«المهايطية»: الترفيه لا يبرر السطحية
زائد: عائشة كاي ضيفة بودكاست النشرة السينمائية


«المهايطية»: الترفيه لا يبرر السطحية
فيصل الحربي
تخوض السينما السعودية اليوم مرحلة جديدة تشكلت مع التوسع السريع لمنصات العرض الرقمية مثل نتفليكس وشاهد وغيرها، التي أصبحت شريكًا أساسيًّا في إنتاج الأفلام السعودية وعرضها. وبين تجارب قدمت حضورًا لافتًا كما رأينا في «بسمة» و«الرهينة» و«خلاط+» و«راس براس» وغيرها، يتجدد السؤال: هل حضور المنصات يخدم نمو الصناعة وتطور الحكاية؟ أم يساهم في تسريع الإنتاج على حساب الجودة؟
وفي ظل هذا التساؤل، لا يُلام الجمهور اليوم حين يُصاب بـ«فجوة ثقة» تجاه المخرجات المحلية. فهو يمنح فرصةً لفلم سعودي على المنصة، فيُفاجأ بعمل يحترمه ويقدم له تجربة ممتازة، ثم يعود ليمنح الفرصة لعمل آخر، فيجد نفسه أمام شريط يفتقر إلى أبسط المقومات. لذا، بدلًا من تراكم النجاحات، أصبح المتابع يتعامل مع الإنتاجات الجديدة باعتبارها رهانًا غير مضمون، ينتظر فيه تجربة ناجحة من بين عدة أعمال عادية.
ربما بسبب حداثة التجربة وقصر عمر سوق الإنتاج المحلية تخلَّق لدينا هوس الغزارة والإنتاج السريع، رغبةً في تغذية المنصات وإثبات الحضور في فترة وجيزة. هذا الاستعجال أنتج حالة من الإرباك الفني، حيث تُوفَّر الإمكانات والتقنيات، لكن الناتج كثيرًا ما يأتي فارغًا من الهوية، وبلا حكاية متماسكة تسند العمل.
الترفيه مسار مشروع
عند النظر إلى فلم «المهايطية» المتاح على نتفليكس، نجد أنه لم يستهدف الوصول إلى المهرجانات أو المنافسة الدولية، وإنما استهدف تقديم منتج ترفيهي بحت يناسب كافة الفئات والأعمار. وهو توجه ممتاز ونحتاج إليه، فالصناعة السينمائية الصحية والمتوازنة لا يمكن أن تقوم على أفلام المهرجانات وحدها، لأنها حتمًا بحاجة ماسة إلى هذه النوعية من الأفلام الجماهيرية التي تثري شباك التذاكر وتوفر خيارات ترفيهية متعددة.
لكن السؤال المحوري هنا: لماذا نعاني حتى عندما نخفض سقف التوقعات لنشاهد شريطًا ترفيهيًّا خفيفًا؟ لماذا يغيب البناء الدرامي والتماسك حتى في الأعمال التي لا تتطلب عمقًا فلسفيًّا؟
تبدأ المشكلة من أبسط عناصر الفلم: حكايته. إذ تتلخص الفكرة في عائلة تخسر كل ثروتها وادخاراتها، فتجد نفسها مضطرة إلى الاستمرار بالهياط والتظاهر بالثراء حتى لا يعرف أحد إفلاسها، وذلك ضمن خلفية لشركة عائلية لا يبذل الفلم جهدًا في إعطائنا أي تفاصيل عن مجال عملها أو ما تقوم به.
شخصيات ونصٌّ سطحي
يعاني العمل في جوهره من هشاشة في النص، فالفكرة تقليدية (كليشيه) واحتاجت إلى أن يُضاف إليها على الأقل بناء درامي محكم للشخصيات. لكن الاعتماد الأكبر جاء على كوميديا لفظية ونكات مستهلكة لا تخلق صراعًا دراميًّا حقيقيًّا. والعلاقات بين الشخصيات كانت أكثر جوانب العمل إهمالًا، فكون الفلم كوميديا عائلية خفيفة لا يعني التغاضي عن المقومات التي تجعل الفلم فلمًا! تبدو الشخصيات في «المهايطية» كأنها وُلدت من أوصاف سريعة أكثر من كونها نتاجًا لعلاقات حقيقية:
الأب هو الرجل الذي يريد الحفاظ على صورته أمام المجتمع.
الأم تبحث عن الأضواء وتحب التظاهر.
الابنة الصغرى شغوفة بالرفاهية والاستعراض.
الابن مدلل وقريب من أمه لكن والده غير راضٍ عنه.
الابنة الكبرى هي العاقلة التي يفترض أن تتحمل مسؤولية الشركة.
شاب يحاول التلميح لفتاة دون توضيح لرغبته، بسبب تركيزها على مسارها المهني.
هذه الصفات الخطية هي نقاط بداية جيدة، لكن المشكلة أن الفلم لم يمنح هذه الشخصيات فرصة التحول من مجرد «صفات مكتوبة» إلى «أشخاص حقيقيين». كان لا بد لصناع العمل أن يأخذوا هذه العائلة بجدية أكبر حتى وهم يصنعون منها كوميديا. نعرف أن شخصيةً ما تحب الفشخرة، لكن ماذا تعني لها الفشخرة؟ لماذا تحتاج إليها؟ وماذا ستخسر إذا فقدتها؟ نعرف أن الأب غير راضٍ عن ابنه، لكن ما طبيعة هذا الخلاف؟ هل هو اختلاف قيم؟ أم خوف على اسم العائلة؟ أم مجرد وسيلة قسرية لإنتاج مشهد درامي؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى فلم عميق حتى تُطرح، فحتى الكوميديا العائلية البسيطة تحتاج إلى علاقات مقنعة، لأن الكوميديا تعتمد أساسًا على التناقض بين الشخصيات.
وهنا يظهر الفرق بين المشهد الكوميدي والموقف الكوميدي. المشهد الكوميدي الجيد لا يحتاج دائمًا إلى أن يقول لك إنه مضحك، إذ يكفي أن تضع شخصية مقتنعة بشيء ما أمام شخصية ترى العالم بطريقة مختلفة، ثم تترك التصادم بينهما يقوم بالباقي. أما عندما تكون الشخصيات غير مكتملة، يصبح الحوار المساحةَ التي يحاول الفلم تعويض النقص من خلالها، فتكثر النكات والتعليقات ويقل الصراع الحقيقي.
ولذلك، حتى اللحظات التي يفترض أن تكون درامية لا تملك الوزن الكافي؛ فتظهر بعض الانفعالات كأنها وصلت قبل أن يصل إليها الفلم. الشخصيات تغضب وتنكسر أو تتخذ موقفًا مهمًّا دون تراكم كافٍ من الأحداث يجعلنا نشعر بأن هذه اللحظة هي النتيجة الطبيعية لما سبقها. انتقال الفلم من حدث إلى آخر دون تغيير حقيقي في الشخصيات يمنحنا في النهاية شعورًا بأننا أمام الشخصيات ذاتها التي بدأنا معها، بعد أن مرت بمجموعة من المواقف العابرة.
أزمة الكوادر الخارجية
كان الأمل المتبقي أن تأتي رؤية المخرج لإنقاذ العمل وتدارك الثغرات الواضحة في النص؛ فالمخرج يستطيع دائمًا منح روح جديدة للورق الضعيف. لكن هذا الرهان تحطم أمام الفلم المعروض.
وهنا نصل إلى سؤال إنتاجي مباشر حول الكوادر والأسماء المستقطبة. السينما صناعة مفتوحة عابرة للحدود، والاستعانة بكاتب أو مخرج غير سعودي ليست مشكلة بحد ذاتها، فالساحة منفتحة ومرحبة بتبادل الخبرات والتعلم، شريطة أن تكون هذه الكوادر كفؤة، وتقدم مخرجات ممتازة تضيف إلى الصناعة وتثريها.
لكن الإشكالية في «المهايطية» تكمن في الاستعانة بأسماء خارجية لم ترقَ إلى التوقعات الفنية. الأعمال الكوميدية، أو غير الكوميدية، التي تعتمد على الروح المحلية تحتاج بالضرورة إلى من يفهم هذه البيئة ويتحدث لغتها العفوية. الاستعانة بكاتب ومخرج خارجيين في وقت تزخر فيه الساحة بمخرجين وكتَّاب سعوديين، أثبتوا جدارتهم وقدموا أعمالًا جماهيرية وناجحة، أدى إلى خروج الفلم بصورة تفتقر إلى الروح.
على المستوى البصري، يظهر الفلم بنقاء مفرط للصورة؛ نقاءٍ ينزع عنه الطابع السينمائي ليقرّبه من أسلوب الإعلانات. الألوان الفاقعة والعشوائية والإضاءة المتساوية القادمة من خلفيات التصوير التجاري تُنتج «فريمات» آنية تُعجب العين للوهلة الأولى، لكنها تجرِّد العمل من حميميته وواقعيته، وتصنع حائلًا بين المشاهد والقصة، وهي ظاهرة تكررت مؤخرًا في فلم «عكس سير».
الفلم الوحيد الذي استطاع أن يوظف هذه الألوان بطريقة تخدم الفلم نفسه هو «مسألة حياة أو موت»، حيث كانت الألوان جزءًا من العالم الذي تعيش فيه الشخصيات. أما في «المهايطية»، فغالبًا ما تشعر بأن الصورة تحاول لفت انتباهك بلا معنى زمني أو درامي. وهنا تعود مشكلة الاهتمام بالشكل، لأنه عندما تطغى العين «الإعلانية» على العين السينمائية، تصبح الإضاءة الفاقعة والديكورات النظيفة مجرد محاولة لتعبئة الفريم، فتفقد المشاهد روحها وتتحول إلى لقطات استعراضية عابرة.
هل يتحمل الممثل مسؤولية الإخفاق؟
أمام هذه النتيجة، هل يتحمل الممثل ذنب هذا الإخفاق؟ أم أنه مجرد مؤدٍّ يسعى إلى تنفيذ ما كُتب له؟
الحقيقة أن المشاركين في الفلم يملكون طاقات وإمكانات ممتازة أثبتوها في أعمال أخرى. لكن الممثل مهما بلغت مهارته لا يستطيع أن يعمل في فراغ، فهو بحاجة إلى نصٍّ يمنحه عمقًا وصراعًا، وإلى مخرج يوجهه ويلتقط تفاصيل أدائه.
وتحت ضغط النص الركيك والتوجيه الإخراجي العادي، تحول أداء الممثلين إلى مجرد تنفيذ، كأنهم يسابقون الزمن لإنجاز المكتوب على الورق. فخرجت المشاهد الكوميدية مفتعلة، وأُقحمت اللحظات الدرامية بتنفيذ مبتذل، ما منح إحساسًا بمتابعة «سكتش» سريع أكثر من كونه فلمًا سينمائيًّا.
المسؤولية الأكبر هنا تقع بلا شك على النص وغياب الرؤية الإخراجية التي وضعت الممثلين في قالب محرج، ونتمنى أن نراهم في أعمال قادمة بظروف إنتاجية ونصية تليق بقدراتهم.
في الختام
تعيدنا تجربة «المهايطية» إلى الإشكالية الأساسية التي تعاني منها السينما المحلية اليوم: نحن في مرحلة مبكرة من صناعة سينمائية حديثة، ومن الطبيعي للغاية أن ينصبَّ الاهتمام على الإنتاج وجودة الصورة واستقطاب النجوم والوصول إلى المنصات العالمية، لكن بناء صناعة حقيقية لا يتأتى بمجرد مضاعفة عدد الأفلام المسجلة على القوائم.
فالفلم الجماهيري لا يحتاج إلى أن يكون عميقًا حتى يكون متماسكًا، والفلم الكوميدي لا يحتاج إلى أن يكون مهرجانيًّا حتى يمتلك شخصيات حقيقية، وفلم العائلة لا يحتاج إلى أن يناقش أزمة وجودية حتى يجعلنا نهتم بما يحدث لأفراده. كل ما نحتاج إليه هو احترام الورق والحكاية، وأن يعرف العمل ما الذي يريد قوله بالضبط.

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.