«The Social Reckoning».. إمكاناته أكبر مما انتهى إليه
قد يصبح الكاتب العظيم أكبر عدو لنفسه حين ينسى أن كتابة الفِلم وصناعته أمران مختلفان تمامًا.


«The Social Reckoning».. إمكاناته أكبر مما انتهى إليه
فيصل الحربي
آرون سوركين من أفضل كتّاب السيناريو في وقتنا الحالي. تعجبني كتاباته وطريقته في بناء الحوارات بين شخصياته، والثقة التي ينتقل بها بين الأفكار. قليل من الكتّاب يستطيعون جعل محادثة عادية تبدو كمباراة تنافسية، تكون فيها كلُّ شخصية مستعدة للرد على السؤال التالي قبل حتى أن يُطرح. وتوضح أعماله، مثل «The West Wing» و«The Newsroom»، مدى فاعلية هذا الأسلوب، وكيف يمكنه تحويل حديث مجموعة من الأشخاص الجالسين في غرفة إلى دراما ممتعة فعلًا.
وعندما تجتمع كتابته مع المخرج المناسب، كما حدث مع ديفيد فينشر في «The Social Network»، تكون النتيجة عملًا استثنائيًّا. وحتى تجربته الإخراجية في «The Trial of the Chicago 7» كانت ممتازة، وأثبتت قدرته على تحويل نصوصه إلى تجارب سينمائية ممتعة. لكن «The Social Reckoning» جعلني أستوعب مقولة سمعتها من قبل: قد يصبح الكاتب العظيم أكبر عدو لنفسه عندما ينسى أن كتابة الفلم وصناعته أمران مختلفان تمامًا.
حين يصبح الجميع أذكى شخص في الغرفة
أكبر مشكلة لدي مع «The Social Reckoning» هي شخصياته التي تتحدث في فقرات كاملة، وتتبادل الردود بسرعة استثنائية، وتمتلك مخزونًا لا ينفد من مراجع الثقافة الشعبية (Pop Culture) والقصص التاريخية، جاهزًا للاستخدام في أي نقاش. تتحول كل محادثة إلى فرصة لإثبات مدى ذكاء إحدى الشخصيات. وهذا أسلوب معروف في أعمال سوركين، وعادةً ما يعجبني، لكن في هذا الفلم يصل الحوار إلى نقطة يتوقف عندها عن كونه محادثة طبيعية، ويبدأ في الظهور كاستعراض لقدرات الكاتب.
في «The Newsroom»، أرى أن هذا الأسلوب أكثر قابلية للتصديق. نحن أمام أشخاص يعملون في بيئة صحفية شديدة التنافسية، تتطلب منهم الاطلاع وسرعة البديهة والقدرة على إيصال حججهم تحت الضغط. وينطبق الأمر نفسه على «The West Wing»، الذي يستفيد من بيئته السياسية لتبرير سرعة الحوارات وكثافة الأفكار. وحتى عندما تبدو الشخصيات أذكى وأكثر فصاحة من الأشخاص في الحياة اليومية، فإن العالم الذي تعيش فيه يجعل هذا الأسلوب مقبولًا.
لكن في «The Social Reckoning»، يبدو أن جميع الشخصيات تتحدث بالطريقة نفسها تقريبًا. تصبح الاختلافات في شخصياتها وخلفياتها وأدوارها المهنية أقل أهمية من حقيقة أن كل واحدة منها قادرة على إلقاء مونولوج متكامل بأسلوب سوركين في أي لحظة. لا أحد يتلعثم في أثناء محاولة شرح فكرة، أو ينسى ما كان يريد قوله، أو يكتفي بجملة عادية دون تحويلها إلى ملاحظة ذكية.
هذا الأسلوب يخرجني من أجواء الفلم. فبدلًا من الاندماج مع القصة، أجد نفسي أركز على كل جملة، محاولًا استيعاب الإشارة إلى كتاب، أو تشبيه فلسفي، أو النكتة المخبأة وسط نقاش معقد أصلًا. ومع مرور الوقت، يصبح الأمر مرهقًا.
والمشكلة أنني أستمتع فعلًا بكتابة سوركين، بإيقاع حواراته وطريقته في تحويل نقاش عادي إلى مواجهة بين أفكار مختلفة. لكن الشخصيات هنا نادرًا ما تبدو كأشخاص يتحدثون مع بعضهم؛ بل تبدو كأشخاص يدركون أنهم داخل سيناريو لآرون سوركين.
قصة لم تبلغ كامل رعبها
يتابع «The Social Reckoning» قصة «فرانسيس هاوغن»، الموظفة السابقة في فيسبوك، التي تكتشف أبحاثًا داخلية تشير إلى أن أنظمة المنصة القائمة على زيادة التفاعل قد تسهم في انتشار المحتوى الضار والاستقطاب السياسي وتفاقم معاناة الفئات الأكثر عرضة للأذى. وفي النهاية، تتواصل مع الصحفي «جيف هورويتز» من صحيفة ذ وول ستريت جورنال، وتساعد على كشف نتائج أبحاث الشركة من خلال سلسلة تقارير «Facebook Files».
الفكرة بحد ذاتها تحمل مقومات فلم ممتاز. بل إن الفكرة على الورق كانت تثير حماسي أكثر من «The Social Network». شركة تعرف حجم الضرر الذي تتسبب فيه منتجاتها، وتستطيع قياسه، ومع ذلك تواصل إعطاء الأولوية للنمو والتفاعل؛ إنها فكرة مرعبة فعلًا.
كان ينبغي أن يصدمنا الفلم، لكنه اكتفى بإطلاعنا على المعلومات. فمنذ سنوات، نسمع عن التضليل والتطرف عبر الإنترنت، والخوارزميات التي تعتمد على التفاعل، والآثار النفسية لوسائل التواصل الاجتماعي. لذلك، لم تكن المعلومات والاكتشافات الأساسية في الفلم مفاجئة لي. كنت أنتظر أن يكشف شيئًا يغيّر فهمي للمشكلة، أو أن يأخذ معلومات أعرفها سابقًا ويجعلني أراها من منظور مختلف. لكن الفلم يعرض الحقائق والأرقام في كثير من مشاهده كما لو أن مجرد وجودها كافٍ لصدم المشاهد.
ولهذا شعرت أحيانًا بأنني أتابع شرحًا ذكيًّا للغاية لمشكلةٍ نعرف أصلًا أنها موجودة. وهذا محبط، لأن المادة نفسها تحمل إمكانات درامية هائلة، فالوثائق والأبحاث الداخلية والقرارات التي تُتخذ خلف الأبواب المغلقة كلها عناصر قادرة على صناعة فلم تشويق فعّال.
يفهم الفلم أهمية الاكتشافات التي يعرضها، لكنه لا ينجح دائمًا في تحويلها إلى تجربة تظل عالقة في ذهن المشاهد. وفي هذا النوع من الأفلام، هناك فرق بين إخبار المشاهد بأن شخصًا اكتشف أمرًا مهمًّا، وجعله يشعر بأهمية هذا الاكتشاف. ينجح «The Social Reckoning» في الأول أكثر من الثاني.
أداءات تتصدر نقاط قوة الفلم
يُعد التمثيل من أفضل عناصر «The Social Reckoning». تُقدم مايكي ماديسون أداءً ممتازًا بدور «فرانسيس هاوغن»، وتنجح في إظهار الصراع بين معرفتها بحجم الضرر الذي تتسبب فيه المنصة، وشعورها بالمسؤولية التي أصبحت تقع على عاتقها، وضرورة التحدث وكشف الحقيقة.
أما جيريمي ألين وايت، فيضيف حضورًا طبيعيًّا بدور الصحفي «جيف هورويتز»، ويشكّل مع ماديسون جزءًا مهمًّا من الجانب التحقيقي في الفلم. صحيح أن الشخصية لا تحصل دائمًا على المساحة الكافية للتعمق فيها، لكن وايت ينجح في منحها قدرًا من الواقعية وسط الحوارات السريعة والممتلئة بالمعلومات.
لكن أداء جيريمي سترونغ بدور «مارك زوكربيرغ» يُعد أحد أبرز أداءات الفلم، بل أحد أبرز الأداءات التمثيلية هذا العام. يبدو الدور مناسبًا له باستثنائية؛ إذ يقدم شخصية أتقنت مظهر الإنسان الطبيعي، لكنها تبدو عاجزة عن فهم الأشخاص المحيطين بها فعلًا. ثمة شيء مقلق في سكونه وردوده المحسوبة وطريقته في التعامل مع الآخرين. يجعل سترونغ «زوكربيرغ» يبدو كأنه منتج تقني اتخذ هيئة بشرية، صُمم ليستجيب وينفّذ.
والأجمل أنه لا يحاول تقليد أداء جيسي آيزنبرغ في «The Social Network». قدّم آيزنبرغ «زوكربيرغ» الأصغر سنًّا، الذي يتداخل فيه الغرور وانعدام الثقة والطموح. أما سترونغ، فيقدم شخصية تبدو كأنها ابتعدت أكثر عن إنسانيتها، حتى أصبحت أشبه بآلة مؤسسية أمضت سنوات تتعلم كيفية التعامل مع البشر.
أداء سترونغ ممتاز إلى درجة تجعلني أتمنى لو استفاد الفلم منه بصورة أفضل. فتفسيره للشخصية مثير للاهتمام، لكن السيناريو لا ينجح دائمًا في تحويل هذا التفسير إلى شخصية درامية مكتملة. كنت أتمنى أن تكون مشاهد التحضير لجلسات الاستماع في مجلس الشيوخ والنواب الأمريكي أكثر توترًا، أو أن تتضمن لحظات تكشف جانبًا جديدًا من «زوكربيرغ»، وتوضح طبيعة الشخص الذي يقف خلف صورته العامة المحسوبة بعناية.
بدلًا من ذلك، تبدو بعض مشاهده منفصلة عن التحقيق الرئيس. نراه يستعد للمواجهة، محاطًا بأشخاص يهتمون بالطريقة التي ينبغي أن يظهر بها، لكن هذه المشاهد لا تتطور دائمًا إلى شيء ذي معنى درامي واضح. وأحيانًا، تبدو كأنها تتكرر دون أن تضيف جديدًا.
إخراج يكتفي بتنفيذ النص
لا أعتقد أن آرون سوركين مخرج سيئ، ويُعد «The Trial of the Chicago 7» مثالًا على قدرته على تقديم دراما مشوقة تعتمد على الحوار والصراع. لكنني شعرت في «The Social Reckoning» بأن الإخراج يخدم السيناريو أكثر مما يضيف إليه. زوايا الكاميرا وحركتها جيدة، والمشاهد واضحة، لكن الفلم في كثير من لحظاته يبدو أقرب إلى مسلسل تلفزيوني منه إلى تجربة سينمائية تمتلك هوية بصرية خاصة.
قصة تتضمن وثائق مسرّبة وتحقيقًا صحفيًّا وشركة تحاول حماية نفسها، تملك كل المقومات اللازمة لصناعة التشويق. ومع ذلك، يعتمد الفلم غالبًا على الحوار لشرح خطورة الأحداث، بدلًا من استغلال الصورة والأجواء لجعلنا نشعر بهذه الخطورة.
وهنا تأتي المقارنة الطبيعية مع «The Social Network». ففي فلم ديفيد فينشر، اجتمعت كتابة سوركين مع إخراجٍ منح الشخصيات والعلاقات جوًّا باردًا ومشحونًا، وأصبحت الحوارات جزءًا من تجربة سينمائية متكاملة، بدلًا من أن تكون العنصر الوحيد الذي يحمل الفلم.
لا يصل «The Social Reckoning» إلى المستوى نفسه، لكنه يظل فلمًا يضم لحظات جيدة وأداءات قوية. مشكلته أن إمكاناته كانت أكبر من النتيجة التي وصل إليها.
ختامًا
لا أرى «The Social Reckoning» فلمًا سيئًا. على العكس، يقدم قصة مهمة وأداءات ممتازة، ولا تزال كتابة سوركين تمنحنا لحظات ذكية وممتعة. لكنني كنت أتمنى أن يستفيد الفلم من موضوعه بصورة أكبر. ففكرته الأساسية مرعبة فعلًا، لكنه بدلًا من صدمنا يكتفي أحيانًا بشرح أمور نعرفها منذ سنوات، كأن إيصال المعلومة أهم من جعلنا نشعر بعواقبها.
كنت أتمنى لو ركز أكثر على «فرانسيس» والتحقيق والوثائق، ومنح الصورة والأجواء مساحة أكبر لسرد القصة، بدلًا من الاعتماد المستمر على الحوارات. ومع ذلك، تظل مشاهدة الفلم تجربة تستحق الاهتمام، خصوصًا بفضل أداءات مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت وجيريمي سترونغ.


لحد يدري 🤫
يلف أسامة بازيد بعروضه الكوميدية عددًا من مدن المملكة، ودك تضحك؟ ابحث عن عرض مدينتك والحق على التذاكر!
ولحد يدررري

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.