حميد دباشي في «وهم الحضارة الغربية»: حين تختبر غزة العالم

تبدو فكرة «الحضارة» في الفكر الغربي مرتبطة بالسلام والعقلانية والحرية والأخوّة بين الشعوب. ومع ذلك، يحمل تاريخها تعارضًا بيّنًا؛ فكلما اتسعت دائرة القيم التي أعلن الغرب كونيّتها، ظهر إلى جوارها تصور أحاديٌّ يضع شعوبًا أخرى خارج هذه الكونيّة، ويمنح من يحتكر تعريف الحضارة حق قيادة هذه الشعوب وتهذيبها.
لننظر مثلًا إلى خطاب فيكتور هوغو، صاحب «البؤساء» وأحد أكثر الأصوات ارتباطًا بالإنسانية في الأدب الفرنسي، أمام مؤتمر السلام الدولي في باريس سنة 1849. فقد تخيّل هوغو في خطابه أوربا خاليةً من الحروب، وصاغ مفهوم «الولايات المتحدة الأوربية» كفضاءٍ تتّسع فيه الأخوّة بين الأمم. غير أنّ الخطاب نفسه يكشف حدود هذه الكونية، إذ دعا هوغو إلى «توسيع المجموعة المتحضّرة باستمرار» وإلى «تقديم المثال الحسن إلى الشعوب التي لا تزال بربرية». كما تخيّل توجيه طاقة أوربا والولايات المتحدة الأمريكية نحو استصلاح أرجاء العالم، واستعمار الصحارى، وتحسين الخليقة تحت نظر الخالق.
وبعد ثلاثين عامًا، في 18 مايو، 1879، ألقى هوغو خطابًا -ويا للمفارقة- في مأدبة لإحياء ذكرى إلغاء العبودية، أعلن فيه أن البحر الأبيض المتوسط يفصل بين «الحضارة القصوى» و«البربرية المطلقة»، ثم قال عن إفريقيا: «الله يقدّم إفريقيا إلى أوربا. فخذوها». الرجل الذي تخيّل أوربا فضاءً للأخوّة كان يتحدث عن قارة أخرى بلغة الوصاية.
يكشف هذا الخطاب عن تناقض في تاريخ الحداثة الغربية، فقد صاغ منظّروها قيمًا تتحدث باسم الإنسانية، بالتزامن مع تصنيفات تجعل بعض البشر معيارًا للإنسان المتحضّر وبعضهم موضوعًا لهذا التحضر. هكذا ارتبط الاستعمار بتعريف الحضارة بقدر ارتباطه بالاحتلال والسيطرة، إذ تقوم «المهمة الحضارية» على طرف يحتكر تعريف الحضارة وطرف آخر يُفترض أنه يفتقر ويحتاج إليها.

تكتسب هذه الإشكالية راهنيتها أمام ما يحدث في غزة. وهذا ما التقطه حميد دباشي في كتابه «وهم الحضارة الغربية: ما بعد همجية الإبادة الجماعية في غزة»، الكتاب الذي ترجم حديثًا وصدر عن منشورات تكوين الكويتية، حيث وضع هذا الإرث الفكري أمام امتحان قاسٍ، متخذًا من غزة نقطة لإعادة النظر في العلاقة بين الاستعمار والعنف وإنتاج المعرفة. يسأل الكاتب عمّا يبقى من مفهوم «الحضارة الغربية» حين تصطدم القيم المعلنة بحدود تطبيقها، وحين تكشف الوقائع عن التوترات الكامنة في التصور الغربي للإنسانية.
ينتقل دباشي من المقاربة التي تدرس علاقة إسرائيل بالغرب عبر الدعم السياسي والعسكري والمؤسسي، إلى قراءة يرى فيها إسرائيل تكثيفًا لتاريخ الاستعمار والإمبريالية الغربية. ومن ثَمَّ تصبح العلاقة بين إسرائيل والغرب مدخلًا إلى سؤال أوسع عن الحداثة نفسها. وإذا كانت إسرائيل، بحسب عبارته، تمثل «أعراضًا لعلةٍ لا طب لها ولا طبيب اسمها الغرب»، فما الذي تمثله فلسطين؟ يجعل دباشي فلسطين صورة لعالم اختبر الاستعمار والاستيطان والسيطرة، مع الحفاظ على خصوصيتها بدل تحويلها إلى رمز منفصل عن تاريخها.
تتحول غزة، وفق تصوره، من موضوع في السياسة الدولية إلى موضع يُختبر فيه تاريخ الفكر الذي أنتج المفاهيم التي تبرر هذا الاستيطان والانحراف الأخلاقي. يعود دباشي بهذه المفاهيم إلى أصولها الفلسفية، لهذا يستدعي عددًا من أبرز فلاسفة الفكر الأوربي، من كانط وهيغل إلى أدورنو وهوركهايمر وليفيناس وأغامبن.
كانط، مثلًا، يُستدعى من خلال فكرة القانون الأخلاقي الكوني، ثم توضع هذه الكونية أمام فلسطين كحالة تكشف التوتر بين القول بأن الإنسان غاية في ذاته وبين تاريخ جرى فيه توزيع الاعتراف بهذه الإنسانية بصورة غير متساوية. أما عند أغامبن، فيعيد دباشي قراءة مفهومي «المعسكر» و«حالة الاستثناء» بين جنبات المخيمات بوصفها نماذج تكشف إمكانية تحول الاستثناء إلى بنية ممتدة في الحداثة السياسية.
ويطرح دباشي سؤال التوثيق في فصل «الشعر بعد الإبادة»، مستعيدًا مقولة تيودور أدورنو الشهيرة: «نظم الشعر بعد أوشفيتز إنما هو فعل بربري»، فكيف يمكن للغة مواصلة إنتاج المعنى والجمال بعد أن كشفت الإبادة عن قدرة الإنسان الحديث على ارتكاب هذا القدر من الوحشية؟ عاد أدورنو لاحقًا إلى هذه المسألة، فغدت أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان نهاية الشعر، فالألم يفرض الحاجة إلى التعبير، فيما تظل اللغة عاجزة عن الإحاطة الكاملة بالتجربة.
يفكك دباشي هذا السؤال في ضوء التجربة الفلسطينية، مستعينًا بمحمود درويش مرآةً لشعرٍ تشكّل داخل الكارثة. فعند درويش، تصبح القصيدة فضاءً لحفظ الذاكرة واستعادة الاسم والمكان والهوية، وتتحول اللغة إلى وسيلة لمقاومة المحو والإقصاء والسرقة.
ولا يقتصر دباشي على الشعر، فيستعين بالفن والسينما أيضًا لإخراج فلسطين من اختزالها في بُعدها الجغرافي، وتحويلها إلى عالم قائم بذاته يستطيع الآخرون أن يجدوا أنفسهم في أسئلته. فيتحدث بإسهاب عن غسان كنفاني وزوجته آني كنفاني، التي تجسّد في مسيرتها معنى عالمية القضية الفلسطينية؛ فهي امرأة دنماركية كرّست حياتها لفلسطين والعمل مع أطفال المخيمات، وساهمت مع المخرج الإيطالي ماريو ريتزي في تحويل قصة غسان «القناديل الصغيرة» إلى فلم وثائقي، فتحولت تلك القناديل إلى رمز للعالم الذي خلقته فلسطين.
تكشف فصول الكتاب عن مشكلة في اتساع مفهوم «الغرب» لدى دباشي. فحين يجعل إسرائيل تكثيفًا للغرب، يصبح التاريخ الغربي كله حاضرًا داخل هذا النموذج، من الاستعمار إلى الفلسفة والإمبريالية المعاصرة. تمنح هذه الصياغة الكتاب قوة تفسيرية ومحاججة مقنعة، لكنها تفتح سؤالًا حول الاختلافات بين التجارب الأوربية، والدول والمؤسسات والتيارات الفكرية والجماعات الاجتماعية داخلها. والغريب أن دباشي، وهو ينتقد التعميم الذي يجعل أوربا مركزًا للكونية، يستعين أحيانًا بتعميم مماثل للغرب. لذلك يظل السؤال قائمًا حول مدى صلاحية الحديث عن فلسفة غربية واحدة أو عن «رجل استعماري» واحد.
هذه النقطة مهمة لأن دباشي يستخدم أدوات الفلسفة الأوربية نفسها لتفكيك مركزيتها. فالفلاسفة الأوربيون حاضرون في الكتاب كموارد تحليلية وموضوعات للنقد في آن. لذلك يمكن قراءة مشروعه كأنه محاولة لإعادة توجيه المعرفة أكثر من كونه دعوة إلى التخلي عن الفكر الأوربي.

يأتي «وهم الحضارة الغربية» خطوة أخرى في مشروع دباشي الفكري، ففي «هل يستطيع غير الأوربي التفكير؟» (2015)، يطرح مسألة احتكار إنتاج المعرفة وموقع المفكر غير الأوربي داخل منظومة تشكلت حول المركزية الأوربية. وفي «أوربا وظلالها» (2019)، يجعل أوربا نفسها موضوعًا للفحص متتبعًا آثار الاستعمار في علاقتها بالآخر.
إذن تظهر قيمة هذا الكتاب في إعادة ترتيب الأسئلة أكثر مما تظهر في تأسيس نظرية جديدة بالكامل. يأخذ دباشي أسئلته القديمة ويضعها أمام غزة، فيتجه السؤال إلى الغرب نفسه: ماذا يبقى من مفهوم «الحضارة» حين تصبح غزة مرآة تكشف تناقضاته؟ كما تنتقل فلسطين من موضوع تفسره المفاهيم الغربية إلى تجربة يمكن منها إعادة فحص هذه المفاهيم.
قد يتكرر لدى دباشي عدد من عناصر مشروعه السابق، لكن خصوصية الكتاب تكمن في تركيبها تحت ضغط حدث واحد ونقلها من مستوى النظرية إلى مستوى «الشهادة». فهو مكتوب على وقع كارثة مستمرة لا تزال تُعرض على العالم بأسره، ولذلك يدخل الغضب والحزن والشهادة في صميم الحجة. تصبح غزة، في آن، واقعةً راهنة ودليلًا حيًّا على تاريخ مستمر من العنف الاستعماري.
ولعل اختلاف ترتيب كلمات العنوان بين النسخة الإنجليزية والعربية يكشف اختلافًا في نقطة الولوج إلى الكتاب. ففي (After Savagery: Gaza, Genocide, and the Illusion of Western Civilization) يبدأ دباشي من «بعد الهمجية»، ثم يقود القارئ إلى غزة والإبادة الجماعية، وصولًا إلى «وهم الحضارة الغربية». كأنه يطلب من القارئ الغربي، البعيد نسبيًّا عن غزة، أن يعيد النظر في صورة الحضارة التي ينتمي إليها من خلال نتائجها، وأن يرى في غزة صورتها الأشد قسوة.
أما العنوان العربي «وهم الحضارة الغربية: ما بعد همجية الإبادة الجماعية في غزة» فيضع الوهم في الواجهة، وهو ترتيب يكتسب دلالة خاصة لدى القارئ العربي الذي لا يلتقي بهذه الصورة للمرة الأولى، وإنما يحمل ذاكرة استعمارية طويلة اصطدمت مرارًا بالغرب وبمعاييره عن الحضارة والحداثة، ويعيش اليوم صحوة لهذه الذاكرة في غزة.
لا ينتهي الكتاب، كما لا تنتهي هذه القراءة، عند إجابة نهائية. إذ يظل السؤال الذي تتركه غزة معلّقًا عن كيفية تعريف الحضارة وعمّن يمتلك سلطة تعريفها، ومن يملك حق تحديد من يُدرج في دائرة الإنسانية ومن يُقصى عنها. وفي انتظار بلوغ إجابة حاسمة، تظل «فلسطين صورة المجاز الدائم، ونورًا هاديًا، يرينا السبيل.»

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.