الأونوماتوبيا وفن الكوميكس


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

لو ضغط «بطوط» على المكابح ولم تُكتب (كرراك)، فهل سنعرف أنَّه توقف بهذا العنف؟

في القصص المصورة، تمنحنا كلماتٌ مثل (كراااش، طوووش، بوووم) القدرة على سماع الأحداث والتفاعل معها. تُسمَّى هذه الظاهرة «الأونوماتوبيا» أو «المحاكاة الصوتية»، وهي الكلمات التي يحاكي نطقها الصوت الطبيعي للشيء الذي تصفه. فبدلًا من قول: «في اللحظة التي أوشك فيها «بطوط» على الاصطدام بالسيارة التي أمامه، ضغط على المكابح بقوة، فتوقفت مركبته بصرير عنيف» نستخدم كلمة (كرراك) فقط!

قبل عام، حصلت على أول مجلة «ميكي» في حياتي هديةً من أحد أصدقائي في عيد ميلادي. لطالما رفضت في طفولتي قراءة القصص المصورة (الكوميكس)، مفضلةً عليها الروايات والشعر، لقناعتي التامة بأنها مجرد تسلية للأطفال. غير أن قراءة القصة الأولى شكلت لي صدمة كبيرة، ووجدت نفسي أقلب الصفحات وأتنقل بين القصص بلهفة.

لم أستوعب ما كان يحدث داخل مخيلتي وأنا أنتقل بين الصور، ففجأةً صار لـ«بطوط» و«عم دهب» و«ميكي» و«ميني» و«عبقرينو» أصواتهم الخاصة، وطريقة كلام، وحتى لكنة. وما أدهشني أكثر هو تلك الكلمات مثل (بووم، وكرااش...)، فقد بدت كأنها من عالم آخر، عالمٍ يخرج عن المنطق اللغوي الذي أعرفه. فعندما ينفجر البالون أفزع، وعندما يسقط «بطوط» في الماء تتبلل ملابسي.

بعد قراءة طويلة، لاحظت أننا نستخدم هذه الكلمات في حياتنا العادية، مع الأطفال والكبار وحتى القطط، إنها جزء أصيل من معجمنا اليومي. فحين نصف شخصًا اختفى فجأةً نقول: «وهوووب.. تبخّر»، وحين نتحدث عمن يثرثر بلا توقف وبكلام غير مفهوم نقول: «بلا.. بلا.. بلا».

مجلات «ميكي»
مجلات «ميكي»

فكيف تبدو هذه الكلمات حقيقيةً إلى هذا الحد، وتعبّر عن الفعل بكل هذه الدقة، في حين نتفق على أنها لغة اعتباطية ولا تعني شيئًا في ذاتها؟ وكيف يمكن ألا تعني شيئًا، في حين يمكنني بكل سهولة أن أسمع فعل الاصطدام في كلمة (كراااش)؟

قادني هذا السؤال إلى ما طرحه ابن جِنّي، قبل ظهور المصطلح الغربي، حول قدرة اللغة على محاكاة «الأصوات المسموعات»، إذ يشير في «الخصائص» إلى مواضع تتقارب فيها هيئة اللفظ مع طبيعة المعنى، جاعلًا من «إمساس الألفاظ أشباه المعاني» مبدأً يمكن تتبعه في اللغة. وهي فكرةٌ تتجاوز المحاكاة الصوتية بالمعنى الحديث، أي تقليد أصوات الطبيعة تقليدًا مباشرًا كما في كلمة (خرير) لمحاكاة صوت جريان الماء، و(قضم) لتمثيل صوت تكسُّر الأشياء الصلبة تحت الأسنان، لأنها تفتح الباب لتصورٍ يرى في بنية الصوت والإيقاع واللفظ إمكاناتٍ لتصوير المعنى وتقريبه إلى الحس. لذا، تبدو (كرااش) التي نسمعها بأعيننا امتدادًا حديثًا لسؤال لغوي قديم: إلى أي حد تستطيع المادة الصوتية للكلمة أن تشبه ما تدل عليه؟

بعد قرون من ابن جني، طُرح هذا السؤال في أوربا ضمن ما عُرف لاحقًا بنظرية (Bow - wow)، التي تفترض أن اللغة الأولى نشأت نتيجة محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة. ومن أبرز من ناقشوا هذا التصور في القرن التاسع عشر ماكس مولر، الذي عرضه في حديثه عن نظريات نشأة اللغة. إذ استعاد في كتابه «محاضرات في علم اللغة» مثالًا افتراضيًّا للفيلسوف الألماني يوهان غوتفريد هيردر يوضح فيه كيف يتحول الصوت إلى علامة لغوية، قائلًا: «يرى الإنسان حَمَلًا أبيض، ناعمًا، يكسوه الصوف، فتبحث روحه الواعية والمتأملة عن علامة مميزة، فيسمع ثغاءه؛ وهنا وُجدت العلامة. لقد أصبح هذا الصوت، بصفته سمةً مميزة، اسمًا للحَمَل، وصار الكلمةَ التي تعبّر عنه. وما لغتنا بأكملها سوى مجموعة من مثل هذه الكلمات.»

لا تفترض النظرية أن المحاكاة هي الأصل لكل الكلمات، وإنما تعدُّها «شرارة البدء»، إذ قلّد الإنسان الأول أصوات الطبيعة ليصنع مفردات حسية مباشرة، استولد منها العقل لاحقًا آلاف المعاني المجردة. وكأن هذه المحاكاة اليوم ليست سوى بقايا لغة بدائية أقدم، خصوصًا أنَّ آلية صياغة تلك الكلمات مشتركة على اختلاف الثقافات واللغات.

وعلى الرغم من لذة النظرية، فهي تقع في دائرة منطقية مغلقة؛ إذ تدّعي أن التقليد الصوتي أنتج اللغة، بينما الواقع أن التقليد مستحيل دون نظام صوتي سابق يُبنى عليه، وهو ما يعني أنها تفترض سابقًا وجود الشيء الذي تحاول تفسير نشأته. لم يتبنَّ مولر نفسه أيضًا هذه النظرية، إذ رأى أن الأسماء المكوّنة بالمحاكاة «تشكِّل نسبة ضئيلة جدًّا من معجمنا. إنها دُمى اللغة، لا أدواتها، وأي محاولة لردّ الكلمات الأكثر شيوعًا وضرورةً إلى جذور مقلِّدة تنتهي بفشل تام.»

الأصح إذن هو عدُّ المحاكاة الصوتية آليةً توليدية حية، تعيد اللغة ابتكارها مع كل جيل كلما احتاجت إلى سد فجوة تعبيرية طارئة، وهو تمامًا ما التقطه رسامو الكوميكس ببراعة.

هنالك نوعان من المحاكاة: محاكاة سمعية تترجم الأصوات الحقيقية مباشرة إلى حروف نقرؤها، مثل كتابة (هو هو) للتعبير عن نباح الكلب. وثانيهما المحاكاة الحسية (أو البصرية)، وهي لا تحاكي صوتًا مسموعًا، وإنما تمنح الحالات الصامتة والمشاعر بُعدًا بصريًّا لتُشعرنا بوزن الحدث وتثبت وقوعه، تمامًا كاستخدام (زززز) للدلالة على النوم العميق.

لكن القوة الحقيقية لهذه المحاكاة الصوتية لا تكتمل عند حدود السمع. إذ بمجرد أن تصبح الكلمة مرئية، تتحول تفاصيلها البصرية إلى محرك أساسي لاستجابتنا. فممّا يضاعف حدة المشهد كتابةُ هذه الكلمات بحجم كبير، ويزداد وقعها تأثيرًا كلما كانت أطول، وتتضاعف خطورتها عندما تُكتب بلون فاقع.

إنَّ ابتكار مؤثرات صوتية فعّالة هو علم وفن في الوقت نفسه. فالمؤثرات الصوتية الأكثر نجاحًا شفافة تقريبًا للقراء، وتندمج بسلاسة مطلقة في السرد دون أن تلفت الانتباه أو تعوق وتيرة القراءة. ولضبط هذا التأثير، يعتمد الفنانون على عناصر محددة، مثل الخط وتباعد الأحرف ولوحة الألوان وكيفية ملاءمتها مع ثيمة النص.

لم تهتم المجلات العربية بفنيّة ظهور هذه المؤثرات إلا على فترات قليلة، مقارنةً بالمجلات الغربية، فكانت دائمًا بخطٍّ أسودَ واحدٍ يكبر أو يصغر حسب سياق الحدث. بينما لم تغفل عن أهمية مقاربتها للثقافة العربية والمجتمع المصري على وجه التحديد، كي يتمكن القارئ من التفاعل معها. وقد انقسمت استراتيجية التعامل مع هذه الكلمات إلى مدرستين: الأولى استسلمت للتعريب الصوتي البحت، فاستوردت كلمات هجينة مثل (كراش) و(سبلاش). بينما لجأت الثانية إلى المحاكاة الأصيلة، باحثةً في القاموس الصوتي العربي عن حروف تطابق فيزياء الحدث، فابتكرت (طرااااخ) لتجسيد عنف التهشُّم واحتكاك الشظايا بحرف الخاء، و(طوششش) لمحاكاة تشتُّت رذاذ الماء عبر تفشي حرف الشين، وصاغت (طاااق) بقفلة القاف الصارمة لتمثيل الانشطار.

ومثلما يحاكي الحرف طبيعة الصوت، تحاكي مساحة الكلمة شدَّة الحدث وزمنه. فامتداد كلمة (بووووم) على طول الصفحة يفرض علينا توقفًا يحدد الفواصل الزمنية داخل المشهد، ويخلق نقلات بصرية بين اللوحات. وعوضًا عن الزمن المعتاد الذي يستغرقه الذهن لربط الصور، نجد أنفسنا أمام انتقال خاطف من الاستنتاج البطيء إلى التسليم الفوري. إنها تقنية تشبه المونتاج؛ تسرِّع وتيرة الحدث وتضبط إيقاعه بتقليص زمن القراءة لا بزيادته كما تفعل الرواية، ليكون الكادر نفسه محاكاةً بصريةً دقيقة لصدمة الحدث. 

ولكن بعيدًا عن سرعة الانتقال، لماذا يوحي شكل كلمة (بوووم) بانفجار ضخم ومدوٍّ؟

تجربة «بوبا وكيكي»
تجربة «بوبا وكيكي»

هذا ما حاولت تجربة «بوبا وكيكي» تفسيره. عُرض، في هذه التجربة، على أفراد من ثقافات مختلفة شكلان: أحدهما منحني الحواف ودائري، والآخر ذو زوايا حادة ومسنَّنة. وطُلب منهم إطلاق اسم «بوبا» على أحد الشكلين و«كيكي» على الآخر. وفي دراسة شملت متحدثين بخمس وعشرين لغة، ظهر ميل قوي إلى ربط الصوت الرخو والمستدير «بوبا» بالشكل الدائري، والصوت الحاد والمتقطع «كيكي» بالشكل المسنَّن. وتشير النتائج إلى وجود توافق بين خصائص الصوت وخصائص الشكل البصري، وهو تأثير ظل حاضرًا بدرجة كبيرة رغم اختلاف أنظمة الكتابة.

وقد يساعد هذا على فهم سبب إيحاء بعض الكلمات، مثل (بوووم)، بأشكال وحركات معينة. فاستدارة الواو وامتدادها الصوتي قد يجعلان الكلمة أقرب في إحساسنا إلى شيء مستدير يتوسع في الفراغ.

وحين نحلل هذا الإدراك، نكتشف أن التفسير أبعد من مجرد القول إن «الصوت هو السبب»، أو إن «الحرف هو السبب». فالدماغ يجمع بين خصائص صوتية وبصرية في إدراك واحد؛ يلتقط الإيقاع والامتداد من جهة، ويستجيب للشكل والكتلة من جهة أخرى، ثم تتكامل هذه المعلومات لتكوين الانطباع الذي يجعل الكلمة ملائمة للحدث. والحقيقة، في عالم يدهشنا دائمًا باكتشاف جديد، أن أبسط استجاباتنا قد تخفي وراءها عمليات إدراكية أكثر تعقيدًا مما نتخيل.

إن هذا التقاطع تحديدًا هو ما يجعل الفن قادرًا على ضغط الزمن. ففي الكوميكس، يكفي كادر واحد وكلمة مثل (كرراك) ليُقلَّصَ زمنُ القراءة إلى لحظة صادمة، فتُختزل الجملة الوصفية الطويلة في لقطة سمعية بصرية. إذ يحذف الرسام الزمن الزائد، ويمنح العين سرعة الانتقال من لوحة إلى أخرى. 

هذه التقنية هي ذاتها «المونتاج الصوتي» الذي ابتكره امرؤ القيس في محاكاة حركة فرسه:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا 

إذ تزاحمت الكلمات الأربع بلا حرف عطف، فتساقطت كصور متلاحقة في كادر شعري واحد. أدى حذف حروف العطف إلى إلغاء التوقف الطبيعي بين الصفات، لتقفز العين بينها تمامًا كما تقفز بين كوادر الكوميكس في مشهد مطاردة. يخلق هذا التزاحم الصوتي مونتاجًا إيقاعيًّا يحاكي تتابع الحوافر واختلاف حركاتها، حيث تصبح كل كلمة لقطةً سريعة، ويعمل التنوين في نهايتها كإغلاق حاسم للكادر قبل الانتقال إلى التالي. الشاعر جعل إيقاع الكلمات نفسه حركةً تصف ما يفعله الفرس، تمامًا كما يجعل رسام الكوميكس شكل الحرف وامتداده جزءًا من فيزياء الحدث.

حاولتُ خوض هذه اللعبة بنفسي عندما كنت في الحادية عشرة من العمر، إذ خطر لي ذات مرة أن أكتب ضحكتي. وما دفعني إلى مواصلة المحاولة لأيام هو عجزي تارةً عن التقاط الحروف الدقيقة للصوت، وتارةً أخرى عن التعبير عما إذا كانت ضحكةً هادئةً أم صاخبة.

لا تختلف هذه المحاولة كثيرًا عمَّا يعيشه الطفل في تعامله مع الكلمات. فالمحاكاة الصوتية هي لغته الأولى، حيث تمثل الكلمة والصوت في وعيه وحدةً لا تتجزأ. لذلك، حين يُسأل الطفل إن كان يقبل تسمية البقرة «حصانًا» يرفض الفكرة كليًّا؛ لأن الاسم في وعيه جزءٌ من مادية الشيء كحجمه ولونه. 

وهذا ما يسميه جان بياجيه «الواقعية الاسمية». ففي أحد حواراته مع الأطفال يسأل طفلًا: «هل كان يمكن أن تُسمَّى الشمس "القمر" والقمر "الشمس"؟» فيجيب: «لا»، وحين يُسأل عن السبب يقول: «لأن الشمس تشرق أكثر من القمر». ليخلص من ذلك إلى استنتاجه القائل: «الاسم كامن في الشيء، ليس كبطاقة ملصقة عليه، بل كصفة غير مرئية للشيء.»

مع التقدم في العمر، يتراجع هذا الاعتقاد إلى خلفية الوعي. فنحن نعرف أن العلاقة بين الكلمة والشيء تقوم، في الأصل، على الاصطلاح، ومع ذلك تكشف دراسات لاحقة أن البالغين ما زالوا يشعرون بأن بعض الكلمات «أنسب» لأشياء معينة من غيرها. وهو ما يعني أن الإحساس الطفولي بالتطابق لم ينطفئ وإنما خفَت. فحين يبتسم القارئ البالغ أمام (كرااش) طويلة وفاقعة اللون، دون أن يشعر، يعيد تنشيط حيِّزٍ إدراكيٍّ لم يغادره قط.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+20 متابع في آخر 7 أيام