا عبارتَي «الفلسفة الإفريقية» و«الفلسفة في إفريقيا» بالتبادل، رغم التمايز الجوهري بينهما. فبينما تشير الثانية إلى أيِّ ممارسة فلسفية تجري داخل القارة، بما في ذلك الاشتغال بالتقاليد الغربية، تُحيل الأولى إلى تقليدٍ فكري يستمدُّ مشروعيته من التجارب والأعراف الإفريقية. وبناءً على ملاحظته، أرى أنَّ هذا التداخل يُفضي إلى توترٍ داخل المشروع؛ فإذا اتَّسعت «الفلسفة الإفريقية» لتشمل كل اشتغالٍ فلسفي على أرض القارة -حتى وإن كان غربيَّ المرجع- تلاشت الحدود التي يسعى الكتاب لترسيخها، وفُتح الباب أمام ما يناهضه مونغويني أصلًا: ارتهان الفكر الإفريقي لمرجعياتٍ تُقصي تجربته الخاصة.
يُفضي هذا إلى مسألةٍ ثانية تتمظهر في دعوة مونغويني إلى إعادة بناء الفلسفة الإفريقية انطلاقًا من التراث الثقافي المحلي، فالاستناد إلى الموروث الشفهي واللغات الأصلية والممارسات الثقافية يفتح آفاقًا رحبة للبحث الفلسفي. بيد أنَّ الانتقال من المادة الثقافية إلى المفهوم الفلسفي يتطلَّب معايير دقيقة تُميِّز الوصف الأنثروبولوجي من التحليل الفلسفي، فالأنثروبولوجيا ترصد معتقدات الجماعات وممارساتها في سياقها، بينما يُخضعها التحليل الفلسفي للمساءلة النقدية، ويختبر مسوِّغاتها، ويستخلص منها ما يصلح جوابًا عن هموم الإنسان المعاصر. ولئن سعى المؤلف إلى إرساء الأسس المنهجية لهذه الممارسة، فإنَّ الكتاب يظلُّ بحاجة إلى مبادئ أوضح تضمن الصرامة الفلسفية وتقي من التعميم، ولا سيما أنَّ مونغويني يناقش نقد الفيلسوف البنيني بولان هونتونجي لافتراض «إجماعٍ» فلسفي تتقاسمه جماعة بأكملها، ويتحفَّظ على ما خلَّفه هذا النقد من آثارٍ إقصائية، غير أنَّ هذا التحفُّظ لا يعفيه من تقديم بديلٍ منهجي يحول دون الوقوع في ما حذَّر منه هونتونجي.¹
ويطرح توظيف الأوبونتو بدوره سؤالًا مشابهًا، فمونغويني يقدمه بوصفه موردًا أخلاقيًّا وسياسيًّا قادرًا على الإسهام في الفلسفة العالمية، وهو تصور ينسجم مع دعوته إلى الحوار بين التقاليد الفلسفية العالمية. غير أن تحويل مفهوم ذي جذور وسياقات تاريخية متعددة إلى عنوان واسع للفلسفة الإفريقية يستدعي مساءلة حدوده وتنوع استعمالاته داخل القارة. ولذا، فإنَّ المطلوب هنا اختبار قدرته الفعلية على إنتاج مفاهيم وحجج فلسفية قابلة للنقاش، إلى جانب قيمته الرمزية بوصفه تعبيرًا عن تصور جماعي للإنسان والمجتمع.
ومع ذلك، يُحسب للكتاب، في نظري، قدرته على تجاوز ثنائية الأصيل والدخيل نحو تصور أكثر انفتاحًا للفلسفة، فالمُؤلِّف نفسه يؤكد أن الفلسفة ممارسة كونية، وأن الحوار بين التقاليد شرط لتوسيع آفاق التفكير. تتجاوز قيمة الكتاب مسألة إثبات وجود فلسفة إفريقية من عدمه إلى كيف تستطيع هذه الفلسفة، انطلاقًا من تاريخها وتجاربها الخاصة، استعادة قدرتها على إنتاج المفاهيم والنَّظريات، ثم الانخراط في الحوار العالمي كشريك في إنتاج الأسئلة والأجوبة، وذلك وحده يكفل بأن تتخذ دعوة مونغويني إلى التحرر المعرفي معناها الحق والأكثر تجذرًا في الهوية الإفريقية.
بولان هونتونجي (1942 - 2024): فيلسوف من دولة بنين، له كتاب «حول "الفلسفة الإفريقية": نقد الفلسفة الإثنية» (1976)، انتقد فيه ما سمّاه «الفلسفة الإثنية»، وهي الفلسفة المستخلصة من الأساطير والأمثال والطقوس.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.