«Heart of the Beast»: مغامرة ينقصها التوتر

يعود الفلم إلى الحكاية المعتادة التي تستطيع فيها الوثوق بالبطل الأمريكي.


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

«Heart of the Beast»: مغامرة ينقصها التوتر

عبدالله آل هيازع

في عام 2024، صدر فلم «Civil War» متخيلًا نشوب حرب داخل أمريكا، يقتل فيها الأمريكي أمريكيًّا آخر، فيما الرئيس مختبئ في بيته الأبيض، الرمز الذي اعتدنا أن نراه تعبيرًا عن القوة. نظرة مثيرة، عالجها الفلم من خلال صحافيين يحاولون مواصلة رحلتهم للظفر بحوار مع الرئيس. وفي الطريق نرى وجهًا غير معتاد للجندي الأمريكي، الذي قد تكون النجاة بالابتعاد عنه. 

جاء الفلم في عام انتخابي مشحون، وتبعته أعمال تقارب ظهورها، ما جعل النظر إلى صورة أمريكا في سينماها أكثر إثارة للاهتمام. (وسنعود إلى هذا التراكم وتوقيته في الختام). 

ومن هنا نتطرق إلى فلمنا «Heart of the Beast»، من إخراج ديفيد آير وبطولة براد بيت، في تعاون جديد بعد «Fury»، الذي كان محطة مهمة في مسيرة كليهما. يعودان هنا إلى شخصية الجندي الأمريكي، في مغامرة نجاة تستبدل ساحة الحرب ببرية ألاسكا، وتضع خبرة الجندي العسكرية أمام اختبار من نوع آخر.

متقاعدان اثنان، كلب وإنسان

يبدأ الفلم بمشاهد تصف حياة «جيمس بلمونت» وكلبه «أودن». يستقلان طائرة بحرية، ويهيمان بها في ألاسكا بحثًا عن نزهة. يقدم الفلم هذه الحياة بشيء من الخفة، ويمنحنا وقتًا للتعرف إلى طبيعة الصحبة بينهما. وفي أحد المشاهد المبكرة، يكشف حوارٌ مطول مع رجل يلتقيانه جانبًا من ماضيهما، والحروب التي خاضاها جنبًا إلى جنب. نعرف «بلمونت» جنديًّا بعد أن عرفناه رحالة، ويستبق الحوار بعض ما كان يمكن للمغامرة كشفه من خلال تصرفاته. ومع ذلك، يمنح اللقاء البداية مساحة بشرية مفيدة، قبل أن ينحصر معظم الفلم في الرجل وكلبه.

تأتي الأزمة مع تعرض «بلمونت» لنوبة قلبية وتحطم طائرته، ليجد نفسه وسط بيئة قاسية، بعيدًا عن المساعدة. وهنا يضع الفلم أمامه رهانًا جيدًا: رجل يملك خبرة البقاء، لكن جسده لا يضمن له تنفيذ ما يعرفه. تصبح العودة مرتبطة بالتعامل مع المكان، وبقدرته على مواصلة الحركة داخله، وهو مدخل يستطيع منح المغامرة توترًا أكبر مما تصل إليه.

أفلام النجاة لا يحتاج مدخلها إلى اجتهاد كبير من المشاهد؛ تتعلق بشخصية، وتتمنى أن تتخطى العقبات واحدة تلو الأخرى لتخرج من الأزمة. وفي كثير من هذه القصص تتكوّن صداقة غريبة يأنس بها الشخص وسط محنته، ويحافظ من خلالها على قدرته على الاحتمال.

هنا تختلف المسألة قليلًا، فالعلاقة بين «بلمونت» و«أودن» قديمة، والعزلة نفسها كانت اختيارًا قبل أن تصبح مأزقًا. وببراعة يعرف الفلم كيف يستفيد من ذلك الماضي في مساحات هادئة تزيدنا فهمًا للعلاقة. فهو لا يبدأ من الصفر، ولا يحتاج إلى إقناعنا في كل مشهد كيف أصبح الرجل والكلب صديقين. وفي بعض اللحظات نأخذ الفعل من «أودن»، ويكون براد بيت هو الرد، لا العكس. هذا الاختيار يمنح الكلب حضورًا فعليًّا داخل المشهد، ويجعل التفاعل بينهما أكثر حيوية وجمالًا.

تنجح هذه التفاصيل الصغيرة في منح الفلم جانبًا من متعته. والمفارقة أن لحظات الهدوء كانت تبدو أحيانًا أكثر ثقة من مشاهد الخطر؛ يعرف الفلم فيها ما يريد إيصاله، ويترك للنظرة مساحة كافية، فيما تصبح المغامرة أقل إحكامًا حين تنتقل من تقديم الشخصيتين إلى اختبارهما.

مغامرة ينقصها التوتر

من الواضح أن أفلامًا كهذه تعتمد في المقام الأول على مدى تعلقك بالشخصية وتعاطفك مع أزمتها. لكن ما يوازي ذلك، وربما يأتي بعده بقليل، هو تصديقك بعدم النجاة كاحتمال حاضر في كل خطوة. نعرف غالبًا أن الفلم سيواصل مرافقة بطله، ومع ذلك نحتاج إلى أن ينسينا هذا الاطمئنان، ويجعل عبور العقبة التالية مسألة غير مضمونة البتة.

ولا ينشغل «Heart of the Beast» كثيرًا بأسئلة الإنسان حين ينقطع عنه التواصل مع جنسه، أو بما تفعله العزلة الطويلة في إدراكه للعالم. فلديه مقاتل متمرس اعتاد الظروف القاسية، ورفيق يعرفه جيدًا، ولذلك يزداد اعتماد الحكاية على قوة التحديات وكيفية تجاوزها.

لكن التحديات لا تأتي بالقوة التي يحتاج إليها هذا الرهان. ففي بعض المواقف تبدو فرصة النجاح أكبر مما يريد الفلم إقناعنا به، ثم يخفق البطل في موقف أقل صعوبة، دون أن يكون الانتقال بين قدرته وعجزه مقنعًا بالقدر نفسه. نتفهم أن للشخصية خطأها مهما كانت خبرتها، لكننا نحتاج إلى الشعور بما جعلها تخطئ؛ بالتعب المتراكم، أو الإصابة التي عطلتها، أو القرار الذي اضطرت إلى اتخاذه. حين تضعف هذه الصلة، يبدو الخطر قابلًا للزيادة والتراجع بحسب حاجة المشهد لا منطق القصة.

فلولا حضور نجم بقيمة براد بيت، لكان استمرار المراهنة على دقائق الرحلة التالية أصعب. يمنح بيت الشخصية حضورًا يتجاوز ما كُتب لها من مواقف، ويستطيع حمل لحظات لا يملك فيها الحوار دورًا كبيرًا. والفلم اعتمد على هذه القدرة أكثر مما ينبغي.

العودة إلى البداية

ما يعنيني في تراكم «Civil War» و«Mickey 17» و«One Battle After Another» وغيرها خلال أقل من عامين، أن مشاهدتها بهذا التتابع تجعلها تبدو جزءًا من مزاج سياسي يتجاوز الحكايات التي ترويها. تختلف هذه الأعمال في مواقفها، لكنها تتشارك التشكيك في الصورة التي اعتادت أمريكا تقديمها عن نفسها؛ فالقوة لا تضمن سلامة المجتمع، والتوسع لا يحمل بالضرورة وعدًا بحياة أفضل.

ويمنحها التوقيت وضوحًا إضافيًّا، إذ جاء هذا التراكم في الفترة الممتدة من انتخابات 2024 إلى السنة الأولى من عودة ترمب إلى البيت الأبيض. كانت المخاوف من الانقسام وصعود اليمين حاضرة في الواقع، ووجدت على الشاشة حكايات تمنحها شكلًا يمكن رؤيته. لذلك بدا أن مساحةً داخل هوليوود تتسع لمراجعة الرواية الأمريكية المألوفة، وأن الصورة البطولية التي قدمتها طويلًا لم تعد تمر بالاطمئنان نفسه.

ومن هنا يمكن قراءة ظهور «Mayday» و«Heart of the Beast» متتاليين هذه السنة بوصفه اتجاهًا مضادًا لذلك التراكم. يعود الفلمان إلى الحكاية المعتادة التي نستطيع فيها الوثوق بالبطل الأمريكي، وتصبح قدرته على تجاوز الخطر أساس المتعة. في «Mayday»، تستعيد أمريكا موقع الوجهة المرغوبة ويعود الطيار إلى مركز مغامرة ننتظر نجاته منها، في حين يمنح «Heart of the Beast» الخبرة العسكرية قيمة إيجابية، تحتفظ فيه الشخصية بمهارات المحارب دون تحميل الحكاية أسئلة الحرب. 

هذا اختلاف في النظرة التي تقدمها الأعمال إلى أمريكا نفسها. فالأفلام السابقة تجعل الاطمئنان إلى قوتها موضع شك، وهذان الفلمان يعيدان بناء ذلك الاطمئنان المألوف من خلال مغامرة يسهل الانخراط فيها. ولهذا يصبح تتابعهما بعد تلك الأعمال أهم من مجرد اختلاف موضوعاتهما عنها. ففي مناخ يستعيد خطاب القوة والعظمة الأمريكية، تكتسب العودة إلى البطولة القديمة دلالة محافظة، وتبدو أقرب إلى تثبيت الصورة التي حاولت الأعمال السابقة مساءلتها. 

واستحضار «Fury» هنا يوضح أن آير وبيت يعودان إلى تقليد يعرفانه جيدًا؛ تقليدٍ يمنح الجندي الأمريكي مركز الحكاية وثقلها، لكن العودة إليه اليوم تحدث بعد أن اتسعت على الشاشة مساحة الاعتراض على هذه المركزية. 

ما يكشفه هذا التقارب هو الصراع داخل هوليوود عن صورة أمريكا. هناك أعمال تدفع المتفرج إلى مراجعة ما اعتاده والتشكيك فيه، وأخرى تعيده إليه وتستأنف الحكاية كأن تلك المراجعة لم تغير شيئًا.

ختامًا

لا أرى «Heart of the Beast» من أبرز أفلام النجاة، لكنه ممتع إلى حدٍّ ما، ويحمل حضور براد بيت وتفاعله مع «أودن» جانبًا كبيرًا من هذه المتعة. كان يمكن لمغامرته أن تصنع أثرًا أقوى، لولا تفاوت العقبات وضعف تراكمها. ينجح الفلم في تقديم شخصيتين تستحقان المتابعة، لكنه لا يضعهما في اختبار يوازي ما يَعِد به، لتظل لحظاته الهادئة أكثر إقناعًا من مغامرته.

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام